بسام كوسا من الشاشة إلى الرواية
"أكثر بكثير" بحث عن الذات في زمن الألم السوري
- 120
ق. ث/د. م
يخوض الفنان السوري بسّام كوسا، تجربة أدبية جديدة من خلال روايته "أكثر بكثير"، منتقلًا من فضاء الصورة والشاشة إلى عالم الكتابة الروائية؛ في محاولة لتقديم شخصية إنسانية مأزومة، تبحث عن ذاتها وسط واقع اجتماعي وثقافي مثقل بآثار الحرب والتحولات التي عاشها المجتمع السوري خلال السنوات الماضية.
وتتمحور الرواية حول شخصية "مبروك". وهو شاب مضطرب لا يكفّ عن البحث عن هويته، وموقعه في العالم. ويتنقل خلال السرد بين الفلسفة، والأدب، والحب، والجسد، والعلاقات الاجتماعية، محاولًا بناء تصور خاص للحياة بعيدًا عن القوالب الجاهزة التي تحيط به. ولا يقدم كوسا شخصية مستقرة أو مكتملة، بل يرسم إنسانًا يعيش حالة دائمة من التشكل، والمراجعة والشك؛ فمبروك يعيد النظر في أفكاره، ومواقفه وعلاقاته، ويصطدم بالسائد؛ بحثًا عن مساحة شخصية تمكّنه من فهم نفسه، والعالم من حوله.
ويعتمد كوسا في "أكثر بكثير"، على صوت سردي واحد؛ إذ تتولى شخصية مبروك رواية الأحداث، والتعبير عن الأسئلة والهواجس التي تحركها. ويمنح هذا الخيار السردي القارئ فرصة الاقتراب من العالم الداخلي للشخصية، ومتابعة تحولاتِها النفسية والفكرية عن كثب. وتتحول شخصية مبروك رغم مركزيتها، إلى مساحة تتقاطع فيها شخصيات، وتجارب، وأفكار متعددة، بينما يأتي الوصف مقتصدًا، وخفيفًا؛ فلا ينشغل النص كثيرًا بتفاصيل الأشياء والموجودات بقدر تركيزه على حركة الشخصية، وتحولاتها الداخلية.
وتبدو الرواية في جانب منها، انعكاسًا لمرحلة سورية مأزومة، غير أنها لا تقدم الحرب بوصفها موضوعًا مباشرًا أو تسجيلًا توثيقيًا لأحداثها، بل تستحضر آثارها من خلال شخصية تحمل في داخلها شيئًا من التيه، والقلق، والتشظي الذي أصاب الإنسان والمجتمع. وتضع "أكثر بكثير" شخصية مبروك في مواجهة أسئلة تتجاوز تجربته الفردية من معنى الحياة والنجاة، إلى القدرة على تحمُّل الصدمات، ومواجهة الماضي، والتصالح مع الذات. ومن هنا تبدو الرواية متأرجحة بين الألم والعبث، وبين رغبة الإنسان في التحرر من إرث التجارب القاسية والبحث عن معنى جديد لحياته.
ويحضر في النص سؤال الهوية بوصفه سؤالًا مفتوحًا؛ فمبروك لا يبحث عن إجابة نهائية بقدر ما يحاول اكتشاف "طيفه الحقيقي" وسط علاقات وأفكار وضغوط اجتماعية متشابكة، ولذلك يصبح التيه جزءًا أساسيًا من تكوين الشخصية، ومسارها. كما تفتح الرواية مجالًا للمقارنة مع نماذج روائية عربية انشغلت بالشخصية المأزومة ومحاورة الذات، مع اختلاف السياقات والتجارب، وهو ما يضع تجربة كوسا في سياق أوسع من الكتابة، التي تجعل الفرد مرآة لتحولات المجتمع، واضطراباته.
ويمثل انتقال بسام كوسا من التمثيل إلى الرواية، تجربة لافتة، خصوصًا أن عمله الفني الطويل أمام الكاميرا ارتبط بقدرته على بناء الشخصيات، وتجسيد تناقضاتها. وفي " أكثر بكثير " ينتقل هذا الاشتغال من الأداء البصري إلى الكلمة؛ حيث تصبح الشخصية مادة أساسية لبناء العالم الروائي. ولا تبدو الرواية سيرة ذاتية مباشرة؛ إذ اختار الكاتب أن يبني عالمه من خلال شخصية متخيلة، تتقاطع مع ظواهر اجتماعية وإنسانية عايشها المجتمع السوري بعيدًا عن تقديم خطاب سياسي مباشر.
وبهذا المعنى تأتي "أكثر بكثير" بوصفها تجربة في البحث عن الذات بقدر ما هي محاولة لقراءة الإنسان في مرحلة مضطربة. إنها رواية تضع شخصية واحدة أمام أسئلة كثيرة. وتترك للقارئ مهمة ملاحقة ذلك القلق والبحث المستمر عن معنى للوجود، وعن مستقبل يمكن الإنسانَ أن يصوغه بعيدًا عن أثقال الماضي. وتكشف التجربة الجديدة أن حضور كوسا الإبداعي لا يقتصر على الشاشة، بل يمتد إلى الكتابة التي تمنحه مساحة مختلفة لبناء الشخصيات، والتعبير عن الأسئلة الإنسانية والثقافية التي تشغله.