أي دور للمثقف اليوم؟
أحمد بن سعادة يجيب
- 71
آية توازي
احتضنت قاعة "الطاهر وطار" بالصالون الدولي للكتاب، أول أمس، منصة بعنوان "أي دور للمثقف اليوم؟"، استقبلت الكاتب والباحث أحمد بن سعادة، لمناقشة مسؤولية المثقف ودوره في ظل التطورات الراهنة. وقد شكلت هذه المنصة، مساحة نقدية مكثفة، لتشخيص واقع المثقف.
استهل أحمد بن سعادة تدخله، بإعادة تعريف مفهوم "المثقف"، مؤكدا أن هذا اللقب لا يرتبط بالشهادات الأكاديمية أو المهنة الرسمية، بل بقدرة الفرد على إنتاج المعرفة، وإصدار الأحكام النقدية، وتسليط الضوء على المشكلات التي يتغاضى عنها المجتمع، مضيفا أن المثقف الحقيقي يحتاج إلى اعتراف أقرانه في تخصصه، مع ضرورة التدخل العلني في القضايا الاجتماعية والسياسية، استنادا إلى تموقع أيديولوجي واضح ومفصل، بعيدا عن السطحية والشعبوية.
وفي معرض حديثه عن الوظائف الجوهرية للنخبة، أوضح بن سعادة، أن للمثقف أدوارا رئيسية ومتكاملة، تتمثل أساساً في إنارة المجتمع ومنحه أدوات فهم الظواهر المعقدة، بدلاً من الاستسلام لها. ودعا إلى ضرورة اتخاذ موقف واضح وعلني بشأن قضايا النظام الاجتماعي والسياسي، مع الفصل التام بين الآراء الحزبية الضيقة والحقائق الموضوعية، مؤكدا أن الدور لا ينتهي عند التنظير، بل يجب أن يمتد إلى العمل الفعلي، حيث تُستثمر الرؤى النقدية لتطوير المجتمع نحو الأفضل.
في هذا السياق، خصص بن سعادة جانباً هاماً من محاضرته للحديث عن استقلالية المثقف، مشدداً على وجوب أن يكون مستقلاً عن السلطة بمختلف أشكالها، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو إعلامية، وألا يتحول أبداً إلى أداة طيعة في يد المال والجاه. واستدرك بن سعادة، مؤكدا أن هذه الاستقلالية لا تعني بالضرورة القطيعة التامة، بل تعني الحفاظ على "مسافة نقدية"، تتيح له تقديم الاستشارة الرشيدة، مع الرفض القاطع للخضوع أو المساس بالثوابت الوطنية.
وخصص المؤلف جزءا مهما من مداخلته، لتفسير مفهوم "المخبر الأهلي"، وما يصطلح عليه بـ«الكتاب المستعمرين الجدد” أو "النيو-كولونياليين"، الذين، حسب طرحه، ذابوا في ثقافة المستعمر وأصبحوا أبواقا له، على غرار كمال داود وبوعلام صنصال، واضعا إياهما ضمن تأمل يربط بين الاعتراف الإعلامي الغربي والخطاب الهوياتي والإرث الاستعماري. وأشار في السياق نفسه، إلى تصريحاتهما بشأن علاقتهما بفرنسا، فضلاً عن الأوصاف التي أطلقتها بعض وسائل الإعلام الفرنسية على الكاتبين، معتبرا ذلك، آلية للترسيخ الإعلامي والأدبي، تقوم على تثمين الخطابات الاستعمارية الناقدة للمجتمعات الأصلية.
ولم تفوت المنصة التطرق إلى التحديات المعاصرة التي فرضتها التكنولوجيا، حيث حذر أحمد بن سعادة من التأثير السلبي لشبكات التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة على دور المثقف. وفي السياق ذاته، أوضح أن التطور الرقمي وسيطرة الخوارزميات سهلا انتشار الأخبار الزائفة وتشكل “الفقاعات الإعلامية”، ما يتطلب تحليا صارما بالفكر النقدي، للتعامل مع هذا الكم الهائل من المعلومات، محذرا في ختام تدخله، من الوقوع في فخ التحيزات المعرفية والتسرع في تصديق المحتوى المتداول دون تمحيص أو غربلة.