تقييد سلطات الرئيس لتفادي النظام الرئاسوي المفرط
تقييد سلطات الرئيس لتفادي النظام الرئاسوي المفرط
  • القراءات: 1596
م. خ / واج م. خ / واج

الفصل بين السلطات في صلب أحكام مسودة تعديل الدستور

تقييد سلطات الرئيس لتفادي النظام الرئاسوي المفرط

تقترح مسودة تعديل الدستور التي شرعت رئاسة الجمهورية في توزيعها يوم الخميس الماضي للإثراء والمناقشة، جملة من الأحكام الجديدة المعززة لمبدأ الفصل بين السلطات والضامنة لتحقيق التوازن بينهاّ، فضلا عن إيلاء "الأهمية البالغة" التي تكتسيها أخلقة الحياة العامة،خاصة عند الرأي العام، بالنظر إلى "الانحرافات" التي عرفها تسيير الشؤون العامة خلال السنوات الأخيرة.

وحدد المحور الثاني من مسودة تعديل الدستور التي شرع في عرضها على مختلف فعاليات المجتمع، حزمة من الأحكام المقترحة من قبل لجنة الخبراء المكلفة من قبل رئيس الجمهورية بصياغة مقترحات تعديل القانون الأسمى للبلاد، إذ تضمنت 14 نقطة ترمي إجمالا إلى تعزيز الفصل بين السلطات وهو المبدأ الذي تقوم عليه العلاقة بين السلطات التنفيذية و التشريعية والقضائية.

وتأتي في الصدارة أحكام اقترحت عقب "نقاش واسع" داخل اللجنة حول تقييد سلطات رئيس الجمهورية، بعد ما ترتب عن الأحكام التي تضمنتها الدساتير السابقة والتي أدت إلى بروز "نظام رئاسوي مفرط".

ومن بين أهم ما تم اقتراحه في هذا الشأن تكريس مبدأ عدم ممارسة أكثر من عهدتين رئاسيتين متتاليتين أو منفصلتين، مع استحداث إمكانية تعيين رئيس الجمهورية لنائب له. وهو المنصب الذي ترى اللجنة بأنه يمكن أن يشكل "سندا لرئيس الجمهورية كلما دعت الضرورة لذلك".

واستنادا إلى ذلك، سيكون بإمكان نائب رئيس الجمهورية في حال تعيينه أن "يحل محل الرئيس عند حصول مانع له أو عند شغور منصب رئيس الجمهورية. وهو ما يسمح بإتمام العهدة وضمان استمرارية المؤسسات".

كما تتضمن المسودة اقتراحات أخرى، الغاية منها تعزيز مركز رئيس الحكومة بعد أن كانت قد تمت الاستعاضة عنه في دستور 2008 بمنصب الوزير الأول، المكلف بتنفيذ برنامج رئيس الجمهورية.

وعلاوة على ما سبق ذكره، تقترح اللجنة من خلال مسودتها أحكاما تتعلق بإعلان حالتي الطوارئ والحصار، عبر إقرار مدة ثلاثين يوما لكلتيهما، لا تجدد إلا بموافقة البرلمان.

أما فيما يتعلق بالحالة الاستثنائية فتحدد مدتها بستين يوما، لا تجدد إلا بموافقة البرلمان، مع إقرار حق المحكمة الدستورية (التي ستحل محل المجلس الدستوري وفقا لاقتراحات لجنة الخبراء) في رقابة القرارات المتخذة أثناءها.

وفي سياق ذي صلة، لم تغفل المسودة رسم العلاقات التي يتعين أن تكون قائمة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث قادها عملها في هذا الإطار إلى اقتراح توسيع صلاحيات البرلمان في مجال التشريع وتعزيز سلطة الرقابة البرلمانية على عمل الحكومة.

ومن بين ما تقترحه اللجنة في هذا المنحى "إلغاء حق التشريع بأوامر خلال العطل البرلمانية"، مع "الحفاظ على حق التشريع بأوامر خلال مدة شغور المجلس الشعبي الوطني وفي الحالة الاستثنائية مع ضرورة تقديمها للبرلمان في المدة المطلوبة".

كما تطرح اللجنة في هذا الصدد مقترحا بـ"إلزام الحكومة بإرفاق مشاريع القوانين بمشاريع النصوص التطبيقية لها" و"تقديم المستندات والوثائق الضرورية إلى البرلمان لممارسة مهامه"، فضلا عن "إقرار إمكانية ترتيب مسؤولية الحكومة على إثر الاستجواب" وكذا "إقرار التصويت داخل البرلمان بحضور أغلبية الأعضاء".

أما بخصوص العمل البرلماني. وتحديدا ما تعلق منه بحماية العهدة الانتخابية من خلال ضبط الحصانة البرلمانية، فقد تم اقتراح "تحديد العهدة البرلمانية باثنتين فقط"، يضاف إلى ذلك "التمييز في الاستفادة من الحصانة البرلمانية بين الأعمال المرتبطة بممارسة العهدة (وهي التي لا يمكن أن يكون عضو البرلمان محل متابعة بشأنها) وتلك غير المرتبطة بتلك المهام".

أخلقة الحياة العامة لتفادي الانحرافات في تسيير الشؤون العامة

وبلا شك فان تكريس مبدا الفصل بين السلطات، من شانه أن يضفي النوعية على الممارسة السياسية. ومن ثم أخلقة الحياة العامة خاصة عند الراي العام، بالنظر إلى "الانحرافات"، التي عرفها تسيير الشؤون العامة خلال السنوات الأخيرة .

وفي هذا الإطار اهتمت لجنة الخبراء المكلفة بجمع الاقتراحات لمراجعة الدستور بالبحث عن كيفية إدراج ضمانات أكثر في النص الدستوري لحماية الأموال العامة وإيجاد وسائل فعالة للوقاية من الفساد ومكافحته، مقترحة في هذا الشأن أحكام تستهدف الرقي بالقواعد المتعارف عليها إلى المستوى الدستوري وضمان شفافية أكثر في تسيير الشؤون العامة باعتماد مبادئ الحكم الراشد كما هو معمول به دوليا.

ومن الأحكام المقترحة أيضا، تلك التي تدعو إلى دسترة السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته وإدراجها ضمن الهيئات الرقابية وتلك التي تمنع الجمع بين الوظائف العامة والنشاطات الخاصة أو المهن الحرة وتلك التي تحظر خلق وظيفة عمومية أو القيام بأي طلب عمومي لا يستجيبان للمصلحة العامة، إلى جانب منع كل عون عمومي من أن يكون في وضعية تضارب المصالح في اطار ممارسة مهامه.

كما اقترحت اللجنة المختصة التصريح بالممتلكات في بداية الوظيفة أو العهدة وعند انتهائها لكل شخص يعين في وظيفة عليا في الدولة أو منتخب أو معين في البرلمان أو منتخب في مجلس محلي، علاوة على  الزام السلطات العمومية باحترام الحكم الراشد وفرض احترامه في تسيير الشؤون العمومية ومعاقبة القانون لاستغلال النفوذ.

واقترحت اللجنة بوجه عام ألا يحتوي التشريع على أحكام من شأنها أن تؤدي إلى الفساد كالغلو في الشروط القانونية. كما اهتمت بالدور الذي ينبغي أن يؤديه مجلس المحاسبة باعتباره هيئة رقابة عليها من خلال الأحكام المخصصة له، غير أنها تقترح في الوقت ذاته  إعادة النظر في القانون المتعلق بتنظيم وسير هذا المجلس وعمله لتعزيز دوره الرقابي.

من جهة أخرى، ارتأت اللجنة أن تمنح للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات "مركزا دستوريا" بتحديد طبيعة تشكيلتها لضمان استقلالها وتمثيليتها،كما حددت مهامها التي تتسع لمجمل العمليات الانتخابية، مع الإحالة إلى القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات لتحديد قواعد تنظيمها وعملها.

يذكر أن مسودة التعديل الدستوري المعروضة على الفاعلين السياسيين و الأكاديميين والشخصيات الوطنية و منظمات المجتمع المدني، تمثل أرضية للنقاش ومنهجية عمل "من أجل تزويد الأمة بدستور توافقي يستجيب لتطلعات الشعب". وهو المشروع الذي يعد قابلا للتعديل مثلما كانت قد أكدته رئاسة الجمهورية.


أحزاب سياسية تثمن مسودة الدستور وتلتزم بإثرائها

ثمنت أحزاب سياسية، أمس، محتوى مسودة المشروع التمهيدي لتعديل الدستور التي شرعت رئاسة الجمهورية في توزيعها الخميس الماضي، مشيدة بالتزام رئيس الجمهورية بتمكين البلاد من "دستور توافقي" ترتكز عليه الجزائر الجديدة وذلك بعد مشاركة الجميع في النقاش والإثراء.

وعبر حزب جبهة التحرير الوطني عن "تثمينه" لالتزام رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بمنح مشروع تعديل الدستور "طابعا توافقيا" وفق مقاربة شاملة أساسها "الاستشارة الواسعة دون إقصاء" لتعميق النقاش والحوار حول الدستور الذي يعد "حجر الأساس في بناء الجزائر الجديدة".

كما سجل الحزب "ارتياحه للإرادة السياسية لرئيس الجمهورية في تمكين البلاد من دستور ديمقراطي للدولة الجزائرية، يعكس تطلعات الشعب الجزائري ويرمي إلى دعم وحماية الهوية الوطنية و وحدة الشعب وتوسيع الفضاء الدستور لحقوق وحريات الإنسان والمواطن وتعميق الديمقراطية وتوطيد دعائم دولة القانون وتعميق استقلالية القضاء وتعزيز الصرح المؤسساتي في البلاد".

واستجابة لدعوة رئاسة الجمهورية بمناقشة هذه المسودة، قرر الحزب "فتح ورشات متخصصة مركزيا ومحليا، على مستوى كل المحافظات واللجان الانتقالية للحزب بالولايات لجمع مقترحات وملاحظات الإطارات والمناضلين قبل رفعها إلى لجنة الخبراء التي تم تشكيلها قبل عدة أسابيع على مستوى قيادة الحزب".بدوره، أعرب حزب التحالف الوطني الجمهوري عن "ترحيبه المبدئي بهذا المسعى الإصلاحي باعتباره يمثل تجسيدا لأحد أبرز التعهدات الانتخابية لرئيس الجمهورية، بما يسمح بترميم واسترجاع ثقة المواطن في الحقوق والحريات، وبين ضرورات حفظ أمن واستقرار الدولة-الأمة، ويصون مقومات الهوية الوطنية، ويعزز دولة الحق والقانون والمؤسسات، ويكرس الحقوق والحريات، ويرسخ مبدأ الفصل بين السلطات واستقلالية العدالة، ويحرر المبادرة الاقتصادية والاجتماعية".

كما يؤكد التحالف الوطني الجمهوري أن هذا المسعى الدستوري "ينسجم مع رؤية الحزب لإرساء التجديد الجمهوري"، مضيفا أن تحقيق هذا الهدف "يتطلب أن تباشر بلادنا جملة من التحولات، أهمها التحول الدستوري باعتباره الأرضية الصلبة والمدخل الصحيح لإنجاح باقي التحولات" وكذا التحول المؤسساتي الذي "سيسمح ببروز مؤسسات منتخبة جديدة تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية وتستمد مشروعيتها من قدرتها واستعدادها للتكفل بالانشغالات والتطلعات المشروعة للمواطنين".

أما حركة مجتمع السلم فقد أعلنت بأنها "ستشرع في تعميق دراستها للمسودة بغرض تحديد موقفها النهائي"، مشيرة إلى أن موقفها يرتكز على عدة مستويات من بينها "إشراك هياكل الحركة التنفيذية والشورية وهيئاتها الاستشارية ، استشارة الخبراء والمختصين وتنظيم ندوات موضوعاتية في الموضوع، التشاور مع الشخصيات الوطنية والطبقة السياسية ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة والمتنوعة".

وبخصوص مسودة المشروع التمهيدي لتعديل الدستور، اعتبرت الحركة أن ما توصلت إليه اللجنة التي كلفت بإعداد الأرضية "بعيد عن الطموحات المرجوة (...) لا سيما ما عبرت عنه أطياف الشعب الجزائري من خلال الحراك الشعبي ومطالب التغيير المجمع عليها".

وأوضحت في هذا الشأن أن الوثيقة المقترحة "لم تفصل مجددا في طبيعة النظام السياسي" ، كما أن هناك "بعض التدابير جاءت في المسودة بصيغة مبهمة وغامضة".من جهته، اعتبر التجمع الوطني الديمقراطي، أن المشروع التمهيدي لتعديل الدستور الذي وزعته رئاسة الجمهورية للطبقة السياسية والمجتمع المدني والشخصيات الوطنية بهدف الإثراء والمناقشة، هو" لبنة أساسية في بناء الجزائر الجديدة التي يأملها الجميع".

وسجل الحزب في بيانه أول أمس لدى القراءة الأولية لهذه الوثيقة "رغبة رئيس الجمهورية من خلال الدستور القادم،إعطاء نفس جديد لمؤسسات الدولة وتعزيز الحريات وإزالة اللبس فيما يتعلق بالفصل ما بين السلطات".

وأوضحت هذه التشكيلة السياسية أن مشروع تعديل الدستور الذي يأتي في ظروف "مميزة تفرض تجند الجميع من اجل إقرار دستور يحوز على إجماع وطني واعتراف دولي، أخذا بعين الاعتبار مطالب الحراك الشعبي على الصعيد الداخلي" وكذا التطور الحاصل في المنظومة الدستورية العالمية .وأضاف في هذا السياق أن هذه المسودة "تعدت المطالب المعبر عنها" من طرف فاعلين سياسيين واجتماعيين، كإقرار محكمة دستورية وتوسيع منظومة الحقوق والحريات وتعزيز مركز رئيس الحكومة وضمان التداول الديمقراطي على المناصب الانتخابية وتحرير العمل الجمعوي، إلى جانب "تعزيز" استقلالية القضاء والمحافظة على الهوية الوطنية بأبعادها الثلاثة .

وإدراكا من الحزب بّأهمية المساهمة في هذا الواجب الوطني --يضيف المصدر --"تم تكليف لجنة مشكلة" من إطارات وخبراء الحزب في المجال القانوني وذوي الخبرة في التسيير الإداري لدراسة محتوى هذه الوثيقة " وتقديم مقترحات وملاحظات سيتقدم" بها التجمع الوطني الديمقراطي لرئاسة الجمهورية في إطار "تعزيز النهج الديمقراطي في المشاورات"، معبرا في هذا الاطار عن "التزامه" بالمساهمة في إثراء هذه الوثيقة والمشاركة في الحملة الانتخابية المتعلقة بالاستفتاء على الدستور.

ق. و

العدد 7271
29 نوفمبر 2020

العدد 7271