مسيرة تاريخية ودينية لعلاّمة زاهد تتداولها الأجيال
 ح.بوبكر ح.بوبكر

زاوية الشيخ والمجاهد "سيدي الحاج محمد بن بوحوص" بعين السخونة بسعيدة

مسيرة تاريخية ودينية لعلاّمة زاهد تتداولها الأجيال

يشد انتباه زائر بلدية عين السخونة التي تبعد عن ولاية سعيدة بحوالي 90 كلم، ينابيع مياهها وحمّامها المعدني الذي يقصده المئات كل يوم لطلب الراحة والعلاج، ناهيك عن ثروتها النباتية والحيوانية، لاسيما أنواع الطيور. الزاوية التي تتربع عند مدخل البلدية تُعد صرحا ومنارا علميا في مجال تعليم القرآن، وأضحت معلما دينيا وتاريخيا يزوره الكثيرون من مختلف الولايات، هي زاوية الولي الصالح والمجاهد سيد الحاج محمد بن سيدي الحاج بوحوص، أحد أقطاب الطريقة البوشيخية الشاذلية.

الولي الصالح سيدي زوي محمد من مواليد سنة 1891 بأربوات البيّض ابن بحوص بن الحاج بن محمد بن الطيب بن يوسف. يعود نسبه إلى ذرية سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولأمه فاطنة بنت الشيخ بن محمد البودواوي من ذرية سيدي الشيخ.تربى وترعرع في أحضان والده بمسقط رأسه، ورحل مع والده إلى منطقة الشط الشرقي بضواحي الرقاصة ولاية البيّض، حيث تعلّم القرآن الكريم ومبادئ الفقه والسيرة النبوية عن عدة مشايخ، منهم الشيخ الفاضل والعلاّمة الجليل سيدي الحاج محمد بن عبد القادر الشريف التاجروني بمدينة البيّض، والذي لازمه حتى الوفاة. أخذ عنه الطريقة القادرية والإذن في تلقينها، وجددها عن الشيخ مولاي عبد الله، من أحفاد الولي الصالح سيدي الحاج بن عامر بمدينة البيّض. وأخذ كلٌّ من الطريقة التيجانية والطيبية عن الشيخ الولي الصالح مولاي التهامي بالمغرب، وهكذا أصبحت زاويته تسمى زاوية الطرق الصوفية.

في الثلاثين من عمره انتقل إلى زاوية الشيخ بوعمامة  بمنطقة برقم عين بني مطهر - جرادة وجدة - بالمغرب عند الشيخ القطب الشهير سيدي الحاج الطيب بن سيدي بوعمامة، فتتلمذ على يده، وأخذ عنه الطريقة الشيخية الشاذلية، وأخذ الإذن في فتح زاويتين، الأولى زاوية الموحدين لنشر الطريقة الشيخية ببلدية الرقاصة ولاية البيّض سنة 1933، والثانية الزاوية بعين السخونة ولاية سعيدة في سنة 1946. كلاهما يتميز عن باقي الزوايا بحفريات، تتمثل في مسجد وقاعة للضيوف، ومطبخ ودار للعبادة *الخلوة* وعدة بيوت للزوار، ولازالت موجودة كمعالم تاريخية وسياحية وثقافية حتى الآن. ونظرا للسمعة الطيبة للرجل وتقواه ومعاملاته الحسنة والكرامات العديدة التي شهد له بها العام والخاص، نال حب واحترام الجميع؛ مما ارتقى إلى مقام المشيخة، للطريقة الشيخية بالجزائر، بتأييد من جميع شيوخ وأعيان وجهاء أولاد سيدي الشيخ. فبعد وفاة الشيخ بوعمامة سنة 1808 انتقلت المشيخة إلى ابنه الشيخ سيدي الحاج الطيب بالعيون سيدي ملوك بالمغرب.

 وبعد سيدي الحاج محمد بن بحوص انتقلت مشيخة زاوية السخونة إلى ابنه سيدي الحاج المختار، الذي قد وافته المنية في 18 مارس 2007. وكان للزاويتين دور هام في تعليم القرآن الكريم ونشر تعاليم الدين الإسلامي، ونشر الطرق الصوفية، وحل جل المشاكل الاجتماعية كالصلح بين الناس والتحريض على الجهاد النفسي والروحي والدفاع عن الوطن، وإطعام الفقراء والمساكين وإيواء الأيتام والمحرومين. ومن مواقفه الخاصة أنه في سنة 1945م عام المجاعة، قام الحاكم الفرنسي بجمع حوالي 375 معوزا من مختلف الشرائح؛ شيوخا وأطفالا ويتامى ومعوزين مصابين بعدة أمراض وأوبئة مختلفة، وسلمهم لسي الحاج محمد بزاوية الموحدين؛ حيث حظي جميعهم بالرعاية التامة، وشفي بعضهم ومات الآخرون وطلب من الشيخ بأن لا يتقرب منهم تفاديا للعدوى والأوساخ وغير ذلك، فرد عليهم "اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين"؛ لقد تخرّج على يده الكثير من المشايخ والمريدين وأتباع الطرق الصوفية، عدد لا يحصى ولا يعد ومنهم الولي الصالح والعارف بالله الشهير الشيخ سيدي الحاج أحمد بن بحوص بن حمزة من ذرية سيدي الحاج بن الدين، الذي فتح زاويته المشهورة بمدينة متلتلي الشعانبة، ولاية غرداية، لنشر الطريقة الشيخية بمنطقة الجنوب الشرقي. كما عين ابنه الحاج الشيخ بزاوية الموحدي، وابنه الشيخ سيدي الحاج المختار على الطريقة الشيخية بزاوية عين السخونة. الشيخ سيدي محمد بن بحوص من كبار المجاهدين المناضلين ضد المستعمر الفرنسي. أخذ مشعل الجهاد عن والده سيدي بحوص بن الحاج، أحد قادة الشيخ بوعمامة وعن شيخه المجاهد الشيخ سيد الحاج الطيب بن بوعمامة، مواصلا مقاومات أولاد سيدي الشيخ.وفي يوم الإثنين 26 شوال الموافق لـ 07/ 07 /1954 توفي الشيخ رحمة الله وأسكنه فسيح جنانه بزاويته بعين السخونة، ودُفن بداخل بيت كان مخصصا للعبادة، وأصبح فيما بعد ضريحا. 

دار الخلوة التي بناها الشيخ والتي تسمى بدار العبادة، أصبحت قطبا روحيا وسياحيا بمنطقة الزاوية بعين السخونة. وكان الشيخ سيدي الحاج محمد يتخذها مكانا للعبادة، كما تداول على لسان بعض من عايشوه عن طريقة التعبد داخل الخلوة: "كان الشيخ يربي شعره في الوسط ويقوم بربطه بحبل وهو يذكر الله، وعندما يتغشاه النعاس ينقض الحبل المشدود في رأسه ويزاول الذكر في الصباح. ولقد كُتب عن مآثره مخطوط تحت عنوان: "بُلغة المحتاج في مناقب سيدي محمد بن بحوص الحاج" من تأليف الدكتور طواهرية عبد الله "ولاية أدرار"، هو الآن قيد الطبع.

العدد 6649
15 نوفمبر 2018

العدد 6649