عظمة الرجل تقاس بدرجة تواضعه
  • القراءات: 4584
حاورته: لطيفة داريب حاورته: لطيفة داريب

علي فرعون لـ’’المساء":

عظمة الرجل تقاس بدرجة تواضعه

هل هناك أجدى من ابن للحديث عن والده، حتى وإن أحبه واحتك به الكثيرون؟ هو حال علي فرعون الذي سبق له أن قدم شهادته لمؤلف كتاب "مولود فرعون، كاتب ملتزم" فجاء دور"المساء" في محاولة لتقصي بعض الحقائق عن هذا الكاتب العظيم، مولود فرعون، الذي سجل حضوره على المستوى الوطني وحتى الدولي، وفي هذا كشف علي فرعون عن حمل مؤسسة مولود فرعون لمشروع فيلم مقتبس من عمل "يوميات 1955-1962" وكذا ارتياحه بعد اكتشافه بأن والده لم ينزف إلى حد الموت على كرسي بل فارقت روحه جسده في مشفى. 

 والدي لم ينزف حتى الموت على كرسي بالمدرسة بل توفي في المشفى وهو ما اكتشفته بعد 54سنة من رحيله.

❊❊ 55 سنة بعد رحيل مولود فرعون، والافتتان بأعماله وبشخصه لا ينضب، كيف تفسر هذا؟

— وفقا للتحقيقات التي أجراها المختصون، مولود فرعون كان دائما الكاتب الجزائري الأكثر قراءة سواء على المستوى المحلي أو الدولي، هذا لا يعني أن نطلق عليه صفة "الكاتب صاحب النجاحات" ولكن القراء صغارا كانوا أم كبارا يهتمون بأعماله. أتذكر الأيام التي شهدت فيها اختفاء كتب مولود فرعون من رفوف المكتبات تطبيقا لسياسة تحقيق المساواة بين الكتاب من خلال جلب عدد موحد لكتبهم فكانت كتب فرعون تشترى بسرعة وهو ما شكل مشكلة بالنسبة لمعجبيه في انتظار وصول نسخ أخرى لكاتبهم المفضل وهو ما لم يكن يحدث إلى حين بيع كتب للمؤلفين الآخرين. أعتقد أن إعجاب القراء بأعمال فرعون يعود إلى أنها نصوص "معلم" أو "مرب"، فهو يملك موهبة خاصة لتقديم شروحات بطريقة فنية مبسطة تصل إلى ذهن القارئ، كما كان إنسانيا قريبا من الآخرين ويحترمهم، وقد قال دريس شرايبي عنه إنه "كان أفضلنا فلم يكن يمارس الأدب بل الواقع" مع العلم أن كتاب "ابن الفقير" منذ صدوره سنة 1950 إلى اليوم بيع منه أكثر من مليون نسخة.

كتاب "ابن الفقير" منذ صدوره سنة 1950 إلى اليوم بيع بأكثر من مليون نسخة

❊❊ ماذا عن شهرة فرعون في العالم؟

— الاهتمام بأعمال فرعون لا يعني الجزائر فقط بل أيضا يمس دولا في العالم، وفي هذا السياق، تمت ترجمة "ابن الفقير" في عدة دول جديدة في العشرية الأخيرة، مثلا في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2006. في مصر سنة 2014 وفي اليابان سنة 2016. كما أن، الكثير من الجامعات العالمية تعد مذكرات وأطروحات حول مؤلفاته. وكتب كل من روبار إلباز ومارتين ماتيو جوب، (أستاذان في الأدب بالجامعات الفرنسية)، مؤلفين حول أعمال فرعون، وقالا "إنه مؤسس الأدب المغاربي المكتوب باللغة الفرنسية، ليس فقط من الجانب الكرونولوجي لكن لأنه الوحيد الذي جلب مشروعا مبرمجا للكتابة". لايعرف الكثيرون أن أعمال فرعون ترجمت في حياته إلى الروسية في عهد الاتحاد السوفياتي سابقا وإلى الألمانية ما بين 1958و1960. كما نالت رواية "ابن الفقير" جائزة "الحارس الشاب" بموسكو وجائزة "أفضل كتاب موجه للشباب" ببرلين. كما ترجمت جميع أعمال فرعون في الفترة الممتدة من 1960إلى 1975، في كل دول أوروبا الشرقية، مثل بولونيا ورومانيا والمجر وبلغاريا. كما ترجمت روايتيّا "ابن الفقير" و«الأرض والدم" في كل من مصر وتونس وكوبا وإيطاليا وإسبانيا وانجلترا والولايات المتحدة الأمريكية". بالمقابل ترجمت بعض كتب فرعون إلى اللغة الأمازيغية في سنوات التسعينات، في حين تم اقتباس روايته "الأرض والدم" في المسرح بالأمازيغية والعربية.

❊❊ هل تعتقد أن ضم المقرر الدراسي الجزائري لنصوص فرعون، زاد من شهرته وأدخله باب الخلود؟

— صحيح أن البرنامج الدراسي يضم نصوصا لأعمال فرعون ولكن لا أعتقد أن هذا هو السبب الرئيسي لكي يكون فرعون مشهورا ومعروفا لدى الشباب. بل أظن أن النوعية الأدبية لكتاب مثل "ابن الفقير" وكذا عالمتيه، هو ما جعل الشباب يجدون أنفسهم في الشخصية الرئيسية لـ«ابن الفقير "المسماة بـ«فورولو"، وهو ما يشكل دافعا لتعلقهم بأعمال فرعون. نفس الأمر بالنسبة لعمل "الأرض والدم" وكذا "الدروب الوعرة" اللذين لقيا إعجاب القراء. أفكر أيضا في يوميات حرب التحرير الجزائرية: "يوميات 1955/1962" التي تعد عملا يمزج بين كثافة المعلومات ووضوح فكر المؤلف، إضافة إلى تبيان صدقه العميق حينما يروي الأحداث المؤلمة التي تعرض لها رجال ونساء البلد، أيضا عمل "أيام القبائل" الذي يشكل لوحات رائعة للمجتمع الريفي لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

  روبار إلباز ومارتين ماتيو جوب، قالا إن فرعون مؤسس الأدب المغاربي المكتوب باللغة الفرنسية

❊❊ كونك ابن فرعون، هل تعتبر ذلك فخرا ممزوجا بحمل ثقيل؟

— لا شك في ذلك ولكن ليس كما تظنين، ورثنا في عائلتنا تواضع فرعون، أعتقد أنه من أجمل ما ورثناه، علاوة على لقبه. فرعون كان قريبا من الناس وكان يشعر ببؤسهم، أتذكر حينما كان مدير مدرسة بحي الناظور، ومكلف أيضا بالمطعم المدرسي، كان يطلب مني إحضار اللحم كل يوم أحد من عند قصابة بالحي، فكان يأخذ 100 فرنك جديد من صندوق كرتوني في درج من مكتبه، ويقول لي: "أذهب وأجلب المزيد من النقود من أمك وادفع قيمة 150 فرنكا جديدا لشراء لحم الخروف". نعم كان يدفع من جيبه حتى يأكل جميع الأطفال الذين يعتبرهم مثل "فورولو" اللحم ولو لمرة واحدة في الأسبوع. اقرئي كتاب "أيام القبائل"، كان فخر فرعون أن يستقبل من سكان قريته مثل أي فرد منها بدون أي تمييز، حتى بعد غياب طويل، فقد كان يرفض أن يعتبر كشخصية. أتذكر سنة 1956، حينما عاد إلى تيزي هيبل في أوج حرب التحرير، لم يلق استقبالا من أبناء قريته بل كانوا يتجنبونه ويشكون في كل شيء، وقد روى ذلك في "يوميات 1955/1962"، ولكن بعد خمس دقائق من "الجماعة" أعيد الاعتبار له، حتى أن أبناء قريته كانوا يخبرونه بأسرار الجهاد وكذا إسكان العائلات للمجاهدين في الليلة المقبلة وهو ما أسعده كثيرا. نعم لقد علمنا أن العظمة ليست في التفوق على الآخرين بل بالشعور بالمساواة مع الجميع وتقديم الحب والعطاء بدون حساب، ففرعون كان يحب الضعفاء ويحترمهم، نعم هذا هو الحمل الثقيل الذي رفعناه طيلة حياتنا وهو الخوف من أن لا نكون في المستوى المطلوب، وفي كل مرة تضعني الحياة في موقف يمكن لي أن أساعد فيه الغير أو أن أخفف من أحزان البعض، أفعل بدون تردد وكلي فخر بكوني ابن فرعون وأقول لنفسي إنني كرمته لأنني كنت في مستوى تطلعاته، لقد تعلمت مبكرا أن عظمة الرجل تقاس بدرجة تواضعه.

❊❊ كيف كان مولود فرعون وسط أسرته؟

— كان فرعون رجلا يحمل ضميرا، دقيقا وأنيقا، كل ما يفعله يجب أن يكون مثاليا، كان يبذل كل جهده في كل شيء يقوم به، خاصة في مسألة تسيير عائلته وبالضبط تربية أطفاله، فرعون كان أبا جيدا وكان يقدم حبه وعطاءه للجميع بطريقة متساوية، لكنه كان رجلا جديا لم يكن يستمتع كثيرا مع أطفاله حينما يخرجون من مرحلة الطفولة. فكان نموذجا جادا في تصرفاته وفي عمله وفي كل مواقفه. كما تخلى عن جانب العقوبة لصالح والدتي، بينما كان يهتم بتربيتنا ودراستنا، صحيح أنه كان أحيانا يوبخنا لكنه لم يضربنا قط، كان يهمه أن نتحلى بالتربية الكلاسيكية إضافة إلى مبادئ الرفق واحترام الغير والصدق أيضا، كانت له كرامة الريفي القبائلي واستطاع أن يوصلها إلينا، كان يتصف بـ«ثقفايليث" التي تعني حرفيا "القبائلي" لكنها تعني أيضا الكرامة والصدق. نعم كان يهتم بعائلته فردا فردا(سبعة إخوة وأخوات).

إعجاب القراء بأعمال فرعون يعود إلى أنها نصوص "معلم" أو "مربي".

❊❊ تناول فرعون قضية المرأة ولكن لم يكن ذلك بالسهل تحت وطأة الاستعمار، لو كان حيا اليوم هل كان سيرضى بوضعية المرأة حاليا؟

— تذكري رواية "ابن الفقير"، فورولو كبر محاطا بالنساء، وكان دقيق الملاحظة، كما أمعن كثيرا في دور المرأة في المجتمع، حتى أنه قدم مكانة مرموقة للمرأة في كتبه. المرأة كانت بالنسبة لوالدي، عنصرا هاما في تنمية العائلة والمجتمع معا. كانت والدتي في عمر 16 سنة حينما تزوجها، وكانت تكبر بسنة واحدة، طلابه الكبار في مدرسة "تابودريست" حينما كان معلما للقسم الوحيد للمدرسة، ولهذا وضعها في القسم نفسه، كان يريد تعليم زوجته التي لم تدرس قط في حياتها، كان هذا سنة 1938، وشعر جدي بالاستياء جراء ذلك لكن هذا لم يمنع أبي من مواصلة تحقيق هدفه المتعلق بتعليم أمي، وفي البيت كان يقرأ لها بالفرنسية كل المسرح الكلاسيكي لموليار وراسين وكورناي، علاوة على الروايات ولاحقا كان يقرأ لها  نصوصه التي كان يكتبها، وكانت تساعده في اختيار أفضلها، بعدها وضع أختي في صفه ولو بشكل جزئي، وحينما بلغت من العمر 11 سنة أرسلها إلى ثانوية البنات في الحراش، بعدها بسنة، أوكلت له مهمة إنشاء مدرسة للذكور بالأربعاء ناث ايراثن، ففرض على الأكاديمية، تسجيل البنات، وهكذا سجل أختي في المدرسة، إضافة إلى البنات الأخريات. هذه هي بعض الصور التي تبرز مدى تعلق فرعون بتوفير الحرية الإيجابية للمرأة الجزائرية. 

أعمال فرعون ترجمت  في حياته إلى الروسية في عهد الاتحاد السوفياتي سابقا والى الألمانية

❊❊ من الذي خطرت له فكرة إنشاء مؤسسة فرعون، وماهي مشاريعها الحالية؟

— وجدت أنه من المفيد أن أنشئ مؤسسة مولود فرعون لأجل التربية والثقافة سنة 2011 في فترة كنا نحضر فيها مئوية مولود فرعون، وقد تلقيت مساعدة كبيرة من طرف زبيدة معمرية، التي كانت موظفة سامية في وزارة الثقافة، وبعد عام من التحضير، تلقيت مساعدة ثانية من طرف سي الهاشمي عصاد، الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية، ليتحقق الحلم في 28 ماي 2012، وتنشأ المؤسسة من طرف مائة عضو مؤسس من بينهم مهندسون وصحفيون وجامعيون ومعلمون ومهندسون زراعيون ومحامون وغيرهم. في بداية الأمر لم يكن لدينا مقر فعملنا في قاعات مكتبة مولود فرعون بالعاصمة لمدة عامين، والتي أتيحت لنا من طرف السيد لوكال، مدير ديوان الترقية الثقافية والفنية لبلدية الجزائر الوسطى، وضم البرنامج السنوي، معارض ومحاضرات ونقاشات وكذا عروض أفلام. عملنا أيضا مع مؤسسة "فنون وثقافة" للجزائر العاصمة، متحف الفنون الجميلة، جامعات الجزائر وتيزي وزو ووهران وبوزريعة. كما نشطنا برامج إذاعية وتلفزيونية في الجزائر وفرنسا، علاوة على تنظيمنا لمحاضرات في فرنسا أيضا. وقمنا ببرمجة نشاط كل 15 يوما في العامين الأولين من إنشاء المؤسسة، كما نظمنا أيضا محاضرات وأسابيع ثقافية في مختلف الولايات الجزائرية، مثل تيزي وزو وبسكرة وخنشلة ووهران وسعيدة وباتنة وأسسنا قاعدة لإنشاء جمعيات حول مولود فرعون. عملنا كل هذا لتعريف النشء الصاعد بفرعون فحرصنا على ترجمة أعماله إلى اللغة العربية. بعدها خّفضنا من نشاطاتنا الخارجية وأصبحنا ننظم محاضرة كل شهر مع معرض، مما سمح لنا برقمنة أرشيف ومخطوطات فرعون، من خلال عملية مسح ضوئي لكل مخطوطات فرعون وكل الأرشيف ومن ثم تصنيف النصوص الأصلية في ملفات خاصة، للحفاظ عليها، بعدها قمنا بمحاولة جمع كل الأعمال المتعلقة بفرعون سواء من الجامعات أو من دور النشر المحلية والأجنبية، وهكذا يتمثل مشروعنا في إنشاء مركز توثيق خاص بمولود فرعون يضم كل المعلومات حوله.

وضع والدتي في القسم الذي كان يدرّس به وكان يريد منها أن تتعلم

❊❊ قدمت شهادتك للكاتب جوزي لانزيني في كتابه "مولود فرعون، كاتب ملتزم"، أعتقد أنه لم يكن سهلا الرجوع إلى أحداث أليمة تتعلق بوالدك، خاصة حول مقتله؟ 

— مقتل مفتشي التربية وهم مولود فرعون، ماكش مارشان، علي حموتان، صالح واد عودية، روبار آيمار ومارسال باسيت، كان موضوع كتاب جان فيليب ولد عودية، رئيس جمعية أصدقاء ماكس مارشان ومولود فرعون ورفقائه، تناول فيه هذا الحادث الذي يبقى مؤلما جدا بالنسبة لي رغم أنني اعلم أن الحياة جميلة وان كل شيء يتم وقف قدر الله. أتحسر على اهتمام القتلى الأصوليين بتعذيب ضحاياهم من خلال إطلاق الرصاص على أقدامهم بالرشاش. كما أن فرعون لم "يستفد" حتى من "رصاصة الرحمة" مثل نظرائه، بل نزف إلى حد الموت. قيل لي أنه وضع على كرسي طويل إلى أن مات. ولمدة نصف قرن وأنا أفكر في ميتة أبي وقلبي يتقطع، مات ببطء بدون أي رحمة. ولكن ولأن الحياة خيرة، التقيت مؤخرا بطبيب وقال لي إن والده، هو السائق الذي قاد فرعون الى المشفى بسيارة تابعة للمراكز الاجتماعية وإن فرعون مات بمشفى مصطفى باشا، أعتقد أن المعلومة صحيحة لأن المراكز الاجتماعية آنذاك كانت تستعمل سيارات النوع الذي قال عنه الطيب. أؤكد لك أن هذه المعلومة غمرت قلبي بالحبور، لقد تمت محاولة إنقاذ والدي بينما اعتقدت لمدة 54سنة على أنه ترك ينزف على كرسي إلى غاية الموت، نعم شعرت براحة كبيرة رغم أن عيناي تغرورقان بالدموع كلما تذكرت ذلك.

مؤسسة مولود فرعون أنشأت شركة للإنتاج السمعي البصري بغرض إنتاج فيلم عن عمل "يوميات 1955-1962"

❊❊ كيف ولدت رواية "مدينة الورود" لفرعون بعد وفاته؟

— نشر أخي فريد رواية والدي "مدينة الورود"، عن دار نشر "يامكوم" والتي كتبها والدي في حي الناظور سنة 1953 مباشرة بعد أحداث 13ماي حينما حاول المستعمر إيهام الجميع بمشاعر الأخوة بين الفرنسيين الجزائريين، كما حمل نهاية هذا الكتاب، حلم استقلال الجزائر وتوجهها نحو الإسلام والحضارة العربية، ولهذا أتفهم أن منشورات "لوسوي" الفرنسية لم تشأ نشرها في تلك الفترة.

❊❊  لماذا لم تنهل السينما والمسرح من أعمال فرعون إلا النزر منها؟

— ليست لدي إجابة حول هذا السؤال، فليست لي علاقة بهذا ولكنني أعلن أن مؤسستنا أنشأت حديثا مؤسسة للسمعي البصري لإنتاج فيلم مقتبس من عمل "يوميات 1955-1962".

❊❊ ركز الفيلم الوثائقي لعلي موزاوي على حزن فرعون أمام كل البؤس والظلم الذي كان يعيشه ويراه، هل أنت موافق على هذا الوجه الذي قدمه المخرج لفرعون.؟

— نعم موزازي فهم جيدا فرعون، فكل حياة أبي كانت مرتبطة بوعيه للمأساة والمهانة والظلم الذي عاشه الشعب الجزائري، نعم فرعون واجه البؤس منذ أن فتح عينيه، لهذا كتب رواية "ابن الفقير"، لقد فهم أن المستعمر يحتقرنا جدا لدرجة أنه لم يكن ير 9 ملايين شخص ينطوون كلهم تحت رداء الانسانية، ولفترة قصيرة صدق ألبير كامو الذي كتب مقالا في جريدة "الجي ربيبليكان" سنة 1939، في وقت بدأ بكتابة "ابن الفقير". ولكن سنة 1951 حينما قرأ "الطاعون"، لالبار كامو،عاد إلى الواقع من جديد، حينما اتضح له أن هذه الرواية لا تضم أي شخصية عربية رغم أن أحداثها تدور في وهران، فكتب رسالة لكامو معلنا عن استغرابه لكون وهران مجرد مدينة تحت حكم فرنسا، وأضاف "ليس عتابا، لكن لو تعرفت علينا أكثر لكنت استطعت الكتابة عنا بكل الكرم الذي نوصف به نحن الآخرين". وفي "يومياته" أعاد فرعون كتابة هذا الاستنتاج لكن بمزيد من القوة، وكتب "لمدة 130سنة،عشنا على ارض واحدة لكن بدون أن يعرفوننا ، بقي لنا أن نقطف النتائج والتي ستكون معاكسة للحب".

لفترة قصيرة صدق فرعون، كامو لكنه اصطدم بكتابه "الطاعون" وكتب له رسالة عتاب

** رحل فرعون وبقيت أسئلة وراءه بدون أجوبة، أليس كذلك؟

— لا أعتقد أن هناك أسئلة كثيرة خلفها رحيل فرعون، فرعون أجاب على الكثير من الأسئلة، من خلال كتاباته، فرعون كان يعلم ما يفعل حينما كان يكتب، حيث كان يملك مشروع كتابة واضح جدا. كان رجلا يفكر في كل شيء. فقط يجب قراءة أعماله بتأني لإيجاد كل الأجوبة للأسئلة التي نطرحها، لقد كتب الكثير من المقالات والكتب والرسائل تناول فيها مواضيع عديدة، هناك فقط من لا يريد أن يقرأ أو من يريد إطلاق الأكاذيب. مثلا هناك من أراد تصنيف فرعون ضمن خانة الكتاب الإدماجيين وكأنه ابن باشاغا، رغم أن فرعون تحدث عن الإدماج في نص نشر سنة 1958، كتبه حول ألبير كامو وأعيد نشره سنة 1972 أن من يؤمن بالإدماج يعيش وهما ويعتقد أنه سيتحرر من وضعه ليتزوج وضعا آخر، مضيفا أنه "لن تقوم ربطة العنق ولا البدلة الغربية في نسيان الشاشية والسروال في بلد لم يعد يضم إلا هذه الأشياء، بل بالعكس يجب أن تختفي البدلة الغربية لفسح مكانا للغندورة، كما يجب ان يرتدي الشعب الجزائري برمته البرنوس وهكذا ستتحقق الوحدة". بالمقابل لم يتخل فرعون طيلة حياته على البرنوس.