في ختام اللقاءات الإفريقية المتوسطية

اقتراح إنشاء مركز "مادور" للثقافة والفكر

اقتراح إنشاء مركز "مادور" للثقافة والفكر
  • 83
نوال جاوت نوال جاوت

 ❊ إعادة قراءة القديس بوصفه مفكرا يتجاوز التصنيفات الجاهزة 

❊ ترجمة نصوص أوغسطين وإدراجها في المنجز الجزائري

تقاطعت أصوات أكاديمية متعددة، أول أمس الخميس، بالمركز الدولي للمؤتمرات "عبد اللطيف رحال"، في اليوم الثاني والأخير من اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر، التي حملت في دورتها الأولى عنوان "أوغسطين، تجلٍّ جزائري، إفريقي ومتوسطي"، قصد إعادة قراءة القديس بوصفه مفكراً يتجاوز التصنيفات الجاهزة، فلا يُختزل في كونه لاهوتيا مسيحيا ولا فيلسوفا قديما، بل يظهر كأفق حي يتجدد عبر الزمن، وكجسر معرفي ممتد بين إفريقيا وأوروبا، بين الماضي والحاضر، وبين الذات والكوني. وهذه القراءات، على اختلاف زواياها، لا تتنافر، بل تتكامل لتؤسس رؤية موحدة، أوغسطين مفكر الكونية المتجذرة، الذي انطلق من أرض الجزائر ليؤسس خطاباً إنسانيا عابرا للأزمنة.

خلص المشاركون في هذه اللقاءات المنتظمة برعاية رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، إلى عدد من التوصيات التي قرأتها البروفيسور نعيمة حاج عبد الرحمان، من أهمها اقتراح تأسيس "مركز مادور" للثقافة والفكر، طبع أعمال الملتقى، ترجمة نصوص أوغسطين وإدراجها في النصوص الجزائرية، تشجيع دراسة اللغتين اللاتينية والإغريقية، إلى جانب تدريس الفلسفة في أطوار تعليمية متقدمة، نشر قيم التسامح والمحبة، وكذا فتح وحدات بحثية ومخابر بحث حول أوغسطين، إنتاج أفلام وأفلام وثائقية حول أوغسطين. 

أوغسطين وإعادة كتابة تاريخ الفلسفة

في سياق آخر، وضمن جلسات هذه اللقاءات، أسس الدكتور محمد محجوب في مداخلة له، لمقاربة فلسفية دقيقة، تقوم على تفكيك التصور الخطي لتاريخ الأفكار. فبدلاً من فهم الفلسفة كسلسلة من التأثيرات المتعاقبة، يقترح رؤية تأويلية تجعل من الفكر فضاءً دائرياً، حيث تتبادل العصور الأدوار في الإضاءة والتفسير. ضمن هذا الإطار، يستعيد الحدس الأوغسطيني "إذا أخطأتُ، فأنا موجود"، ليس بوصفه مجرد سبق زمني على كوجيتو رينيه ديكارت "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، بل باعتباره لحظة تأسيسية يُعاد اكتشافها في ضوء الحداثة. فديكارت لا "يكرر" أوغسطين، بل يكشفه، وأوغسطين بدوره يمنح الكوجيتو جذوره العميقة.

ويمتد هذا التحليل ليشمل تجربة ابن سينا في "الرجل الطائر"، حيث يظهر أن التشابه لا يقوم على النقل، بل على تقارب بنيوي في طرح سؤال الوعي والوجود. وتبلغ هذه المقاربة ذروتها في تحليل الزمن الأوغسطيني في الاعترافات، حيث يتم تفكيك الزمن إلى ثلاث صيغ حضور: الماضي بوصفه ذاكرة، المستقبل بوصفه انتظارا، والحاضر بوصفه انتباهاً، وهنا يتحول التاريخ إلى فعل تأويلي، لا يُفهم إلا من خلال الوعي الذي يعيد بناءه باستمرار.

الإفريقية كجذر للفكر الكوني

من جهتها، تدافع الباحثة ليلى لوفير حداد، عن أطروحة مركزية، مفادها أن كونية أوغسطين لا يمكن فهمها إلا من خلال إفريقيته. ففي هيبون، حيث نشأ، لم يكن السياق متجانساً، بل كان فضاءً لتقاطع التقاليد الإفريقية مع الإرث اليوناني-الروماني والامتداد المتوسطي. ومن داخل هذا التوتر الحضاري، تشكل فكر أوغسطين. وترى حداد أن مفهوم “التجربة الداخلية”، كما يتجلى في الاعترافات، يمثل مفتاحاً لفهم هذه الكونية؛ فالتأمل الذاتي لا يؤدي إلى الانغلاق، بل يفتح على أفق إنساني شامل. وهكذا، يصبح المحلي منطلقاً نحو العالمي، لا نقيضاً له. كما تبرز راهنية هذه القراءة في ظل الأزمات الهوياتية المعاصرة، حيث يقدم أوغسطين نموذجاً لهوية قادرة على الجمع بين التجذر والانفتاح.

الجزائر كفضاء لتعدد المرجعيات

أما الدكتور محمد عفيان، فيؤكد أن فهم أوغسطين يمر عبر استعادة انتمائه الجزائري، حيث نشأ في بيئة ثقافية غنية ومتعددة. ولم يكن هذا الانتماء هامشياً، بل كان نقطة التقاء لعدة روافد شكلت فكره: الروحانية العميقة والبحث عن القداسة، الثنائية الأخلاقية بين الخير والشر، التأثر بالأفلوطينية وكذا التأثيرات القانونية والفلسفية الرومانية. وحسب المتدخل، فإنه من خلال هذا التفاعل، تشكل فكر قادر على تجاوز حدوده المحلية، ليبلغ أفقاً عالمياً، مؤكدا أن العالمية تنبع من التعدد، لا من التجريد.

جدلية الذات والتاريخ

في مداخلته، قدم الدكتور بن عمر سواريت قراءة مزدوجة لفكر أوغسطين، من خلال مؤلفيه الأساسيين هما "الاعترافات" و"مدينة الله"، حيث يمثل الأول مساراً ذاتياً، يروي تجربة البحث عن الحقيقة والخلاص، بينما يقدم الثاني رؤية شاملة للتاريخ الإنساني في ضوء العناية الإلهية. وتكشف هذه الثنائية، في نظر الدكتور سواريت، عن تكامل عميق بين البعد الفردي والبعد الكوني، حيث تتقاطع تجربة الإنسان الخاصة مع مصير الإنسانية.

وفيما طرحت الأستاذة مونيكا شولتز زابا، في مداخلتها، تصورا فلسفيا يتجاوز الفهم السطحي للتعددية الثقافية، مركزة على مفهوم "اللقاء" بوصفه حدثاً يؤسس للتحول. إذ أن اللقاء، في جوهره، يبدأ بالدهشة، يمر بالتوتر، وينتهي بتحول عميق في الوعي. ويجسد لقاء القديس أوغسطين مع أمبروز دي ميلان هذا المسار، حيث يتحول التفاعل إلى تجربة مؤسسة للفهم المتبادل. أبرز الدكتور كحول سعودي، أن أوغسطين أسس لنموذج معرفي يتجاوز الاختزال، عبر دمج الحواس والعقل والحدس في نسق واحد. وهذا التكامل لا يمثل مجرد تركيب، بل رؤية فلسفية عميقة، تعيد تعريف المعرفة بوصفها تجربة متعددة الأبعاد، وهو ما يجعل فكر أوغسطين نقطة تحول في تاريخ الفلسفة.

"التعددية كأفق للتعايش” هو عنوان مداخلة الدكتور ميزينغي نيمبونزو جورج، وقدم أوغسطين كنموذج حي للتعددية الثقافية، حيث استطاع التوفيق بين انتمائه الإفريقي وتكوينه الروماني. ويبرز هذا التوازن، إمكانية تحويل التعدد إلى قوة توحيد، وهو ما يمنح فكره قيمة خاصة في عالم اليوم. بينما ينظر السفير فو هو ساهي ألفونس إلى أوغسطين كمرجعية فكرية لأخلاق الحوار بين الشعوب، معتبراً أن استعادة هذا التراث تمثل محاولة لبناء دبلوماسية قائمة على الفهم والتقارب. فيما يرى الدكتور معز مديوني أن فكر أوغسطين، رغم نشأته في سياق صراعات لاهوتية، استطاع أن يتحول إلى نموذج للتفكير الكوني، القادر على إعادة طرح الأسئلة الكبرى حول الحقيقة والعقل والإيمان.

رؤية إنسانية متوازنة

في سياق آخر، أكد الدكتور سيلفيو مورينو على البعد الإنساني لفكر أوغسطين، من خلال ثلاث قيم مركزية هي؛ الصداقة، الرحمة والرجاء، وهي قيم تؤسس، في نظره، لرؤية إنسانية متوازنة قادرة على مواجهة تحديات العصر. قبل أن يتحدث المخرج الجزائري رشيد بن حاج عن "القديس أوغسطين والسينما"، إذ تناول شخصية القديس أوغسطين من خلال السينما بوصفها فضاءً للذاكرة وإعادة القراءة الثقافية. وتؤكد على جذوره الجزائرية التي غالبًا ما يتم تهميشها، رغم أهمية طاغاست في تشكل فكره. وانطلاقًا من عمل سينمائي، تُبرز كيف يمكن للسينما أن تستعيد البعد الجزائري والمتوسطي لأوغسطين، وتعيد تقديمه كشخصية حية للحوار بين إفريقيا وأوروبا والفضاء المتوسطي في المخيال المعاصر.

وفضل الدكتور كودوجو ماويولوم نبلاصول استعراض الرحلة من "من قرطاج إلى أوستيا، المتوسط كفضاء للبحث والخيبة في السرد الأوغسطيني"، وقال إن البحر الأبيض المتوسط يعتبر في أدبيات القديس أوغسطين، أكثر من مجرد مساحة جغرافية؛ إنه فضاء رمزي وسردي يختزل رحلة الإنسان في البحث عن السعادة والحقيقة. من خلال قراءة في أعماله، لاسيما "الاعترافات" و"الحياة السعيدة"، يستعرض الدكتور كيف تحول هذا البحر إلى مسرح للدراما الروحية. ويخلص إلى أن تجربة أوغسطين تجعل من البحر المتوسط رمزاً كونياً للعبور الوجودي؛ فهو ليس مجرد جسر بين ضفتين، بل هو البرزخ الذي يفصل بين "حياة التشتت" و"حياة الوحدة الروحية العميقة". لقد كان على أوغسطين أن يعبر "البحر العاصف"، ليدرك في النهاية، أن الميناء الحقيقي ليس مكاناً جغرافياً، بل هو حالة من السلام الداخلي.

مدخل لفهم الإنسان وبناء السلام

من جانبها، أكدت سيغولين روايال، في مداخلتها، أن العلاقة بين القديس اوغسطين ووالدته مونيك، ليست مجرد علاقة عائلية، بل يمكن النظر إليها كمدخل عميق، لفهم نشأة الوعي الفلسفي وبناء القيم الإنسانية. وأوضحت روايال، أن اختيارها لهذا الموضوع جاء رغم عدم تخصصها في الفلسفة، مدفوعة بخصوصية هذه العلاقة النادرة في تاريخ الفكر، حيث تحضر شخصية الأم بوصفها عنصرًا فاعلًا في تشكل تجربة فيلسوف بحجم أوغسطين.

وطرحت المتحدثة فرضية، مفادها أن الأم تسبق الفكر نفسه، مشيرة إلى أن أوغسطين، قبل أن يكون فيلسوفًا للاطنية ومؤسسًا لفلسفة التأمل الداخلي، هو أولًا ابن لأم صاحبت مساره بالصبر والإيمان. وأضافت أن دموع الأم وحضورها المستمر قد يكونان سابقين على التحول الروحي والفكري، بما يجعل من هذه العلاقة أحد جذور التجربة الفلسفية لديه.

وفي قراءتها لنص "الاعترافات"، خاصة مشهد "نشوة أوستيا"، اعتبرت روايال أن الحوار الذي جمع أوغسطين بوالدته قبيل وفاتها، يمثل لحظة فلسفية وإنسانية استثنائية، تتلاشى فيها الفوارق بين الأم والإبن، ليظهرا كوعيَين متكافئين في تأمل الأبدية. ووصفت هذا المشهد بأنه من أعمق صور الانتقال الروحي، حيث يتحول الحب إلى حكمة. وانطلاقًا من ذلك، تساءلت روايال عما إذا كان بالإمكان اعتبار الأمومة فئة فلسفية قائمة بذاتها، لا مجرد عنصر ثانوي في السرد الفكري، مؤكدة أن صورة الأم تتجاوز الخصوصيات الثقافية والدينية، لتحضر بقوة في مختلف التقاليد الروحية، بما يعكس بعدها الكوني.

في سياق متصل، ربطت المتحدثة بين قيم الأمومة ـ من عناية وتضحية واهتمام بالآخر ـ وبين الحاجة إلى إعادة توجيه الفعل السياسي نحو مزيد من الإنسانية، معتبرة أن هذه القيم تقف على النقيض من مظاهر العنف والأنانية والصراع التي تطبع العالم المعاصر. كما استحضرت أفكار الفيلسوفة أنا أراندت، حول مفهوم “الولادة” بوصفها بداية جديدة وإمكانية دائمة لظهور ما هو غير متوقع، معتبرة أن هذا المعنى يتقاطع مع تجربة أوغسطين في علاقته بوالدته، حيث تمتد الأمومة من كونها حدثًا بيولوجيًا، إلى كونها فعلًا مستمرًا في منح الحياة والمعنى.

وخلصت روايال، إلى أن بناء عالم أكثر عدلًا وسلامًا، يمر عبر إعادة الاعتبار لقيم الثقة والعناية والاحترام، مؤكدة أن كل تطور إنساني يبدأ بوجود من يؤمن بالآخر. واستدلت في ذلك بقول أوغسطين عن والدته “لقد أنجبتني بجسدها للحياة الزمنية، وأنجبتني بقلبها للحياة الأبدية". وفي ختام مداخلتها، شددت على أن ترسيخ قيم المحبة في الفكر والسياسة على حد سواء، يشكل شرطًا أساسيًا لتحقيق السلام، مستحضرة المقولة الشهيرة لأوغسطين “أحبب وافعل ما شئت"، باعتبارها قاعدة أخلاقية جامعة، يمكن أن توجه السلوك الإنساني نحو الخير.