خالد بلحاج يصدر "مندرين" ويصرح لـ"المساء":
الذاكرة.. مسؤولية مشتركة من واجبنا نقلها للأجيال
- 151
لطيفة داريب
تحدث الكاتب المسرحي والفنان التشكيلي خالد بلحاج، لـ"المساء"، عن عمله الأدبي الجديد الموسوم بـ«مندرين”، الصادر عن دار “كنوز يوغرطا”، وهو نص مسرحي شعري، سعى من خلاله إلى استحضار واحدة من أهم المحطات في تاريخ الثورة الجزائرية، وهي أحداث هجمات 20 أوت 1955.
بالمناسبة، وعلى هامش تنشيطه لندوة حول كتابه الجديد بمؤسسة "عسلة"، أوضح الكاتب لـ"المساء"، أن هذا العمل يأتي في سياق محاولة إعادة إحياء الذاكرة التاريخية، التي طالها التهميش أو النسيان، خاصة لدى الأجيال الجديدة، التي لم تتح لها فرصة التعرف بعمق على تلك المرحلة الحاسمة من تاريخ الجزائر. وتابع أن أحداث 20 أوت 1955، رغم أهميتها في مسار الكفاح الوطني، لا تحظى دائما بما تستحقه من حضور في النقاش الثقافي والتاريخي. فقد شكلت تلك الأحداث منعطفا بارزا في مسار الثورة الجزائرية، وأسهمت في لفت انتباه الرأي العام الدولي إلى القضية الجزائرية، من خلال إدراجها في الدورة العاشرة لمنظمة الأمم المتحدة، الأمر الذي فتح الباب أمام الكفاح الجزائري في شقه الدبلوماسي، الذي انتهى بتوقيع اتفاقيات إيفيان.
في حديثه، شدد الكاتب على أنه لم يتناول هذه الأحداث بصفته ضحية مباشرة لها، بل انطلاقا من شعور بالمسؤولية تجاه الذاكرة الجماعية. فالذاكرة، في نظره، ليست ملكا لفئة معينة أو لجيل بعينه، بل هي مسؤولية مشتركة، ينبغي الحفاظ عليها ونقلها للأجيال القادمة بطريقة واعية وتربوية. وأضاف أن استحضار التاريخ لا ينبغي أن يقتصر على المناسبات الرسمية أو الاحتفالات الرمزية، بل يجب أن يتحول إلى عمل ثقافي وتربوي حقيقي، يتيح للأجيال الجديدة فهم الماضي واستيعاب دلالاته.
جذور "مندرين"
كشف بلحاج خلال حديثه مع "المساء"، عن أن فكرة هذا العمل المسرحي لم تولد صدفة، بل جاءت نتيجة تجربة شخصية مر بها. فقد عثر خلال زيارة لأحد المعارض على كتاب بعنوان "حصى سيدي أحمد"، للكاتب والعالم عزيز موات، الذي كان شاهدا مباشرا على أحداث 20 أوت 1955، وهو في سن الخامسة.
وقد أثار هذا المؤلف اهتمام الكاتب، ودفعه إلى البحث أكثر في تفاصيل تلك الأحداث، بل والسفر إلى مدينة سكيكدة، حيث تم التخطيط لهجومات الشمال القسنطيني. غير أن ما صدمه، كما يقول، هو الحالة التي وجد عليها الموقع التاريخي الذي انطلق منه الهجوم، إذ بدا مهجورا ولا يعكس القيمة التاريخية الكبيرة لما حدث فيه. وقد ترك ذلك المشهد أثرا عميقا في نفسه، فكان أحد الأسباب التي دفعته إلى التفكير في تحويل تلك الذاكرة إلى عمل مسرحي.
وقد اختار الكاتب ثمرة “المندرين” لتكون رمزا في هذا النص المسرحي. وتدور القصة حول طفل يتيم، فقد والده خلال أحداث 20 أوت 1955، ويضطر إلى التسلل إلى بستان أحد المستوطنين، حيث كانت عائلته تعمل، ليقطف بعض ثمار المندرين ويعود بها إلى أمه وإخوته الصغار. ويحاول الطفل عبور جدول مائي في فصل الشتاء، رغم صعوبة الظروف، في مشهد يجسد معاناة البسطاء خلال تلك المرحلة. لكن هذه القصة البسيطة تحمل دلالات أعمق؛ فالمندرين في نظر الكاتب ليست مجرد ثمرة، بل رمز للذاكرة نفسها.
فكما تتكون هذه الثمرة من عدة فصوص داخل قشرة واحدة، تتكون الذاكرة أيضا من قصص وتجارب وشهادات متعددة، تشمل المناضلين والضحايا والناس العاديين، الذين عاشوا تلك الأحداث. أيضا صحيح أن قشرة مندرين مرّة، لكن ثمرتها حلوة، كما أن رائحتها عطرة مثل الذاكرة التي تبقى خالدة ولا تنسى.
ويتكون النص المسرحي "مندرين" من خمسة وثلاثين لوحة درامية، صاغها الكاتب بأسلوب يجمع بين الشعر والدراما. وقد أرفق العمل بشروحات وملاحظات، تهدف إلى مساعدة الهواة والمهتمين بالمسرح على تقديم هذه اللوحات فوق الخشبة. وفي هذا، أكد بلحاج أن اختياره للشعر في هذا النص، لم يكن اعتباطيا، فالشعر يمنح المسرح بعدا إنسانيا وجماليا يتيح له التعبير عن المشاعر العميقة، المرتبطة بالذاكرة والتاريخ.
كما شدد الكاتب، على أن هدفه من هذا العمل لا يقتصر على مخاطبة الجمهور الجزائري فحسب، بل يشمل أيضا الجمهور الفرنسي، لأن هذه الأحداث تمثل جزءا من تاريخ مشترك بين الشعبين، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من الفرنسيين لا يعرفون شيئا تقريبا عن أحداث 20 أوت 1955، رغم أنها خلفت 20 ألف ضحية في غضون ثلاثة أيام، وأحدثت صدى دوليا كبيرا .
في إطار آخر، تحدث الكاتب المسرحي خالد بلحاج، في الندوة التي نشطها أول أمس، بمؤسسة "عسلة"، عن أهمية أن يكون للتاريخ حركة ونشاط، بدل حالة الجمود التي يعرفها، والتي جعلت أغلب الشباب لا يهتمون به كما يستحق. وأضاف أن أحداث 20 أوت 1955 لم تلق الاهتمام المطلوب، رغم أنها دفعت بالقضية الجزائرية إلى منهاتن، حيث مقر الأمم المتحدة، ليقرر كتابة نص مسرحي بمقاربة فنية وليست تاريخية، رغم أنه يضم حقائق عن هذه الأحداث المهمة.
وقص المسرحي على الحضور، رحلته إلى منطقة سيدي أحمد، التي التقى فيها أربعة آلاف شاب تحت قيادة العبقري زيغود يوسف، استعدادا للهجوم الذي شهد انتقاما شرسا من طرف المحتل، مثل قتله لركاب سفينة قدمت إلى سكيكدة من مارسيليا، وتضم 705 من المهاجرين الجزائريين الذين استشهدوا جميعهم في ملعب المدينة. ليؤكد أن قوة المسرح في تناول التاريخ، وهو ما أراد فعله عبر هذا النص المسرحي، متمنيا أن يتجسد على الركح.