انتقل من منطق التكيف الظرفي إلى منطق الاستباق.. خبراء لـ"المساء":
بعد استشرافي للجيش في مجابهة التحولات الجيو استراتيجية
- 170
مليكة. خ
❊عطية: التهديدات لم تعد تقليدية أو محصورة في البعد العسكري الصرف
❊ ميزاب: دور محوري للجيش في بناء سردية وطنية جامعة
أجمع خبراء على البعد الاستشرافي والاستراتيجي لتصريحات رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، حول التحولات الجيواستراتيحية التي تشهدها العديد من الدول في ظل بروز معالم النظام العالمي الجديد، مؤكدين على الدور الحيوي للجيش في تكييف ادراكه الاستراتيجي لتحصين الدولة.
أكد البروفيسور إدريس عطية، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية “جامعة الجزائر 3”، أن تصريحات الفريق أول شنقريحة، تندرج ضمن سياق دولي يتسم بتسارع التحولات البنيوية نحو ما يعرف بالنظام العالمي الجديد، حيث لم تعد التهديدات تقليدية أو محصورة في البعد العسكري الصرف، بل أصبحت مركبة ومتشابكة، تشمل الأبعاد السيبرانية، الاقتصادية، المعلوماتية، وحتى الرمزية.
وأوضح البروفيسور عطية في اتصال مع “المساء” أن هذه التصريحات تعكس إدراكا استراتيجيا متقدما لدى المؤسسة العسكرية الجزائرية بضرورة الانتقال من منطق التكيف الظرفي إلى منطق الاستباق الاستراتيجي، وهو ما ينسجم مع التحولات الحديثة في دراسات الأمن التي تؤكد على مركزية “الأمن الشامل” كمدخل لتحصين الدولة.
أما فيما يتعلق بمساهمة الجيش في بناء سردية وطنية جامعة، فقال الأستاذ عطية إن المؤسسة العسكرية، بحكم مكانتها التاريخية والرمزية في الجزائر، تعد فاعلا محوريا في إنتاج وإعادة إنتاج هذه السردية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بحروب الجيل الخامس، “حيث تستهدف الدول، ليس فقط في قدراتها الصلبة، بل أيضا في تماسكها المجتمعي ووعيها الجمعي”.
ويرى محدثنا أن هذه السردية تتأسس على ثلاث ركائز أساسية وهي الذاكرة الوطنية، باعتبارها خزانا رمزيا يعزز الشرعية التاريخية للدولة ويحصن الهوية الوطنية، الوعي الاستراتيجي الذي يربط بين المواطن ومصالح الدولة الحيوية، ويحول الأمن إلى مسؤولية مجتمعية مشتركة، وأخيرا المشروعية السيادية من خلال التأكيد على استقلال القرار الوطني وحرية الخيارات الاستراتيجية ورفض التبعية في بيئة دولية تنافسية.
وفيما يخص تعزيز الصلابة الوطنية، أشار البروفيسور إلى أن تصريحات الفريق أول تكرس توجها نحو تبني مقاربة متعددة الأبعاد تقوم على الصلابة الشعبية عبر تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحصين الرأي العام ضد التضليل الإعلامي والحروب النفسية، الصلابة الاقتصادية من خلال دعم الاقتصاد المنتج وتقليل التبعية، خاصة في القطاعات الاستراتيجية وكذا الصلابة الدفاعية عبر تحديث القدرات العسكرية وتطوير العقيدة القتالية بما يتلاءم مع طبيعة التهديدات الجديدة.
وفي المحصلة، أشار محدثنا إلى أن هذه التصريحات تعكس تحولا نوعيا في التفكير الاستراتيجي الجزائري، قوامه الربط بين الأمن والتنمية والسيادة، والانتقال من رد الفعل إلى بناء القدرة على التوقع والتأثير، بما يعزز موقع الجزائر كفاعل إقليمي يسعى إلى التموقع بوعي في ظل نظام دولي متحول، وتضمن خلاله تموضع جيو سياسي متقدم يعزز مكانة الجزائر المستقبلية.
من جهته، قال الدكتور أحمد ميزاب، الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، في اتصال مع “المساء” أن تصريحات الفريق أول شنقريحة، تعكس تحولا واضحا في طبيعة إدراك المؤسسة العسكرية للتحولات الدولية الجارية. إذ أن الحديث لم يعد يقتصر على التهديدات التقليدية، بل يتجه نحو فهم أعمق لتعقيدات النظام العالمي الجديد، الذي يتسم بتعدد مراكز القوة، وتسارع التنافس الجيوسياسي، وتداخل الأبعاد العسكرية بالاقتصادية والتكنولوجية.
وأبرز ميزاب أن هذه التصريحات تطرح مسألة مركزية تتعلق بدور الجيش في بناء سردية وطنية جامعة، بحكم امتداده التاريخي من جيش التحرير، يضطلع بوظيفة تتجاوز الدفاع المادي إلى المساهمة في ترسيخ المعنى الوطني المشترك، مضيفا أن هذه السردية تقوم على ربط الذاكرة التاريخية بالرهانات المستقبلية، وعلى تثبيت فكرة الدولة المستقلة القادرة على حماية قرارها السيادي. كما تشكل، حسبه، أداة أساسية في مواجهة محاولات الاختراق الإعلامي والحرب النفسية التي تستهدف تماسك المجتمعات.