يصنعون تحفاً معمّرة بأناملهم

لهذا يرفض الحرفيون التخلي عن مهنتهم

لهذا يرفض الحرفيون التخلي عن مهنتهم
  • 205
  رشيدة بلال رشيدة بلال

في كل مرة يتم فيها تنظيم صالونات خاصة بالصناعات التقليدية، يكون الدافع الأساسي من وراء التظاهرة هو إيجاد فضاء خاص يسمح للحرفيين بتسويق منتجاتهم، على اعتبار أن التسويق يشكل أكبر تحدٍّ لهم. وعلى الرغم من أن التكنولوجيا فتحت المجال واسعًا لنوع جديد من التسوق عبر الفضاء الافتراضي الذي حاولت غرف الصناعات التقليدية من خلال عدد من الدورات التكوينية المبرمجة على مدار السنة، تلقين الحرفيين المسجلين عبر منصتها الوطنية والذين يقدَّر تعدادهم بـ740 ألف حرفي، الأساليب الجيدة للتسويق وكيفية عرض المنتج والترويج له، إلا أن الاحتكاك المباشر بالمواطنين يظل غايتهم، ليبقى الهدف الأسمى هو أن يظل الحرفي في أي نشاط كان يزاوله خاصة ذلك المرتبط بالحرف المهددة بالزوال، متمسكًا بحرفته؛ لأنها تمثل الهوية، وتعكس التنوع وأصالة المجتمع.

اقتربت “ المساء” من خلال هذا الربورتاج من بعض الحرفيين؛ لمعرفة السر وراء بقاء بعضهم متمسكين بالحرفة رغم المتاعب، في ظل قلة التسويق تارة، وغلاء المادة الأولية وندرتها تارة أخرى... هل هو حب الحرفة، أم الرغبة في التمسك بالموروث التقليدي، أم لأن التكنولوجيا والتسويق عبر الفضاء الافتراضي أزاحا مشكل التسويق، أم أنه موروث أصبح من الصعب التخلي عنه في ظل تكالب بعض دول الجوار على سرقته؟

بساحة الحرية وسط ولاية البليدة، اجتمع زهاء 80 حرفيًا جاؤوا من 30 ولاية، ليكشفوا ما تزخر به الجزائر من تنوع في الصناعات التقليدية، حيث كانت كل الأنواع حاضرة؛ الإنتاجية منها والغذائية. وشكّلت الحرف اليدوية ممثلة في صناعة الحلي التي برع فيها حرفيو ولايتي تيزي وزو وعين صالح، واللباس التقليدي ممثلًا في الجبة القبائلية، والأواني الفخارية، وصناعة السلال التي كانت فيها الريادة لولاية الشلف، وصناعة الزرابي التي تشتهر بها ولاية غرداية، والصناعات النحاسية ممثلة عن سطيف والعاصمة، والصناعات الجلدية، وتقطير الزهور والزيوت العطرية عن ولاية البليدة، حصة الأسد من المعرض. وقد شدّت هذه الصناعات ساكنة "الوريدة"، الذين رغم تهاطل الأمطار، كانوا في الموعد؛ من أجل التعرف على مختلف الصناعات التقليدية، واقتناء بعضها. والسؤال الذي حملته “المساء” في جعبتها وهي تتجول بين العارضين: ما هو السر وراء بقاء الحرفيين متمسكين بحرفهم رغم ما تحمله الحرفة من متاعب ومشاق، وقلة العائد المادي؟

حب الحرفة وعشقها.. سر التمسك بها

البداية كانت مع الحلي التقليدية الفضية، وصناعة المرجان القبائلية التي شارك بها الحرفي الشاب سالم العدوي من ولاية تيزي وزو، والذي قال بمجرد أن طرحنا عليه السؤال، إن ما جعله يتمسك بالحرفة هو حب المهنة. وأشار إلى أن عائلته انطلقت في احتراف هذه الصنعة التقليدية منذ سنة 1950. وحسبه، فإن الحرفة بمثابة إرث يتم تناقله أبا عن جد، ولا يمكن مطلقًا التخلي عنه؛ لأنه يسري في العروق مسرى الدم. وحسب الحرفي سالم، فإن الحرف التقليدية عائدها المادي قليل، خاصة في بعض المواسم مثل فصل الشتاء، حيث يكون من الصعب على الحرفي بيع ما ينتجه في غياب المعارض. 

وعلى الرغم من الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي التي أنعشت البيع من خلال الترويج عبر صفحاتها، إلا أنه لا غنى عن التواصل المباشر مع المواطنين، الذي يسمح بالتعريف المباشر بما يُصنع من حلي تقليدية، تعكس عراقة وأصالة التراث. ويضيف أنه يواجه العديد من التحديات، خاصة ما يتعلق بندرة المادة الأولية، ممثلة في الفضة التي يتم استيرادها وبيعها في السوق بأسعار مرتفعة، وتخزينها عندما يقل سعرها في البورصة. ومع ذلك لايزالون متمسكين بإرث الأجداد، وينظرون إليه على أنه ثروة عائلية، التخلي عنها مستحيل.

"البَركة" عنوان الاستمرار في الجنوب

من بين الأجنحة التي شدت اهتمام الزوار جناح ولاية عين صالح، الذي برع فيه الحرفي محمد لمين ألازاوي، في التعريف بمختلف الصناعات التقليدية التي تشتهر بها ولايات الجنوب، خاصة ما تعلق منها بالصناعات الجلدية ممثلة في الحقائب اليدوية، والأحذية، وصناعة الحلي من الفضة والنحاس، والتي حملت رموز المنطقة. وفي دردشة “المساء” معه قال بالحرف الواحد إن السر وراء تمسّكه بهذه الحرفة هو "البَركة" التي يجدها فيها رغم قلة عائدها المالي؛ لأنها من صنع يديه، ولأنها صنعة الأجداد، وبالتالي فهي صنعة مباركة توارثوها من العائلة، وتُعد مورد رزقهم الوحيد.

وأضاف أنهم على مستوى ولاية عين صالح يوجهون أبناءهم إلى المدارس، لكنهم يحرصون، أيضًا، على تعليمهم الصنعة التقليدية، لأنها لا تُدرَّس في المدارس، وإنما تُلقَّن على أيدي الحرفيين. وهي تراث خاص بالأجداد، يجب أن يبقى في العائلة. وأشار إلى أن الهدف ليس الاسترزاق فقط، بل الحفاظ على التراث، مضيفًا أن الحرف اليدوية تُعد حماية من الفقر، وحفظًا للرزق، وفيها بَركة كبيرة.

الفخار.. علاقة عشق لا تنتهي

وبعيدًا عن الحلي كانت لـ"المساء" دردشة مع الحرفي عبد الرحمان نقاز من ولاية الشلف التي تشتهر بالصناعات الفخارية، والذي أبدع في عرض تشكيلة مميزة من الأواني الفخارية الموجهة للطبخ، وأخرى للتزيين؛ مثل الفوانيس، والشمعدانات التي تحمل رموزًا تقليدية. وقال إن سر بقائه متمسكًا بصناعة الفخار ورغم قلة البيع وغياب فضاءات العرض خاصة في حرفة تكون فيها خسارة المنتج بسبب انكساره كبيرة عند نقله من مكان لآخر، يعود إلى حب هذه الصناعة، موضحًا أن الحرفي مع مرور السنوات، تنشأ بينه وبين حرفته علاقة من الألفة والتعود، يصعب بعدها التخلي عنها، بل يبدأ في البحث على سبل تطويرها، لتظل حاضرة لا تزول؛ "فمثلا على مستوى ورشتنا نعمل على تقويتها حتى  تصمد طويلا، ولا تنكسر إن حدث وسقطت". وأضاف أن العائد المالي قد يكون ضعيفًا أحيانًا، لكنه يحمل "بَركة" كبيرة، تلبي احتياجات العائلة"، وهو ما يجعلهم ـ يضيف ـ يصرون على مواصلة هذا النشاط، وتعليمه للراغبين في تعلّم صنعة الأجداد".

الصبر والقناعة.. سر استمرار الحِرف

ما يعكس تمسّك الحرفيين بحرفتهم هو سنوات العمل الطويلة، التي تكشف سرا آخر من أسرار التمسك  بالحرف التقليدية، يتمثل في الصبر، والألفة، وهو ما أكده الحرفي حامي ماخوخ من ولاية بومرداس، الذي يمارس الحرفة رفقة زوجته منذ أكثر من 30 سنة. وقال حتى لو عُرض عليه مبلغ مالي كبير مقابل ترك حرفته فلن يتخلى عنها، لأنه تعوّد عليها، وألِفها، ولا يتصور نفسه يمارس نشاطًا آخر غير صناعة الجبة القبائلية، والأواني الفخارية. وأضاف أن هذه الحرفة ساهمت في تعليم أبنائه الذين تخرجوا من الجامعة، ومنهم ابنته التي أصبحت مختصة في جراحة القلب، وكل ذلك من العائد المالي البسيط من بيع الجبة القبائلية، والأواني الفخارية، مؤكدًا أن التعب الكبير في الصناعة التقليدية والصبر على المتاعب والقناعة بما يتم كسبه من مال والذي يكون في بعض الأحيان قليلًا جدا خاصة عندما تكون المعارض شحيحة، كلّها عوامل جعلت البركة تحلّ في منازلهم؛ من أجل ذلك لا يمكنهم التخلي عنها، خاصة أنها تمثل التقاليد، " وإرثًا توارثناه عن أجدادنا ".

التكنولوجيا تفتح آفاقًا جديدة

وإذا كانت التكنولوجيا والتسويق عبر الفضاء الإلكتروني لم يحققا النتائج المنتظرة من بعض الحرفيين من الذين لم يحسنوا استخدامها، فإنها، حسب الحرفي عمي العربي رابح، كانت سببًا في إخراج "الصباط" التقليدي الجزائري إلى العالمية. وأكد أن سر تمسّكه بحرفته هو حب المهنة التي توارثها أبا عن جد، مشيرًا إلى أنه لا يصنع “الصباط” بحثًا عن الثراء، بل حبًا في هذه الصنعة. وأضاف أنه يجد متعة في صناعة الأحذية يدويًا، بدءاً من اختيار الجلود، إلى تقطيعها، وخياطة الحذاء المطلوب يدويا، وصبغه، وتقديمه للزبون. ويزيد تعلُّقه بصنعته عندما يقدّر الزبون قيمة العمل التقليدي. وحسبه، فإن الفضاءات والمعارض ما هي إلا وسيلة للتعريف بالصناعة التقليدية، مشيرًا إلى أنه اختار الترويج الإلكتروني، الذي مكّنه من إخراج "الصباط" و "البابوش" التقليدي البليدي إلى العالمية، حيث أصبح أغلب زبائنه من خارج الوطن، يطلبون منه صناعة الأحذية. وأضاف أنه في السنوات الأخيرة عمد إلى التعاقد مع فنانين وحرفيين آخرين من أجل تزيين الأحذية التقليدية بنقوش ورموز، تعكس أصالة وعراقة المجتمع الجزائري، بعضها أمازيغي، وأخرى صحراوية. ويعلّق بالقول: "نحن عشقنا صنعة الأجداد، ولا يمكننا التخلي عنها. نحبها لأنها ثروتنا التي نفخر بأننا حراسها".

ولكن.. لماذا تخلى البعض عن حِرفهم؟

في الوقت الذي أكد كثير من الحرفيين الذين تحدثت إليهم “المساء” أن السر وراء تمسّكهم بحرفتهم هو حب المهنة والصبر عليها؛ لكونها إرث الأجداد، سعى آخرون إلى التخلي عنها لنفاد صبرهم على الرغم من امتهانها على مدار سنوات، والذي أرجعه مدير غرفة الصناعات التقليدية والحرف لولاية البليدة آيت سعدي زروق، إلى عاملين أساسيين، وهما قلة فضاءات التسويق ممثلة في بعض المعارض التي يتم تنظيمها على المستوى الوطني، وغياب وندرة المواد الأولية في بعض الحرف؛ مثل النحاس الذي يتم استيراده من الخارج، وكذا الفضة التي تخضع لقواعد البورصة، حيث بلغت مؤخرًا 90 مليونًا للكيلوغرام الواحد، وأن الارتفاع ينعكس على سعر الحلي الفضية، والسلالة أيضًا التي تراجعت هي الأخرى، بل وتسير نحو الانقراض؛ بسبب نقص المادة الأولية التي أرهقت بعض الحرفيين.

وقال في تصريحه لـ"المساء” بأن السر وراء بقاء بعض الحرفيين متمسكين بحرفتهم، أن الحرفة بالنسبة لهم مورد رزقهم الوحيد، والذي حاولنا أن نؤكد للحرفيين أنهم يمثلون مؤسسات اقتصادية صغيرة تلعب دورًا كبيرًا، وبحاجة إلى أن يخضعوا لبعض التكوينات التي تساعدهم على إنعاش حرفهم، وزيادة دخلهم. ولعل أبسط مثال على ذلك كيفية تنظيم الجناح، وكيفية التواصل مع الزبائن، وكيفية الترويج لحرفته في الواقعين الحقيقي، والافتراضي. 

وفي هذا الخصوص أكد مدير الصناعة على مشكل التسويق، الذي يُفترض أنه قابل لأن يتم إعادة النظر فيه من خلال الدفع بالحرفي إلى تعلم تقنيات التسويق الإلكتروني؛ فبعض الحرفيين مثلًا، لديهم صفحات ولكن لا يعرفون كيفية الترويج لمنتجاتهم؛ لأنهم غير مكوَّنين، "لذا نؤكد على أهمية التكوين الذي أخذته على عاتقها غرفة الصناعات التقليدية؛ من خلال برمجة دورات تكوينية في مجال التسويق فقط، لتعليم الحرفيين كيفية تسويق منتجهم، والترويج للحرف التقليدية الجزائرية. والأهم جعلهم يحافظون على الصناعة التقليدية، ويتمسكون بها حتى لا تزول؛ لأنها إرث الأجداد، وأصالة مجتمع ".

740 ألف حرفي بالمنصة الوطنية للصناعات التقليدية

أوضح عبد الكريم بركي، المدير العام للغرفة الوطنية للصناعات التقليدية والحرف، أن عدد الحرفيين المسجلين في المنصة الرقمية الوطنية، بلغ 740 ألف حرفي، أسفر نشاطهم عن خلق مليون و400 ألف منصب عمل. كما ساهم قطاع الصناعات التقليدية بأكثر من 400 مليار دينار في الدخل القومي لسنة 2024. وهو رقم هام، يعكس القيمة الهامة التي يمثلها قطاع الصناعات التقليدية.

وأوضح أن الصالون الوطني بالبليدة وحده عرض أكثر من 27 حرفة، تعكس تنوع الصناعات التقليدية في مختلف ولايات الوطن، لافتا إلى أن الهدف الأساسي من التظاهرة هو تمكين الحرفيين من تسويق منتجاتهم، وتعزيز التبادل المعرفي بينهم، وخلق روح المنافسة للمحافظة على هذه الحرف التقليدية، مشيرا إلى أن الزوار يمكنهم اقتناء المنتجات مباشرة من الحرفيين. ويتواصلون معهم للتعرف على العادات والتقاليد لكل منطقة، من خلال الولايات المشاركة من كل ولايات الوطن.

من جهة أخرى، أوضح مدير الغرفة أن بخصوص فضاءات التسويق، مصالحهم تبرمج 13 تظاهرة لسنة 2026 على المستوى الدولي، تشمل إيطاليا، والبرتغال، وألمانيا، ودولًا إفريقية مثل ليبيا، ومصر، والنيجر، والطوغو، إضافة إلى مشاركات في عُمان، وسوريا وتونس. كما سيتم تنظيم عدد من المعارض المحلية بعدد من ولايات الوطن في إطار التبادل الثقافي لدعم الحرفيين في تسويق منتجاتهم، مع برمجة دورات تكوينية لتطوير مهاراتهم في البيع والترويج الإلكتروني عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدا أن المساعي جارية لتوسيع التكوين، ليشمل جميع الحرفيين؛ من أجل   تحفيز الحرفي على التمسك بحرفته، ومنه حماية الموروث الجزائري.