بين "السوشي" و"التندوري" و”الكباب"

جزائريات يسافرن عبر نكهات مطابخ العالم

جزائريات يسافرن عبر نكهات مطابخ العالم
  • 138
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

لم يعد الطبخ الأجنبي في السنوات الأخيرة تجربة نادرة عند زيارة بلد معيّن أو فقط داخل المطاعم، بل تحوَّل إلى جزء من الحياة اليومية لكثير من العائلات، والنسوة المحبات لمغامرات الطبخ الجديدة. ومن بين هذه الأطباق التي خطفت الانتباه نجد "السوشي"، و"الكباب"، و "المانتي"، و"الرامن"، و"النودلز"، و"الدجاج الترياكي"، و"الديم سام"، و"التندوري"، و"الدجاج بالزبدة"، و"البرياني"، و"الكاري" وغيرها من الأسماء لوصفات كانت في وقت سابق لا يعرف البعض حتى نطق كلماتها الأجنبية، لكن اليوم انتشرت، ودخلت قاموس وصفات ربات البيوت.

وقد انتقلت تلك التخصصات من كونها وجبات غريبة الى أطباق تتفنن في تحضيرها الأمهات داخل بيوتهن. وبين الفضول والتجربة وروح الابتكار يستمتعن في تحضيرها، خاصة مع انتشار فيديوهات الطبخ على مواقع التواصل الاجتماعي، وكذا توفر المواد الأولية لتحضير تلك الوجبات التي لا يمكن تحقيقها دون نكهات خاصة.

إن هذا التحول لا يعكس فقط تغيرا في العادات الغذائية، بل يكشف، أيضا، عن انفتاح واضح على ثقافات أخرى، إذ لم يعد المطبخ محصورا في الأطباق التقليدية فقط، بل أصبح فضاء للتجربة والاكتشاف، لا سيما مع سهولة بلوغ الوصفات الأصلية بالتفاصيل، فكثير من العائلات باتت تبحث عن نكهات جديدة وتفاصيل مختلفة تضيفها الى موائدها اليومية. أما آخرون فيبحثون عن إعادة تحقيق طبق ربما كانت لهم فرصة تجربته في بلد معيّن، أو حتى في مطعم لكن بأسعار تفوق قدرتهم في تجربته عدة مرات، وهو ما خلق نوعا من الحماس الجماعي لتجربة كل ما هو جديد حتى وإن كان بعيدا جغرافيا وثقافيا، وليس له علاقة بعادات المطبخ الجزائري.

وخلال جولة في أحد المحلات المختصة في بيع المنتجات الأجنبية ببلدية باب الزوار، إحدى الوجهات الأساسية لمحبي التجربة، حدثنا صاحب المحل عن تزايد ملحوظ في الإقبال على هذه المواد، حيث أكد أن الطلب ارتفع، بشكل كبير، في السنوات الأخيرة، خاصة من طرف الشباب والنساء، الذين يبحثون عن مكونات أصلية لتحضير وصفات عالمية في البيت. وأضاف أن الزبائن لم يعودوا يكتفون بالمشاهدة فقط، بل أصبحوا يسعون لتجسيد ما يرونه على أرض الواقع رغم أن بعض هذه المنتجات تبقى مرتفعة السعر نسبيا؛ لكونها مستورَدة غالبا عن طريق ما يُعرف بـ«الكابة"، فإلى جانب إقبال الأجانب عليها تجد الجزائري كذلك اليوم يبحث عن أنواع معيّنة من تلك المنتجات، حتى إن بعضها غير معروف للعامة، لكن بفضل تجارب شخصية أو بحث عبر الأنترنت، يتم اكتشاف تلك المنتجات بنكهات غريبة تماما عن مطبخنا.

"دبس الرمان".. "السماق" و"البرغل" و"صلصة البالزميك"

وخلال جولتنا بالمحل الذي خصص أروقة للمنتجات الأجنبية، لفت انتباهنا التنوع الكبير في المنتجات، خاصة تلك المرتبطة بالمطبخ الآسيوي، وكذا تخصصات أخرى؛ فمثلا التركي سجل حضوره بقوة، حيث وجدنا دبس الرمان بنكهته الحامضة الحلوة، التي تضيف عمقا للأطباق، خصوصا الشاورما باللحم أو الدجاج، كما تضفي على السلطات ذوقا مميزا بين الحلو والحامض، الى جانب تابل "السماق" بطعمه الحامضي الخفيف، الذي يُستعمل في السلطات والمشويات، فضلا عن عجائن منتي الصغيرة التي تقدَّم عادة مع اللبن. وكانت هناك أنواع مختلفة من البرغل، والبهارات الخاصة بالكباب، وحتى الحلويات التركية الجاهزة، وهو ما يعكس غنى هذا المطبخ، وتنوعه. وتوفيره أمام الزبون ما هو إلا محاولة توفير له ما يبحث عنه من نكهات أجنبية، لا تكتمل الوصفات إلا بتلك اللمسات الخاصة التي تغير النكهة تماما. وقد تنقل نفس الطبق من تخصص جزائري الى تخصص أجنبي تماما.

الركن الآسيوي قصة أخرى

أما في ركن المطبخ الآسيوي، فقد كان الحضور لافتا هو الآخر؛ من أكسسوارات تحضير السوشي؛ مثل الحصائر الخشبية، الى أعواد الأكل الخشبية، وكذا ورق الأرز الشفاف الذي يُستخدم في لف اللفائف.  كما تتوفر صلصات أساسية مثل صلصة الصويا بنكهتها المالحة القوية، وصلصة خل الأرز بطعمها الخفيف والمنعش، وصلصة البالزميك ذات المذاق الحلو الحامض، إضافة الى صلصة السمك أو الجمبري التي تتميز برائحة قوية، ونكهة عميقة في أطباق الأرز. كما وجدنا الفطر الأسود الذي يُستعمل في الأطباق الآسيوية، ويتميز بقوامه المطاطي، ونكهته الخفيفة، الى جانب النودلز بأنواعها المختلفة. 

وتقدر أسعار هذه المواد بنحو 700 دينار جزائري كأقل سعر، مثلا، لبعض الصلصات، كصلصة الصويا المعلبة محليا. وخل الأرز، مثلا، بسعر 1300 دينار. وورق الأرز كبديل "الديول" الجزائري بسعر 1200 دينار. وصلصة " السيراتشا" التي لها ذوق حار حاد وحلو في نفس الوقت، بسعر 1500 دينار، الى جانب بعض الطحالب التي تُستعمل في تحضير السوشي، والتي يصل سعر كمية صغيرة منها الى 900 دينار. وقد يكلف تحضير طبق سوشي حسب تقديرات المحل، 5 آلاف دينار جزائري تقريبا.

الليمون الأسود الهندي حاضر

ولم يغب المطبخ الهندي عن هذا التنوع، حيث تحتل التوابل مكانة أساسية، مثل الليمون الأسود الذي يضفي نكهة حامضة قوية، والهيل برائحته العطرية المميزة، وتوابل الماسالا التي تجمع بين عدة نكهات حارة ودافئة، وتوابل التندوري التي تعطي طعما مدخنا، ولونا مميزا للأطباق، إضافة الى الكركم بلونه الأصفر ونكهته الترابية، والزنجبيل الجاف الذي يضيف حرارة خفيفة. وكلها تعكس غنى المطبخ الهندي، وتعقيد نكهاته، والتي تُعد من أكثر التخصصات المستحبة لدى الكثيرين.

هذا التنوع في المنتجات يقابله فضول متزايد من النساء خاصة، إذ أصبحن أكثر رغبة في خوض تجارب جديدة في المطبخ، سواء نتيجة سفر سابق أو من خلال ما يشاهدنه على مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى عبر ما يشاهَد في المسلسلات، فالوصفات اليوم لم تعد سرا كما في السابق، بل أصبحت متاحة للجميع عبر منصات مختلفة، وعلى رأسها اليوتيوب، حيث يشارك أشخاص من مختلف دول العالم، طرق تحضير أطباقهم بأساليب بسيطة ومفهومة، وهو ما شجع الكثيرات على خوض مغامرة التجربة داخل المطبخ دون أي تردد، يكفي فقط الحصول على المواد الأولية اللازمة التي لا تكتمل الوصفة إلا بتلك النكهات.

ويبدو من حديثنا مع بعض محبي تحضير الأطباق الأجنبية، أن السوشي أو الكباب أو الشاورما أو غيرها من الأطباق العالمية، لم تعد مجرد موضة عابرة، بل أصبحت جزءا من ثقافة جديدة، تقوم على الاكتشاف، والتجديد، حيث أكد هؤلاء أن ذلك المزيج بين الثقافات في أطباق مبتكرة، يعكس ذوقا متغيرا، وروحا منفتحة. وحتى إن كانت بعض المحاولات غير مثالية، فإن التجربة في حد ذاتها، تبقى ممتعة، وتحمل في طياتها الكثير من الشغف، والرغبة في تعلم كل ما هو جديد.