بين حلويات العيد واضطرابات الهضم
هكذا نعود إلى نظام غذائي معتدل وصحي بعد رمضان
- 154
رشيدة بلال
بعد انقضاء شهر رمضان المبارك، يجد بعض الأشخاص صعوبة في العودة إلى نمط الحياة العادية، بعدما تأقلمت أجسادهم مع نظام غذائي محدد، خلال الشهر الفضيل، من خلال برمجة مواعيد الأكل، بل إن البعض قد يصاب بالاضطرابات الهضمية، نتيجة هذه المرحلة الانتقالية، خاصة أولئك الذين يسارعون إلى الأكل بطريقة عشوائية، دون منح الجسم فرصة احترام عملية الانتقال التدريجي من نمط الصيام إلى الأيام العادية.
ولمعرفة كيفية العودة التدريجية إلى نمط الحياة العادية، بعد شهر كامل من الصيام، وما تبعه من تغيرات في المواعيد الغذائية، تحدثت "المساء"، إلى الدكتورة عائشة دحماني، طبيبة مختصة في علم التغذية والفيزيولوجيا العيادية، وأستاذة محاضرة بجامعة البليدة "1".
في البداية، أكدت المختصة في علم التغذية، الدكتورة عائشة دحماني، أنه يجب التمييز بين نوعين من الناس. الفئة الأولى هي التي أحسنت استغلال شهر رمضان، من خلال اكتساب بعض العادات الغذائية الصحية، كالامتناع عن تناول بعض الأغذية غير الصحية، مثل المشروبات الغازية، والتقليل من المنبهات، مثل القهوة والشاي، فضلاً عن الابتعاد عن التدخين، الذي تحول إلى مؤشر خطر، يرتبط بظهور أمراض خطيرة على غرار السرطان. هذه الفئة، وبعد أن أدركت أهمية الغذاء الصحي، غيرت من نظامها الغذائي، لذلك تقول المختصة: "ننصح هذه الفئة بالمحافظة على هذا النظام القائم على تناول وجبات صحية غنية بالخضر والفواكه، مع الابتعاد قدر الإمكان عن السكريات والفرينة البيضاء بعد رمضان".
أما الفئة الثانية، تضيف المتحدثة، "هي الفئة التي لم تستطع تبني نظام غذائي صحي، أو رفضت تغيير نظامها الغذائي. بل على العكس، ربما كان غذاؤها قبل شهر رمضان أفضل مما كان عليه خلال الشهر الفضيل، حيث تحول موعد الإفطار إلى فرصة لتناول وجبات غنية بالدهون والسكريات، مثل الزلابية وقلب اللوز، بعد أكثر من 13 ساعة من الصيام". هذه الشريحة، تقول المختصة، "تحتاج إلى إعادة تذكيرها بضرورة العودة إلى نظام التغذية المتوسطي الغني بالخضر والفواكه الموسمية، من خلال الانتقال التدريجي إلى الأكل بطريقة هادئة، مع تجنب كل ما هو غذاء غير صحي، والابتعاد عن المشروبات الغازية والتقليل قدر الإمكان من استهلاك الخبز". وتشير المختصة، إلى أن "النجاح في هذه العملية الانتقالية من الصيام، إلى نمط الحياة العادية، يحتاج فقط إلى القليل من الإرادة واختيار المواعيد المناسبة للأكل، وحسن اختيار بين ما يجب وما لا يجب في الأكل".
من جهة أخرى، أشارت المختصة إلى أن "أول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن عيد الفطر، هو الحلويات التي تميز هذه المناسبة، والتي تدخل ضمن العادات والتقاليد". وتؤكد أنها لا تدعو إلى حرمان العائلات منها، لكنها تقدم بعض النصائح، أهمها أنه "في حال تعذر تحضير حلويات صحية، بالنظر إلى ارتفاع تكاليف المواد، فإنه من الضروري التقليل من الكميات التي يتم تناولها بعد العيد، خاصة خلال الأيام الأولى منه". كما تنصح بتناول بعض الحلويات التي تكون فيها نسبة السكر أقل، مثل حلوى "الطابع" أو "الغريبية" وتجنب تلك التي تكون فيها مؤشرات السكر عالية، مثل "البقلاوة".
ولفتت المتحدثة أيضاً، إلى أن مائدة العيد تكون عادة مزينة بمختلف أنواع الحلويات، وهو أمر طبيعي يدخل ضمن عادات استقبال الضيوف، غير أنه من المهم مرافقة هذه الحلويات بالماء، نظرا لأهميته في ترطيب الجسم. كما يستحسن وضع بعض الفواكه على المائدة، لتحفيز الضيوف على تناولها، بدل الإكثار من الحلويات، خاصة وأن مؤشر السكر فيها أقل.
من جهة أخرى، تشير المختصة في علم التغذية، إلى أن "أول قاعدة لنجاح المرحلة الانتقالية بالنسبة للأشخاص غير المرضى، هي مراقبة الكمية التي يتم تناولها، والتقليل قدر الإمكان من الحلويات، مع تجنب تناول الحلويات ذات المؤشر السكري المرتفع على الريق، مباشرة بعد الاستيقاظ من النوم". وبدلاً من ذلك، تنصح باعتماد وجبة غنية بالألياف، مثل الأغذية الغنية بالأوراق الخضراء، على غرار الخرشوف والفاصولياء الخضراء والسلطات، ثم يمكن بعد ذلك تناول الحلويات مع ضبط الكمية.
أما بالنسبة لمرضى السكري، فتشدد المختصة على ضرورة أخذ الحيطة والحذر، من أجل إنجاح عملية الانتقال الغذائي بعد رمضان. وتختم المتحدثة، بالتأكيد على قاعدة المنظمة العالمية للصحة المعتمدة "0 ـ 5 ـ 20"، والتي تعني: صفر تدخين، وخمس حصص من الخضر والفواكه الموسمية يومياً، و20 دقيقة من المشي أو ممارسة الرياضة يومياً، من أجل الوصول إلى نمط حياة صحي ومتوازن.
تقليد متوارث رغم تراجع حضوره
"العيدية" تصنع بهجة الصغار في عيد الفطر
لاتزال "العيدية" تصنع الحدث خلال أيام عيد الفطر، حيث يتهافت الأطفال على أداء واجب العيد، ويحصلون، في المقابل، على مبالغ مالية بسيطة، يسارعون في آخر النهار إلى عدّها، وتحديد ما يرغبون في شرائه من ألعاب أو حلويات، وسط أجواء مفعمة بالفرح والمرح. وعلى الرغم من تراجع هذا التقليد في بعض المناطق، إلا أنه لايزال حاضراً بقوة، خاصة في بيوت الجدة أو ما يُعرف بـ"الدار الكبيرة".
وتصنع العادات والتقاليد في المجتمع الجزائري الكثير من الأجواء التضامنية خلال المناسبات السعيدة، إذ يُعد عيد الفطر مناسبة بارزة لتجسيد هذه القيم. ويظل تبادل أطباق الحلويات عادة راسخة بين الأقارب والأهل، حيث تحرص ربات البيوت على تحضير أنواع مختلفة من الحلويات التقليدية، وتوزيعها على الجيران والعائلة.
وفي هذا السياق، أوضحت المختصة في التراث، وحيدة بن يوسف، أن العائلات البليدية تحرص خلال الأعياد، على إعداد كميات معتبرة من الحلويات التقليدية، على غرار "المقروط" و"البقلاوة" قصد توزيعها، مؤكدة أن هذا التقليد يعكس روح المحبة والتكافل، ويمنح العيد نكهته الخاصة التي يتفاؤل بها الجميع. وإذا كان تبادل أطباق الحلويات لايزال تقليداً تحافظ عليه العائلات البليدية، فإن تقديم "العيدية" للأطفال يبقى بدوره، من العادات المتجذرة في المجتمع، حيث يقوم الصغار بعد صلاة العيد، بطرق الأبواب لأداء واجب المعايدة، فتقوم ربات البيوت بتخصيص مبالغ مالية لتوزيعها عليهم، في لفتة تهدف إلى إدخال الفرحة إلى قلوبهم، وتعليمهم قيم التواصل واحترام الجار. ومن جهته، أشار الباحث في التاريخ يوسف أوراغي، إلى أن العديد من العادات التقليدية التي تشتهر بها ولاية البليدة لاتزال قائمة، خاصة في الأحياء العريقة، حيث تحرص العائلات على صونها.
ومن بين هذه العادات تحضير "الحنيونات" بالبيض أو ما يُعرف بخبزة العيد، وهي عادة تتولاها الجدات، حيث يتم تلوين البيض بالأزرق للذكور، والوردي للإناث، ويوضع في داخل حلوى الحنيونات، إلى جانب تخصيص مبالغ مالية للأطفال، في مشهد يعكس أجواء البهجة التي تصنعها حركية الصغار طوال اليوم. وأضاف المتحدث أن توزيع "العيدية" يختلف حسب الفئة العمرية، إذ يحصل الأطفال الصغار على مبالغ رمزية، بينما يُضاعف المبلغ للأطفال الأكبر سناً، مشيراً إلى أن الهدف يبقى واحداً، وهو إسعادهم، ورسم الابتسامة على وجوههم.
وغالباً ما يتباهى الأطفال في نهاية اليوم بما جمعوه، بل يتنافسون فيما بينهم حول من حصد أكبر قدر من المال قبل أن يتوجهوا إلى المحلات لاقتناء الألعاب أو الحلويات. وختم المتحدث بالتأكيد على أن المجتمع الجزائري يتميز بعادات وتقاليد أصيلة تمنحه خصوصيته، داعياً إلى الحفاظ عليها، وصونها من الاندثار؛ باعتبارها جزءاً من الهوية الوطنية، وذاكرة الأجيال.