"التراث الحيّ في عمارة القصبة" بقصر "مصطفى باشا"

تزهير ونقوش معبّقة بأصالة الحيّ العتيق

تزهير ونقوش معبّقة بأصالة الحيّ العتيق
  • 112
مريم. ن مريم. ن

يحتضن المتحف الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط "قصر مصطفى باشا" بالقصبة، إلى غاية نهاية شهر مارس الجاري، معرضا جماعيا بعنوان "التراث الحيّ في عمارة القصبة"، يعكس عراقة التراث الجزائري، المتمثّل في الزخرفة، والنقش، والمنمنمات، والتزهير وغيرها. ويحمل لمسات أنثوية معبّقة برائحة الأجداد.

تندرج الفعاليات في إطار الاحتفال باليوم الوطني للقصبة المصادف لـ23 فيفري. وتشارك فيه الفنانات وداد توات ونوارة جميلة وزكية جازولي، اللواتي اشتركن في فنّ الزخرفة على الخشب، من خلال مجموعة متنوّعة، تضمّ قطع ديكور، وأثاثا داخليا، وتحفا تتزيّن بها دويرات القصبة العريقة؛ على غرار صناديق الحليّ التقليدية، والمرايا، والصينيات، ولوحات فن المنمنمات والخط العربي والزخرفة. وهي عناصر جمالية لديكور داخلي، مصنوعة من مادة الخشب، تتزيّن بها البيوت كواجهة لإبراز الذوق الفنيّ لسكان القصبة. 

ويُنظَّم هذا المعرض، حسب القائمين عليه احتفاء بأحد أبرز الفنون التقليدية التي ميّزت عمارة القصبة. وتُعدّ الزخرفة على الخشب عنصرا أساسيا في التشكيل الجمالي لعمارة القصبة، إذ لم يكن الخشب مادة إنشائية فحسب، بل شكّل فضاء للتعبير الفني، والإبداع الحرفي. وقد تجلّت هذه الزخارف في الأبواب، والنوافذ، والأسقف، والشرفات، والديكور الداخلي، مُشكلّة وحدة بصرية متكاملة.

وأكّدت الشروحات المقدّمة أنّ الزخارف تتميّز بتنوّع أنماطها بين الهندسية والنباتية. وهي تقوم على التكرار، والانسجام في تركيبها. وتعكس رؤية فنية ترتكز على التوازن، والدقّة، والرمزية. وقد استلهم الفنانون والحرفيون المعاصرون هذه الزخارف الأصلية، وأعادوا توظيفها في قطع فنية وإبداعية حديثة، محافظين على روحها الجمالية، وتقنياتها التقليدية، لتظلّ شاهدا على استمرارية هذا التراث. ويسعى هذا المعرض، وفق المنظمين، إلى إبراز القيمة الفنية والتاريخية لهذا التراث الحيّ، وتعزيز الوعي بأهمية صونه وحمايته؛ باعتباره جزءا أصيلا من الذاكرة المعمارية والثقافية الوطنية.

والتقت "المساء" بالفنانة زكية جازولي، التي قدّمت بعض القطع الخشبية المزخرفة الجميلة ذات اللمسة الجزائرية العريقة. وقالت إنّها مختصّة في الفنون الإسلامية منها الزخرفة على الخشب، وفي المنمنمات. ومن أعمالها المعروضة صندوق خشبي أخضر اللون "الفنيق" الذي يُعرض لأوّل مرة، بعد أن كان مهملا في بيت والدتها التي كانت تحثّها على الاهتمام به، ليكون لها ذلك من خلال إعادته مجدّدا لما كان عليه منذ عقود طويلة؛ أي منذ 100 عام. وكان يُسمى "فنيق ماني".

ويتميّز بزخرفة راقية في ألوانها وأشكالها لتضيف: "هذا الفنيق كان في سدّة البيت بالقصبة، موروث عن جدّتي لأمي. قمت بالرسم عليه بإشراف أستاذي الفنان المعروف مرزاق مزوان، وهو يجسّد تاريخنا العائلي. وهو صورة لهذا الفن المنتشر في بلادنا". وفي نفس الجناح بقصر "مصطفى باشا"، عرضت الفنانة مجموعة أخرى متفاوتة الحجم من الصناديق المزركشة، بعضها كان يُستخدم في جهاز العروس. وكلّها ذات ألوان زاهية، مستمَدة من الطبيعة الخلابة. تُدخل الفأل الحسن وروح الجمال على المكان وأصحابه.

زمن "المرفع" و"الزويفة" و"الدوية" و"المشموم"

قدّمت الفنانة أيضا مرايا زجاجية مدعومة بالقطع الخشبية، منها "المرفع" ، و"الزويفة" ، و"الدوية" ، و"المشموم" ، وغيرها كثير، متمنية أن تدخل هذه القطع يومياتنا من جديد، علما أنّ الناس لايزالون مولعين بهذا الفن، ويطلبونه خاصة في مجال الديكور، والأدوات النسائية كالمرايا اليدوية. كما أبدعت في اللوحات الفنية منها التزهير، والزخرفة بألوان مطبوعة عليها اللمسة الأنثوية، وعبر تفاصيلها تتجلى الخصوصية الجزائرية. وعندما سألتها "المساء" عن الخط العربي، ردّت أنّها تمارسه لكن لم يحن الوقت لتعرض أعمالها في هذا الفن الراقي. وعن هذه القطع المعروضة قالت الفنانة إنّ بعضها أنجزته في ظرف 3 سنوات، وأنّها كانت دوما تتمنى أن تعرض في فضاء بالقصبة، وهو ما تحقّق لها.

اللمسة الأنثوية بطابع عاصمي

بدورها، تعرض الفنانة وداد تواتي الغبريني، أعمالها الفنية الراقية، منها المرايا الزجاجية بشتى الأشكال والألوان والأحجام، خاصة بالديكور المنزلي الداخلي. كما تعرض الصناديق الخشبية، والقطع الخزفية المزركشة بتصاميم تقليدية، وكذا شمعدانات للزينة، وصينيات خشبية منقوش عليها بعض الرموز الهندسية المستلهمة من دويرات وقصور القصبة، ومن أزهار الطبيعة كالأزهار والعصافير. وتعرض، أيضا، نوارة جميلة إبداعاتها الملوّنة بالإتقان والخبرة، أغلبها صناديق صغيرة الحجم، غالبا ما تخزَّن فيها الأشياء الثمينة؛ لذلك تكون راقية، وفاخرة. وكلّها ذات ألوان بديعة، متناسقة كالأحمر، والوردي، والأزرق الزمردي، وبها بعض الرتوشات المذهبة.