اليوم الوطني للقصبة

فنون وعيون وحديث عن المرشد المعتمد

فنون وعيون وحديث عن المرشد المعتمد
  • 138
مريم . ن مريم . ن

أحيا المتحف الوطني  للزخرفة والمنمنمات وفن الخط "قصر مصطفى باشا" بالقصبة، بالتنسيق مع المتحف العمومي الوطني للفنون والتقاليد الشعبي، أول أمس، اليوم الوطني للقصبة، من خلال معارض فنية جماعية وفردية، وكذا تنظيم محاضرتين، تناولتا الشروط التي يجب تَوَفُّرها في المرشد السياحي، وكذا وقفة تاريخية مع العيون في مدينة الجزائر القديمة.

انطلقت مراسم الفعاليات بافتتاح معرض الزخرفة على الخشب "التراث الحي في عمارة القصبة"، والذي يحتفي بروح المكان وذاكرة الحرف وجماليات الإبداع المتجدد في أحضان قصبة الجزائر. وأشار عدد من المنظمين، إلى أن الزخرفة على الخشب، ليست مجرد عنصر تزييني، بل هي لغة بصرية تختزن تاريخا من المهارة والصبر والذوق الرفيع، إنها شهادة على أن التراث ليس ماضيا جامدا، بل كائن حي يتنفس في أياد تؤمن وتجدد حضوره. بدورها، أشارت مديرة المتحف السيدة نجاة ركاب، إلى أن اليوم الوطني للقصبة ليس محصورا فقط في 23 فيفري، بل هو ممتد إلى باقي أيام السنة، باعتباره الرئة التي يتنفس بها التراث، والحكي الذي يستهدف الأجيال وينتقل إلى الآخر أيضا.

حماية "المرشد السياحي" من سطو "البزناسية"

دخل المدعوون بعدها قاعة بفناء القصر، لمتابعة محاضرة الأستاذ سليم صابور، بعنوان "الإرشاد السياحي في صون والترويج للقصبة كتراث عالمي"، وقد أسهب المحاضر المختص في فترة ما قبل التاريخ، والذي اشتغل لمدة ثلاثين سنة بمتحف الباردو، في الحديث عن مقومات المرشد السياحي المحترف والمعتمد رسميا، وقبل اللقاء بلحظات صرح الأستاذ صابور لـ"المساء"، أن المرشد يتحمل على عاتقه مسؤولية كبيرة لا مجال فيها للخطأ، كما يحدث الآن مع من يزاولون هذا النشاط خارج مجال القانون، فيضربون بالتاريخ والثقافة والهوية عرض الحائط، ثم أخرج من محفظته بطاقة المرشد المحترف، الممضاة من وزير السياحة والصناعات التقليدية، وهذه المهنة موجودة في الوظيف العمومي ومعترف بها، وهنا أشار إلى أن من يدعون أنهم مرشدون، هم في الحقيقة "بزناسية"، مؤكدا لـ"المساء"، أن المهنة تتطلب تكوينا ليس ليوم واحد، كما يجري أحيانا، بل هناك تكوين خاص لشهور، وآخر يصل إلى أربع سنوات، ويتعلم المرشد فيها حتى الإسعافات الطبية الأولية، كي يواجه أي طارئ، زيادة على أن بطاقته تحميه قانونيا، ويمكن أن يتحرك بها في كل مكان أو أن يقدم بها شكوى إذا تعرض، مثلا، أحد السياح لمشكل أو لسرقة وهكذا.

قال المتحدث في محاضرته، إن هذا المجال يجب أن يخضع للتحسيس، لمواجهة الفوضى الحاصلة والتصدي لأناس لا علاقة  لهم بالمجال، كي يكون ذلك دقا لناقوس الخطر. وشد المحاضر الحضور بحديثه المباشر المستمد من الواقع، كما راح يسخر من هؤلاء المتطاولين على تراثنا، إلى درجة أن بعضهم يقول، إن المرأة كانت تخرج للسوق بزينتها وبخيط الروح فوق جبينها، كذلك خصوصيات الدويرات في جانبها المعماري. جال المحاضر في مختلف المراحل التاريخية التي عاشتها القصبة، منذ فترة ما قبل التاريخ (ايكوزيك)، وصولا إلى أوج ازدهارها في العهد العثماني، وصولا للفترة الاستعمارية الفرنسية، وكان في كل مرة يربط تاريخ المدينة القديمة بالبحر الذي يدخل منه الأجانب والتجارة.

كما أوضح المحاضر، أن عمارة القصبة كانت تتجدد، مثلما حدث بعد الزلزال الذي دمر جزءا كبيرا منها في القرن 17، ثم أشار إلى أن هذا المعمار ركن أساسي في الزيارات السياحية اليوم، منه الدويرات والدروب والحارات وغيرها، ليفضل هو أن تبدأ كل زيارة من أعلى أي من القلعة، وصولا إلى القصبة السفلى، علما أن معالم هامة لا تزال تختفي وراء الردم، كان آخرها مسجد (زاوية) سيدي محمد الشريف، وبالنسبة للفترة العثمانية، فهي تأخذ حصة الأسد، وقد ذكر أن تلاميذا يطلبون في زياراتهم دخول القلعة، لاستحضار حادثة المروحة، لكن المرشد الذكي يضيف على ذلك، ويتشعب كي تزداد الفائدة وتكون أشمل وأعمق.

أوضح المتحدث أيضا، أن المواقع ليست وحدها من تحكي التاريخ، فهناك التراث غير المادي، من حرف وفنون وثقافة وسكان، ذكر منهم الجزارين من منطقة الشعابنة، زيادة على تراث الأندلسيين الوافدين وغيرهم، كما دعا المرشدين إلى عدم الإفراط في "وطنيتهم" في غير محلها بالنسبة للمعلومات، فما هو غير جزائري لا بد أن يذكر أصله، كما هو الحال مع الأعمدة الرخامية التي جاءت من اليونان، ولاحظها السياح اليونانيون، فهي غير جزائرية، وإذا كان المرشد غير ملم بجانب من التاريخ، فعليه الصمت أحسن من كذبه المكشوف.

عيون القصبة.. تراث يندثر

المحاضرة الموالية، كانت من تقديم الدكتور سعيد بوزرينة من المركز الجامعي "نور البشير" بالبيض، بعنوان "العيون بمدينة الجزائر خلال العهد العثماني"، وقد أكد أنه اعتمد على الكتابات الأثرية، ومن ضمن ما قاله، إن العيون ارتبطت بنظام الري، متوقفا عند مصادر المياه بالعاصمة وما جاورها، منها وادي حيدرة وسواقي الحامة وتليملي والأبيار وعين زبوجة وبيرطرارية وغيرها.

بالنسبة للعيون داخل القصبة وبالفحص، قال الدكتور، إنها انتشرت في الزوايا والمساجد، منها عين سيدي محمد الشريف المباركة، التي كانت تقصدها النسوة، كما أن الأندلسيين طوروا نظام الري تماما، كما أدخلوا صناعة الحرير، ثم ذكر جملة من العيون، أغلبها طُمس واندثر، كعين زاوية القشاش والعين القيصرية بالسوق الكبير وغيرهما، ووصف فترة الدايات بأنها أكثر فترة ازدهر معها العمران، بالتالي العيون خاصة في عهد علي باشا داي الجزائر.