المسجد العتيق بعمي موسى في غليزان
معلم من القرن التاسع عشر مهدد بالاندثار
- 131
ن. واضح
يُعد المسجد العتيق، ببلدية عمي موسى في ولاية غليزان، واحدا من أبرز الشواهد المعمارية والدينية التي تختزن ذاكرة المنطقة وتاريخها المقاوم، غير أن هذا الصرح، الذي يعود تاريخ بنائه إلى سنة 1878، بات اليوم مهددا بالتدهور، وسط دعوات متزايدة للتدخل العاجل من أجل ترميمه والحفاظ عليه.
وفي قلب المدينة، تحول المسجد القديم، إلى قبلة لمئات الزائرين، خاصة خلال شهر رمضان، حيث يحرص المصلون على زيارته بعد أداء صلاة التراويح بالمسجد الجديد المجاور، الذي يحمل الاسم نفسه. ولا تقتصر الزيارة على البعد الروحي فحسب، بل تمتد لتشمل استحضار صفحات من تاريخ المنطقة المرتبط بهذا المعلم العريق. وتؤكد البحوث في التاريخ المحلي، أن تشييد المسجد يعود إلى سنة 1878، جاء في سياق تاريخي خاص، حيث بادر سكان المنطقة إلى بنائه في مواجهة محاولات الاستعمار الفرنسي طمس الهوية الدينية والثقافية، بعد تشييد كنيسة بالمدينة في السنة نفسها.
وتضيف، أن المسجد مثل آنذاك رمزًا للتمسك بالدين واللغة والعادات العربية الإسلامية، كما كان منارة لتعليم القرآن ونشر العلم. وبعد الاستقلال، واصل المسجد أداء رسالته، حيث احتضن حلقات لتحفيظ القرآن للطلبة الوافدين، قبل أن يتحول إلى معهد ديني، تخرج منه آلاف الطلبة، يشغل عدد منهم اليوم، مناصب مهمة في مختلف مؤسسات الدولة، ما يعكس دوره التربوي والعلمي عبر عقود.
ومن الناحية المعمارية، يتميز المسجد بطابع هندسي فريد، يمزج بين الطراز الإسلامي والتركي، مع حضور بعض العناصر ذات التأثير الروماني، وهو ما يمنحه قيمة تراثية ومعمارية استثنائية، غير أن هذا الإرث التاريخي، يواجه اليوم خطر التدهور، حيث ظهرت تشققات واسعة في الجدران، وتصدعات في الهيكلين الداخلي والخارجي، إضافة إلى أضرار طالت القبة، ما أثار مخاوف من احتمال انهيار أجزاء منه في حال تأخر التدخل.
وفي هذا السياق، أطلقت جمعيات محلية وناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، حملات للمطالبة بترميم المسجد العتيق في أقرب الآجال، وانضم إلى هذه المبادرات، شباب وأساتذة وباحثون مهتمون بتاريخ وآثار المدينة، موجهين نداءً إلى وزارة الثقافة والسلطات المختصة للتدخل العاجل، من أجل تصنيف المعلم وترميمه، باعتباره جزءًا من الذاكرة الوطنية، ورمزًا من رموز صمود المجتمع الجزائري خلال الحقبة الاستعمارية. ويأمل سكان عمي موسى، في أن تحظى هذه التحفة المعمارية النادرة بالعناية اللازمة، قبل فوات الأوان، حفاظًا على إرث تاريخي وروحي، ظل لأكثر من قرن ونصف القرن، شاهدًا على هوية المنطقة وذاكرتها الجماعية.