الجزائر العاصمة

عادات متجذرة.. تكافل اجتماعي وأجواء تعبدية

عادات متجذرة.. تكافل اجتماعي وأجواء تعبدية
  • 96
أحلام محي الدين أحلام محي الدين

يُعد الشهر الفضيل من أعز الشهور وأحبها إلى قلوب الجزائريين. فهو الشهر الذي ينتظرونه بشغف كبير. ويودَّع بأسف أكبر عند خروجه. العلاقة معه روحية ووجدانية.. إنه سيد الشهور، الذي أُنزل فيه القرآن. ففي الجزائر العاصمة على غرار ولايات الوطن قاطبة، تتهيأ المساجد لاستقبال المصلين والذاكرين. كما تستعد البيوت لاستقبال الزائر الحبيب، والضيوف القادمين لمشاركة مائدة الإفطار المليئة بالخيرات، وأيضا لإسعاد أهل البيت. فخلال الشهر الفضيل تعود العادات المتجذرة بقوة، إذ يحرص كل الافراد على إحيائها بكل محبة، وبتفاصيل جميلة جدا في أجواء تعبدية.

تعيش العاصمة ليل نهار على نبض الشهر الفضيل بتفاصيل دقيقة؛ إذ تشهد الشوارع وأسواقها خاصة في الأحياء الشعبية، حركة غير مسبوقة منذ طلوع النهار، إذ تتعطر الأسواق برائحة "حشيش المقطّفة" والنعناع، والمتسوقين الذين يحملون قفف الدوم التي تعود للواجهة مع رمضان لاقتناء مستلزمات المائدة الرمضانية، من حليب لتحضير "الفلان" والكريمات، والخضر واللحوم والدجاج لتحضير الأطباق التقليدية الشهية، إلى جانب الحلويات التي تتصدرها الزلابية، وقلب اللوز.

وخلال الساعات التي تسبق أذان المغرب، تعرف الطرقات الرئيسية حركة مرور خانقة، بين مقبل على الأسواق والمحلات، ومتجول، إذ يحرص أهل العاصمة على التنقل الى ولاية البليدة أو "الوريدة" لاستنشاق عبق ماء الزهر والفانيلا، الذي يداعب الأنوف، والشهية الصابرة المنتظرة أذان المغرب، إذ تصبح طريق بوفاريك قِبلة للراغبين في تناول الزلابية بمختلف أنواعها التقليدية، وهي أشد إقبالا، منها زلابية الكاوكاو، وحلوى الترك، وغيرهما، الى جانب الشاربات المعطرة بالفانيلا، والتي لها نكهة خاصة بسوق العرب بقلب بوفاريك.   

حضور قوي للأطباق التقليدية وموائد الرحمة

تحافظ العائلات في العاصمة على أطباقها التقليدية التي تزين الموائد، على غرار شوربة الفريك، والشوربة البيضاء، الى جانب البوراك، ومختلف الأطباق الرئيسية والسلطات، على غرار المثوم، والكباب، وطاجين الزيتون، واللحم الحلو والفواكه، إذ تجتمع العائلات حول الموائد الغنية بكل ما هو تقليدي. كما تتوزع موائد الرحمة في مختلف البلديات لاستقطاب المعوزين وعابري السبيل، فيما أصبحت "مائدة الجمعة" بقلب العاصمة كل رمضان، تمثل حدثا عظيما؛ إذ تستقطب العائلات وعابري السبيل بالآلاف. وينتظرها الكثيرون بشغف.  كما تعمد الجمعيات وأهل الإحسان لتحضير الموائد وأشهى الأطباق للصائمين والمعوزين، علاوة على المساعدات الاجتماعية التي تقدمها الدولة للمحتاجين؛ من خلال التسجيل في البلديات، والاستفادة من قفة رمضان، أو مبالغ مالية لسد الحاجة.

السهرة الرمضانية.. عبادة وصلة رحم

بعد أذان المغرب تستعيد شوارع العاصمة نشاطها تدريجيًا، في حين تمتلئ المساجد بالمصلين لأداء صلاة التراويح. وتتنافس دُور العبادة في اختيار أحسن المقرئين. كما ينال المسجد الأعظم للعاصمة، حصة الأسد من المتعبدين. وتعرف المقاهي والفضاءات العمومية حركة معتبرة بعد الصلاة، تدوم لساعات متأخرة من الليل تصل إلى السحور، فيما تحافظ العائلات على تقليد الزيارات واللقاءات الاجتماعية التي تعزّز الروابط الأسرية، في لمة تترجمها الابتسامة، واللطف، وحرارة اللقاء حول صينية الشاي، والقهوة المزيَّنة بقلب اللوز والزلابية اللذين يحجزان مكانا طيلة الشهر الفضيل.