سلطانة الموائد الشتوية

"الدوبارة".. من واحات بسكرة إلى أزقة عنابة العريقة

"الدوبارة".. من واحات بسكرة إلى أزقة عنابة العريقة
  • 148
سميرة عوام سميرة عوام

تستقطب رائحة "الدوبارة" النفاذة، المنبعثة من قدور الفخار والنحاس في أزقة عنابة العريقة، مئات المواطنين يومياً، مع كل إشراقة صباح شتوي بارد، حيث تحولت هذه الأكلة الشعبية البسيطة في مكوناتها، والعميقة في دلالاتها الاجتماعية، إلى أيقونة لا منافس لها في "جوهرة الشرق". 

رغم أن "الدوبارة" تُعرف تاريخياً وجغرافياً بجذورها الأصيلة القادمة من منطقة “الزيبان” ببسكرة، إلا أن انتقالها إلى عنابة، لم يكن مجرد مرور عابر للمأكولات، بل كان استيطاناً ثقافياً وغذائياً، بدأ مع توافد المختصين والحرفيين من عمق الصحراء إلى هذه المدينة الساحلية، حاملين معهم أسرار "القدر" والخلطات السحرية التي توقد الحواس.

عرفت مدينة عنابة، بمرور الزمن، تحولاً في خارطتها الغذائية، حيث نجح البسكريون الذين استقروا في أحياء "لورونجري" و"وسط المدينة" و"ضواحيها"، في نقل خبراتهم وتطويرها لتناسب الذوق العنابي، الذي يميل إلى المأكولات الحارة والغنية بالنكهات. واليوم، لم تعد "الدوبارة" تُعتبر وافداً غريباً على "بونة"، بل أصبحت جزءا لا يتجزأ من هويتها اليومية في فصل الشتاء، حيث تشهد المحلات المتخصصة طوابير طويلة تمتد أمام الأبواب، تجمع بين مختلف شرائح المجتمع، من الموظف الذي يبحث عن طاقة لبدء يومه، إلى العامل البسيط الذي يجد فيها وجبة مشبعة تقي من البرد القارس.

تكمن القوة الحقيقية لهذا الطبق، في قدرته الفائقة على تدفئة الجسم وتقوية جهاز المناعة، وهو أمر يوصي به المختصون بشدة، خاصة خلال شهر جانفي، الذي يشهد تقلبات مناخية حادة. فالمكونات الأساسية لـ«الدوبارة”، والمتمثلة في الحمص والفول المطبوخين بعناية فائقة، مضافاً إليهما كميات سخية من الثوم، زيت الزيتون البكر، والفلفل الحار، تعمل جميعها كمضادات حيوية طبيعية ومحفزات للدورة الدموية. إن هذا الطبق ليس وسيلة لسد الجوع، بل صيدلية طبيعية متنقلة، تساعد العنابيين على مقاومة نزلات البرد والأنفلونزا الموسمية، دون الحاجة المفرطة للأدوية الكيماوية.

وفي ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، وارتفاع تكاليف المعيشة، تبرز "الدوبارة" في عنابة، كحل مثالي يجمع بين القيمة الغذائية العالية والسعر الاقتصادي الزهيد؛ فهي تظل الوجبة الأكثر شعبية وإشباعاً، يمكن للمواطن اقتناؤها بمبلغ بسيط، مما يعزز من صمودها أمام غزو الوجبات السريعة الحديثة. إن هذا الصمود ليس مادياً فحسب، بل هو تمسك بالهوية والذاكرة الجماعية، حيث يجد العنابيون، في كل ملعقة من "الدوبارة" حكاية تربط شمال الوطن بجنوبه، وتؤكد أن الأطباق التقليدية هي الجسور غير المرئية، التي توحد الوجدان الشعبي.

لقد أصبحت محلات "الدوبارة" في عنابة، اليوم مراكز للتواصل الاجتماعي، حيث تذوب الفوارق بين الناس أمام طبق ساخن يعلوه عبق الكمون ورذاذ الليمون الحامض. ومع تزايد الإقبال عليها، بدأت هذه المحلات تبتكر في طرق التقديم مع الحفاظ على الجوهر الأصيل، مما يضمن استمرارية هذا الموروث وانتقاله إلى الأجيال الشابة، التي باتت تدرك قيمة الغذاء التقليدي في الحفاظ على الصحة والنشاط. وهكذا، تظل”الدوبارة” في عنابة أكثر من مجرد أكلة؛ إنها فلسفة بقاء، وعنوان للدفء، وقصة عشق أبدية تكتبها القدور المغلية في قلب بونة، كل صباح.