حينما تتحول الرقية إلى مصدر للمال
"رقاة" يتسترون بكتاب الله لممارسة الشعوذة والسحر
- 191
رشيدة بلال
❊ 90 بالمائة من قاصدي الرقاة لهم مشاكل نفسية واجتماعية
❊ الشيخ الطيب: هذه هي العلاقة بين الرقية والاستشارة النفسية
الرُّقية الشرعية موضوع متفرع، أخذ في السنوات الأخيرة أبعادا أخرى، باختلاف الغاية المرجوة منه، والتي أصبحت مادية أكثر منها علاجية روحية؛ إذ حادت عن هدفها الأساسي. وكما هو معروف عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الرقية هي قراءة الآيات القرآنية أو الأدعية الشرعية، مع النفث على الموضع الذي يتألم منه الجسد أو على المريض المُراد رقيته، وتُعد من أساليب العلاج الشائعة في العالم العربي والإسلامي. إلا أنها في الوقت الراهن، للأسف، لبست ثوب السحر، واختفى أصحابها خلفها لممارسة الشعوذة، بينما حولها آخرون إلى مكتب للاستشارات النفسية والاجتماعية، انطلاقًا من حاجة المجتمع لمن يستمع إليهم ويُحل مشاكلهم النفسية والاجتماعية.
"المساء" كان لها لقاء مع الشيخ الطيب، أحد رقاة مدينة العفرون، الذي ذاع صيته في كل ولايات الوطن، نظير ما يقدمه من مجهود في توفير الراحة والسكينة لزواره، حيث جمع بين العلاج القرآني والنفسي والاجتماعي.
للوهلة الأولى التي قررت فيها "المساء"، زيارة محل الراقي الشيخ الطيب، اعتقدت من المظهر الخارجي للمحل، الذي يقع في أحد الأحياء القديمة بمدينة العفرون، أنه ليس راقيًا، وإنما يقترب أكثر من المشعوذ أو حتى الساحر. في داخل المحل، وقفت على عدد من الأعشاب المختلفة، وبعض الزيوت المعبأة في قوارير، لكل منها استخدام خاص. وفي الجزء الآخر من المحل، مكتب صغير عليه بعض الأعشاب وبعض الكتب.
وفي دردشة مع الراقي الشيخ الطيب، رفض إعطاء اسمه الكامل واكتفى بالقول: “أنا الراقي الشيخ الطيب، ما المطلوب مني؟ طُرح عليه سؤال بسيط حول السر وراء شهرته الكبيرة، خاصة بعد أن ذاع أن أشخاصًا مثقفين من النخبة وإطارات في مناصب مختلفة يزورونه ويطلبون منه الرقية، رغم أنه لا يملك أي صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل يرفض التعامل بهذه الطريقة، ولا يحب أصلًا الشهرة، وإنما ما يقوم به ـ حسبه ـ لوجه الله.
وقال مبررا: “أنا لست بالمشعوذ ولا الساحر. وسر الأعشاب والزيوت المعبأة في القوارير، أنني من محبي الطبيعة وما تجود به متيجة من خيرات، خاصة في مجال الأعشاب العطرية والطبية. وكان لي شغف منذ سنوات، لتعلم التداوي بالأعشاب. وعلى الرغم من أنني كنت فيما مضى، معلمًا للغة العربية والشريعة الإسلامية، فقد قررت بعد التقاعد، أن أتفرغ لدراسة الأعشاب وفوائدها العلاجية، وتقديم خلاصة تجربتي البسيطة التي فاقت 40 سنة لمن يرغبون في التداوي بها، باعتبارها علمًا قائمًا بذاته".
وأشار إلى أنه وبعد سنوات من البحث في مجال الأعشاب، أصبح خبيرًا وله اطلاع واسع حول كل الأعشاب الموجودة، من حيث فوائدها ومضارها وما تنفع وما تضر، وكان عصاميًا يعتمد على ما هو موجود في الكتب وعلى بعض التجارب، لافتًا إلى أنه اعتمد أيضًا على تجارب الأولين، وعلى ما توصل إليه العلم حديثًا. وأكد أن ما يقدمه من وصفات مُجربة تُعطي نتائج مفيدة للناس، مشيرا إلى أنه يملك في محله أكثر من ألفي عشبة مجربة يعرف نتائجها، وليس لها أي خطر على الصحة، ولم يرتكب أي خطأ، وتمكن على مدار سنوات، من علاج كل من زاره.
ولأن تفسيره، كونه عشابًا، بدا مقنعًا، طرحت "المساء" عليه سؤالًا آخر: ما علاقته إذًا بالرقية الشرعية؟
ورد قائلًا: "الرقية في الأساس ليست مهنة، وإنما اعتمدها البعض وحولها إلى مهنة سعيًا وراء المال، وآخرون قصد التخفي وراءها لممارسة الدجل أو الشعوذة. هذا أولًا. ثانيًا، ما جعلني ألجأ إلى ممارستها، هو حاجة الناس إليها لما يعانونه من مشاكل كثيرة".
ويضيف: "انتقلتُ من راقٍ إلى معالج نفساني، وفي أحيان أخرى اجتماعي. وأكثر من هذا، 90 بالمائة من الوافدين على مشاكلهم نفسية أو اجتماعية، و4 بالمائة فقط أراهم في حاجة إلى رقية، بسبب مس أو عين وبدرجة كبيرة". ويُردف: "إذا كان المختص النفساني يأتي لطلب الاستشارة، فإذن هو غير قادر على علاج نفسه”.
ويؤكد أن الحالات التي تتوافد عليه ممن تعاني من مشاكل نفسية واجتماعية، يستمع إليها بانتباه، ويحاول مساعدتها ببعض النصائح والحلول، ويختم الجلسة برقية، بالاستعانة بما جاء في كتاب الله من آيات الرقية، التي تبعث على الهدوء والسكينة، ولعل هذا ـ كما يقول ـ السر وراء شهرته المعلنة بين الناس.
وحول قدرته على الجمع بين الرقية الشرعية والعلاج النفسي والاجتماعي، أوضح الشيخ الطيب، أن عامة الناس لديهم مفهوم خاطئ حول الرقية؛ فهي ليست محصورة في العين والحسد والسحر، وإنما هي أبعد من ذلك. إذ تحتوي على حلول لعلاج عدد من المشاكل النفسية والاجتماعية، التي تجعل الأفراد لا يعيشون حياة مستقرة، وبعد القيام بأكثر من زيارة وجلسة، يشعرون بالراحة والسكينة.
ويختم الشيخ الطيب حديثه، بالتأكيد على أن المجتمع ـ ومن خلال ما يُروى في محله الصغير من قصص وحكايات، يعيش أزمة عميقة غابت فيها المحبة والمودة والقيم الأخلاقية، ويعاني من أزمة اتصال حادة.