"التفتّح مع يناير" برواق "محمد راسم"
باقات الورد بعطر جزائري
- 122
مريم. ن
يستقبل الفنان عمر سعد (كارنو) جمهوره بباقات الورد والياسمين التي زيّنت معرضه “التفتّح مع يناير” برواق “محمد راسم”، مستذكرا ثقافة الورد، ونباتات الزينة التي كانت مغروسة في مجتمعنا، مع وقفة ليناير الذي يحتفي بالجمال كله.
تُعبّق الورود بعطورها المكان. وتمتدّ في أشكال وألوان مختلفة في أغلب الأرجاء، ليطلّ الفنان عمر كارنو من هناك مرحبا بـ«المساء” وهو في كامل حيويته كعادته، مقبلا على الحياة، متفائلا لا يرى إلاّ كلّ جميل معطّر. وتعكس اللوحات مدى تمكّن الفنان من الأسلوب الواقعي الكلاسيكي الأكثر رواجا في الساحة الجزائرية، والأكثر طلبا، علما أنّ لوحاته تباع بسهولة، ومطلوبة في كلّ معرض.
المعرض بدأ باقتراح
عن هذا المعرض قال: "في أحد معارضي المقامة بالعاصمة زارني الفنان المعروف مصطفى بوطاجين، وأُعجب بلوحات رسمت فيها الورود والنباتات، فاقترح عليَّ أن أقيم معرضا للزهور والورود، لتستقر هذه الفكرة في بالي، وتتحوّل مع الأيام إلى معرضي هذا ". وبدت اللوحات مبهرة لا يستطيع الناظر مقاومة فتنتها. إنّها تحف راقية قد لا يصدق البعض أنّها من "ريحة البلاد"؛ إذ إنّ الجزائر عُرفت، أيضا، بورودها، وأزهارها، ونباتات الزينة الملوّنة بكلّ شكل ولون. ومع لمسة كارنو العبقرية ازدادت جمالا وحسنا.
وخلال جولته عبر المعرض رفقة "المساء"، راح الفنان يستعرض تلك المخلوقات الحسناوات التي ليس لجمالهن مثيل؛ فمن الورود والزهور ما وُضع في مزهريات زجاجية. وبعضها الآخر في أوان فخارية تقليدية. والأخرى وهي مزروعة في البراري والمروج وهكذا. كما خصّص لوحتين منفردتين تضمّ كلاهما وردة متفتحة، قال عنهما الفنان إنهما وردتان من الجزائر التي عُرفت بورودها التي زيّنت البيوت والفضاءات العامة، وكان عبقها يملأ الأرجاء. وكانت رفيقة الجزائري في مناسباته وأعياده، وتزيّن بيته دوما، وذلك لتوفّرها بكثرة عكس اليوم؛ حيث تراجعت هذه الثقافة كثيرا، لتطغى الأشكال المفبركة التي لا لون ولا رائحة لها، وبالتالي لا تترك أثرها الحسن.
الورد والريحان وما شابههما من عطر الأجداد
رسم الفنان عمر السوسن، والريحان، والقرنفل، وعناقيد الياسمين، وكلّها من عطور الأجداد، ومن مخزون تراثنا الزاخر، وبألوان هادئة تريح العين والنفس. وهنا تبرز الألوان التي تحكم فيها بعضها كما هو في الطبيعة تماما، خاصة عند مزجه بين الوردي وبين البنفسجي بتدرّجاته الخارقة.
ومن بين اللوحات المعروضة هناك لوحات تعكس التراث المعماري، خاصة في القصبة. وقد أبدع الفنان في رسم بعض الأبواب العتيقة، التي بدورها تحضر فيها الورود خاصة من جوانبها. كما رسم لوحة كبيرة لباب قديم، قال إنّه تخيّله ليفاجئ به واقعا مجسّدا عندما زار قصر “حصن 23” . باب آخر صغير غير بعيد عن الجامع الجديد. وأكّد الفنان مدى ولعه بالطبيعة وجمالها، التي هي أمر طبيعي مطلوب من الجميع، وبالتالي يحرص على تقديم هذه الجرعة من الأوكسجين للجمهور، الذي ضجر من روتين الصخب، وضيق حياة المدينة.
تراث القبائل ملوّن بالطبيعة والحياة
في مكان آخر من المعرض، تطلّ لوحات طبيعة منطقة القبائل والتي نالت نصيبها من الإبداع. وقال الفنان إنّ أغلبها من ذاكرة الطفولة، مؤكّدا أنّ في بدايات حياته كانت تسكن عائلته القصبة؛ لذلك ارتبط بها. ثم انتقلت إلى أعالي العاصمة ببوزريعة. وكان والده يأخذه مع العائلة وهو صغير، إلى إحدى قرى تيزي وزو، ليكتشف حياة أخرى جميلة لايزال يتنفّس ذكرياتها.
وأبدع الفنان في رسم سيدة شابة تحمل جُرّتها بالوادي، لتملأها وسط طبيعة ساحرة. وعلّق قائلا: “تعمّدت رسم جبّتها القبائلية الجميلة المزركشة بالألوان، وبالفوطة المخطّطة زيادة على جمال المرأة نفسها” . ثم أضاف مبتسما: “تلك الجبة الجميلة كانت جبة مناسبات وليست للشؤون المنزلية العادية. يبدو أنّها كُلّفت بهذه المهمة، وهي في عرس” . لوحات أخرى عن الطبيعة “القبائلية” مختارة من مواسم الربيع الأخضر والملون. كما خصّص لوحات أخرى للحلي الفضية، منها “أبزيم”(المشبك) في أشكال وألوان متعدّدة.
أما البحر فتلك حكاية أخرى؛ فالفنان كارنو متصالح معه دوما. ويستضيفه في كلّ معرض من خلال الزرقة المتداخلة مع الطبيعة، والمراسي العتيقة وغيرها. ويبقى الفنان عمر كارنو متمسّكا بتفاؤله، وحبّه للحياة. يزرع الأمل والجمال من خلال أعماله. ويستقبل جمهوره بعفوية، وابتسامة، وروح خفيفة. ويهدي معها عطور الورد والياسمين، تماما كما كان يفعل الأجداد.