معرض "شرشال عبر التاريخ"

العائلة الملكية القيصرية والحياة الريفية ضيفتا المتحف البحري

العائلة الملكية القيصرية والحياة الريفية ضيفتا المتحف البحري
  • 343
لطيفة داريب لطيفة داريب

يحتضن المتحف العمومي الوطني بشرشال، حاليا بالمتحف البحري، معرضا تاريخيا مميّزا، يسلّط الضوء على محورين أساسيين من تاريخ المنطقة، هما العائلة الملكية الموريطانية القيصرية، والحياة الريفية في العصور القديمة. يهدف المعرض من خلال لوحات تعريفية وشواهد أثرية، إلى إبراز الأبعاد السياسية والثقافية والاقتصادية التي شكّلت ملامح مدينة شرشال، ودورها المحوري في شمال إفريقيا خلال العصور القديمة.

العائلة الملكية الموريطانية القيصرية

تنحدر العائلة الملكية الموريطانية القيصرية من سلالة عُرفت بالسلطة والنفوذ. وترك أفرادها بصمة واضحة في تاريخ المنطقة. ويُعدّ الملك يوبا الثاني أبرز شخصياتها، إذ جمع بين أصول نوميدية، ونشأة رومانية، وثقافة إغريقية، ما جعله نموذجا فريدا للملك المثقف في العالم القديم.

وتولى يوبا الثاني حكم مملكة موريطانيا القيصرية سنة 25 قبل الميلاد بدعم من الإمبراطور أوكتافيوس. وكانت المملكة تمتدّ من شرق الجزائر الحالية إلى سواحل المحيط الأطلسي غربا. واختار مدينة أيول المحطة التجارية الفينيقية القديمة، عاصمة لمملكته، وغيَّر اسمها إلى القيصرية (شرشال)، واضعا نصب عينيه تحويلها إلى حاضرة تضاهي كبريات مدن البحر الأبيض المتوسط.

يوبا الثاني.. الملك العالِم والمثقف

حكم يوبا الثاني قرابة 48 عاما، تميّزت فترة حكمه بالاستقرار والازدهار، مع اهتمام واضح بشؤون الرعية، واعتماد أسلوب حكم قائم على التشاور والتنظيم. وتلقّى تعليما رفيع المستوى. وأتقن عدة لغات من بينها اللاتينية، والإغريقية، والليبية والبونية، لغة أجداده. وبفضل سعة اطلاعه وتنوّع معارفه لُقّب بـ"كالكانثروس” ؛ أي “الرجل ذو المعدة النحاسية”، في إشارة إلى قدرته الكبيرة على استيعاب مختلف العلوم والمعارف.

وعرفه المؤرّخون كباحث وعالم أكثر من كونه ملكا تقليديا؛ فقد رأى بلين الأكبر أنّ شهرته العلمية فاقت شهرته السياسية، بينما عدَّه بلوتارك مرجعا تاريخيا مهمّا. كما أنشأ يوبا الثاني مكتبة ضخمة على غرار الملوك الهلنستيين. وألّف كتبا في التاريخ والجغرافيا، وعلوم الطبيعة، وفقه اللغة، من بينها كتاب “ليبيكا” الذي تناول تاريخ وعادات بلاد المغرب، وكتاب "أرابيكا" عن تاريخ شبه الجزيرة العربية، إضافة إلى مؤلّفات عن تاريخ روما والآشوريين. ومع الأسف فُقدت معظم هذه الأعمال؛ لأسباب مجهولة، ما شكّل خسارة كبيرة للتراث المعرفي. كما اهتم بالنباتات الطبية، فاكتشف نبتة أطلق عليها اسم “أوفورب” ، ونوعا من الصبار سمّاه باسمه، استُخدم في تقوية النظر.

كليوباترا سيليني.. الملكة الشريكة

تزوّج يوبا الثاني من كليوباترا سيليني، ابنة كليوباترا السابعة ملكة مصر وماركوس أنطونيوس. وبعد هزيمة والديها في معركة أكتيوم سنة 31 قبل الميلاد، نشأت في كنف أوكتافيا، أخت الإمبراطور أوكتافيوس، قبل أن تصبح ملكة على موريطانيا القيصرية إلى جانب زوجها. وشاركت كليوباترا سيليني رسميا في الحكم، وهو ما تؤكّده النقود التي سُكّت باسمها. وأنجبت طفلين، هما بطليموس ودروسيلا. وتوفيت في سن الخامسة والثلاثين. ويُرجح أنّ وفاتها تزامنت مع خسوف القمر سنة 5 قبل الميلاد، في دلالة رمزية مرتبطة باسمها الذي يعني "القمر".

بطليموس الموريطاني ونهاية المملكة

خلف بطليموس الموريطاني والده في الحكم بعد أن تلقّى تعليما راقيا في أثينا. وسار في بداية عهده على نهج أبيه. وبمساعدة السلطات الرومانية تمكّن من القضاء على ثورة تاكفاريناس، فنال اعتراف مجلس الشيوخ الروماني كملك حليف، وصديق لروما. غير أنّ نهايته كانت مأساوية؛ إذ استدعاه الإمبراطور كاليغولا إلى روما سنة 40 ميلادية، حيث أُعدم لأسباب لاتزال غامضة. وبعد وفاته ضُمّت مملكته إلى الإمبراطورية الرومانية، وقُسّمت إلى موريطانيا الطنجية، وموريطانيا القيصرية.

إنجازات عمرانية وفنية

شهدت القيصرية في عهد يوبا الثاني نهضة عمرانية وفنية كبرى، حيث أُحيطت بسور تحصيني ضخم. وشُيّد ميناء مزوّد بمنارة مستوحاة من منارة الإسكندرية، إضافة إلى المسرح، والمدرج، والسيرك. وجلب يوبا فنانين يونانيين من مصر أسّسوا مدرسة نحت هيلينية، ماتزال آثارها محفوظة بالمتحف الوطني بشرشال، مؤكّدًا أهمية الفن في ازدهار العاصمة.

الحياة الريفية والزراعة

يركّز المعرض، أيضا، على تطوّر الحياة الريفية، والزراعة التي شكّلت العمود الفقري لاقتصاد المنطقة في تلك الفترة، وبلغت أوجّها خلال الفترة الرومانية بفضل التربة الخصبة، والمناخ الملائم، والتشريعات الفلاحية المنظّمة. وتبرز اللوحات الفسيفسائية مثل فسيفساء الحرث، الأعمال الحقلية، وقطف العنب ودعسه، وازدهار النشاط الفلاحي وتنظيمه، مقدّمة صورة حيّة عن المجتمع الريفي، ودوره في تحقيق الأمن الغذائي، واستقرار المنطقة، ما يوضّح كيف ساهمت الزراعة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لشرشال ومحيطها.

ومن بين الشواهد الموجودة بالمتحف العمومي الوطني بشرشال، اللوحة الفسيفسائية “الحرث” التي يتراوح مقاسها ما بين 5.25 م طولا و3.50م عرضا، أما مقاسات أضلاع المكعبات فتتراوح بين 3 و9 ملم، تم صنعها من حجارة متنوّعة، منها جيرية ورخامية، ومكعبات من الفخار، بألوان متنوّعة من الأبيض والأسود والأخضر والأحمر والرمادي والوردي والأصفر. وقد استُعملت لصنعها تقنيتان، هما الأوبوستسيلاتوم والأوبوسفير ميكولاتوم، وهي معروضة حاليا بالقاعة الجنوبية الشرقية للمتحف.

ونجد، أيضا، فسيفساء الأعمال الحقلية التي تُعدّ من أجمل اللوحات الفسيفسائية في المتحف، اكتُشفت بمنطقة قبلين بشرشال في الحفريات التي قام بها الباحث غلينا عام 1925، تعود إلى القرنين الثاني والثالث ميلادي. لوحة أخرى بعنوان "السجل الثالث" عن مشهد يبيّن عملية نزع الحشائش الضارة من طرف المزارعين في حقول العنب، ولوحات عن فسيفساء قطف العنب، والتي تم اكتشافها عام 1925، ولوحة "فسيفساء دعس العنب" وغيرها.