أمام تفاقم حوادث حافلات نقل التلاميذ

دعوات لتعزيز مسؤولية السائقين للحد من "إرهاب الطرق"

دعوات لتعزيز مسؤولية السائقين للحد من "إرهاب الطرق"
  • 151
رشيدة بلال رشيدة بلال

شكّل موضوع النقل المدرسي وأهمية الحفاظ على سلامة التلاميذ أثناء تنقّلهم من وإلى المؤسسات التربوية، محور يوم إعلامي تحسيسي نُظم بولاية البليدة، تزامنا والعطلة المدرسية لفائدة سائقي حافلات النقل المدرسي، إذ شكلت المناسبة فرصة لتذكير السائقين بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم في ظل الارتفاع الملموس الذي سجلته حوادث المرور التي يكون ضحيتها الأطفال المتمدرسون خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يستدعي، حسب المتدخلين، رفع مستوى الوعي المروري، وتعزيز ثقافة السلامة، والالتزام بقواعد السير.

وفي هذا السياق، أوضحت المكلفة بتسيير المديرية الفرعية للوقاية المرورية بالمندوبية الوطنية للأمن في الطرق، نيسة سماتي، أن المبادرة التي أطلقتها المندوبية الوطنية للأمن في الطرق فرع ولاية البليدة بالتنسيق مع جمعية الممرنين المحترفين للسياقة لفائدة سائقي حافلات النقل المدرسي، جاءت في أوانها بالنظر إلى الارتفاع المسجل في حوادث المرور الخاصة بالنقل الجماعي لفائدة المتمدرسين.

787 حادث مرور خلّفت 470 قتيل و7971 جريح

أضافت المتحدثة أن الإحصائيات المسجلة على المستوى الوطني خلال عشرة أشهر الأولى من السنة الجارية، تشير إلى تورط مركبات النقل الجماعي في 787 حادث مرور، من بينها مركبات النقل المدرسي، مؤكدة أن الشريحة العمرية للضحايا تتراوح بين 5 سنوات و18 سنة عبر مختلف الأطوار التعليمية. أما في ما يخص الخسائر البشرية فقد تم تسجيل، حسب المتحدثة، 470 قتيل و7971 جريح، من بينهم عدد معتبر من الأطفال.

وعبّرت سماتي عن أسفها لارتفاع حوادث المرور المرتبطة بالنقل الجماعي، بما فيها النقل المدرسي، وهو ما دفع، حسبها، بوزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل عن طريق المندوبية الوطنية للأمن في الطرق، إلى دق ناقوس الخطر بالنظر إلى تورط حافلات النقل المدرسي في العديد من الحوادث خلال الآونة الأخيرة، على غرار حادث المرور المسجل بولاية بجاية، الذي خلّف تسع إصابات، وحادث آخر بولاية تيزي وزو خلّف عدة إصابات في صفوف تلاميذ الطور الثانوي، إلى جانب حادث ولاية سطيف الذي أسفر عن 29 إصابة في أوساط تلاميذ الطور المتوسط.

ومن جهة أخرى، أشارت المتحدثة إلى أن خطورة حوادث المرور المتعلقة بحافلات النقل المدرسي لا تكمن، فقط، في الحادث في حد ذاته، وإنما في الفئة المتضررة، والتي تُصاب في سن مبكرة بآثار نفسية وصدمات قد يصعب علاجها مستقبلاً. كما أوضحت أن أسباب هذه الحوادث تعود، بالدرجة الأولى، إلى العامل البشري ممثلاً في السرعة المفرطة، ونقص صيانة المركبات وفق معايير السلامة، إضافة إلى نقص تأهيل السائقين، مؤكدة أن وزارة الداخلية تصنف ارتفاع حوادث المرور المرتبطة بالنقل المدرسي، ضمن الانشغالات الهامة، التي تتطلب رفع الوعي، والتحلي بروح المسؤولية، واحترام القانون.

مسؤولية سائق حافلة نقل التلاميذ كبيرة

من جهته، أكد عبد اللطيف بن سعيداني، المندوب الولائي للأمن في الطرقات بولاية البليدة، أن تنظيم هذا اليوم التحسيسي يندرج في إطار الجهود الرامية إلى رفع وعي سائقي حافلات النقل المدرسي بعد تفاقم حوادث المرور التي تتسبب فيها هذه الحافلات، بالنظر إلى خصوصية الفئة المنقولة، والمتمثلة في الأطفال؛ ما يستوجب تذكير السائقين بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.

وأوضح المتحدث أن مهمة سائق حافلة النقل المدرسي لا تقتصر، فقط، على عملية السياقة، بل تمتد إلى مراقبة صعود ونزول التلاميذ، وضمان التزامهم بالهدوء، وعدم القيام بتصرفات خطيرة أثناء الرحلة؛ مثل إخراج الأيدي أو الرؤوس من نوافذ الحافلة، وغيرها من السلوكيات التي قد تعرضهم للخطر بما يضمن وصول التلميذ إلى المدرسة أو البيت سالماً. وأضاف أن القانون رغم تحديده للإطار القانوني المنظم لمهنة السائق المدرسي من خلال التكوين الخاص والحصول على شهادة مؤهلة، إلا أن ذلك يظل غير كافٍ، ويستدعي تنظيم أيام تحسيسية دورية لتذكير السائقين بأهمية الالتزام بجملة من التدابير الوقائية، الكفيلة بضمان سلامة التلاميذ.

وفي السياق ذاته، استعرض ممثل الدرك الوطني جملة من المخالفات التي تم معاينتها ميدانياً، وكانت سبباً مباشراً في وقوع حوادث مرتبطة بالنقل المدرسي؛ مثل استعمال الهاتف النقال، والسرعة المفرطة، مشدداً على أن سائق حافلة النقل المدرسي يجب أن يتحلى بدرجة عالية من روح المسؤولية، وأن يدرك أنه مطالَب بجملة من الصفات الأساسية، أبرزها الهدوء، والصبر، والقدرة على التحمل، بحكم تعامله اليومي مع الأطفال المعروفين بكثرة الحركة والشغب. وأشار إلى أن عدم التحكم في مزاجية الأطفال إلى جانب تشتت انتباه السائق، قد يكون من أسباب الحوادث، ما يبرز أهمية توفير مرافق داخل الحافلة؛ لتفادي تشتيت السائق، وضمان تركيزه التام على السياقة.

بعض السائقين بحاجة للتحلي بروح المسؤولية

كما تطرق ممثل الدرك الوطني لمخالفات أخرى، من بينها فتح أبواب الحافلة قبل التوقف التام؛ ما يعرّض الأطفال للخطر. وتوقيف الحافلة لقضاء حاجات شخصية خلال أوقات العمل؛ كشراء المواد الغذائية، إضافة إلى إهمال صيانة الحافلة، أو التأخر عن موعد الانطلاق، ثم محاولة تعويض ذلك بالسرعة المفرطة للوصول في الوقت المحدد.

وأضاف أن بعض السائقين يعزون أسباب الحوادث إلى تدهور الطرقات، غير أن السائق، حسبه، من المفترض أن يكون على دراية تامة بمسار الطريق بين المدرسة ومناطق نقل التلاميذ، وأن يأخذ كل الاحتياطات اللازمة، مؤكداً أنه لا مبرر للتحجج بحالة الطريق، لأن السائق مطالَب، أيضاً، بالتكيف مع الظروف المحيطة؛ لضمان سلامة الأطفال، وتفادي الوقوع في فخ السرعة.

ومن جهتها، أكدت آمال هاشمي، المكلفة بالاتصال بأمن ولاية البليدة، أن المعاينات الميدانية اليومية عبر الطرق تشير إلى تهور بعض السائقين، الذين لايزالون بحاجة إلى التحلي بروح المسؤولية، خاصة في ما يتعلق بمراقبة وصيانة الحافلات، ورفع تقارير حول مختلف الانشغالات المسجلة أثناء نقل التلاميذ، لا سيما ما تعلق بضرورة توفير مرافق داخل الحافلة. وأضافت أن ما يثير التساؤل هو إقدام بعض سائقي حافلات النقل المدرسي على استعمال الهاتف النقال، والتواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي أثناء السياقة دون إدراك حجم الخطر الذي يشكله هذا السلوك، مؤكدة أن الهدف من هذه الحملات التحسيسية ليس تحرير المخالفات، وإنما التقليل من عدد الحوادث، وحماية أرواح التلاميذ.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ الشرطة يحي رحالي جملة من الإحصائيات المسجلة خلال السنة الجارية ضمن إقليم اختصاص الأمن الوطني على مستوى ولاية البليدة، حيث تم تسجيل 418 حادث مرور، خلّفت 499 جريح، و21 قتيلاً. ومقارنة بسنة 2024 التي سُجل خلالها 367 حادث مرور أسفرت عن 424 جريح و14 قتيلاً، يتضح وجود زيادة معتبرة في عدد حوادث المرور، والخسائر البشرية.

وأشار المتحدث إلى أنه رغم الجهود المبذولة في مجال التحسيس وتكثيف الحملات التوعوية إلى جانب النصوص القانونية والتشديد في العقوبات والغرامات، إلا أن هذه الإجراءات تظل غير كافية نتيجة ضعف الثقافة المرورية، مؤكداً على ضرورة أن يجتهد كل سائق على مستواه في ترسيخ سلوكيات القيادة الآمنة، والمساهمة في رفع الوعي المروري؛ حفاظاً على الأرواح، خاصة عندما يتعلق الأمر  بالأطفال.