باريس تترنح بعد فشلها في كسر ندية الجزائر
اليمين المتطرّف يقود فرنسا نحو الانهيار

- 181

أصبحت الدبلوماسية الفرنسية تترنح، على ضوء سياسة اليمين المتطرّف الذي ينكب على إثارة القلاقل مع مختلف الدول بمن فيهم الشركاء الأوروبيون، حيث عمدت باريس في الفترة الأخيرة على استدعاء سفراء غربيين للمساءلة أو الاستفسار بسبب مواقف بلدانهم من سياسة الرئيس ماكرون إزاء بعض القضايا، موازاة مع استمرارها في استفزازاتها حول ملف الهجرة، حيث جاء الدور هذه المرة على تونس.
لم يجد اليمين المتطرّف منفذا للتخفيف من وطأة الأزمة التي ورط نفسه فيها وأدخل البلاد في نفق مجهول، سوى بتحويل الأنظار إلى خارج حدود فرنسا، من خلال التهجّم على الشركاء الغربيين على غرار الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا التي كشفت عورات السياسة الفرنسية.
والواقع أنّ الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في معالجة قضايا السياسة الخارجية لبلاده، ما هي إلا امتداد للضغط الداخلي الذي تعيشه باريس على ضوء تنظيم احتجاجات عارمة في العاشر من شهر سبتمبر القادم، والتي سيسبقها إعلان التصويت لمنح الثقة لحكومة بايرو يوم الثامن من الشهر ذاته، في الوقت الذي تشير بعض المؤشرات إلى عدم توفّر الوزير الأول على الحظوظ والضمانات الكافية لمواصلة مهامه على رأس "ماتينيون" بسبب مواجهته لمعارضة كبيرة من قبل التشكيلات السياسية الفرنسية بمختلف أطيافها، وحتى من بعض مؤيديه الذين انقلبوا عليه.
وفي خضم الغليان الذي يشهده الشارع الفرنسي بسبب الإجراءات التقشفية التي أقرتها الحكومة، يصر الاليزيه بقيادة اليمين المتطرّف على افتعال الأزمات على غرار ماهو جار مع الجزائر التي أصبحت تستحوذ على النصيب الأكبر من أجندته، غير أن موقف بلادنا المتسم بالروية والرصانة أحجم هيستيريا باريس، التي التفتت هذه المرة إلى تونس.
فقد أصدر مرصد الهجرة والديموغرافيا التابع لليمين المتطرّف تقريرا يشير فيه إلى ارتفاع حاد في الهجرة التونسية إلى فرنسا، بل أوصى بمراجعة الاتفاقيات الفرنسية التونسية في هذا الشأن، من منطلق أن الهجرة التونسية إلى فرنسا شهدت أقوى زيادة بين جميع بلدان المغرب العربي منذ 20 عاما وأنها أسرع بمرتين من هجرة المهاجرين الجزائريين، كما اتهم تونس بضعف التعاون في استعادة مواطنيها الموجودين في وضع غير شرعي في فرنسا.
ويبدو أن اليمين المتطرّف الذي فشل في كسر ندية الجزائر، بات يبحث عن منفذ جديد يحقّق له انتصار يحفظ له ماء الوجه، على ضوء العهود التي أطلقها قبل توليه دواليب الحكم، والتي تحوّلت في الحقيقة إلى مظاهرات غاضبة بسبب الخطاب العنصري الذي يروّجه وأسفر عن أعمال عدائية باتت تهدّد النسيج الاجتماعي الفرنسي. وحتى دول الاتحاد الأوروبي لم تسلّم بدورها من إفرازات وارتجالية تسيير الإليزيه إزاء عدة قضايا على غرار الأزمة الروسية الأوكرانية والمسائل المتعلقة بمنظمة الحلف الاطلسي، ما جعل دول مثل ايطاليا تسخر من تصريحات الرئيس الفرنسي الذي دعا لإرسال جنود أوروبيين للمشاركة في الحرب، متهمة اياه بعدم تحلّيه بالنظرة الاستشرافية التي يفترض أن تحد من المزيد من تعقيدات الأوضاع.
بدورها وصفت الولايات المتحدة الأمريكية فرنسا بالدولة التي انتهت مدة صلاحيتها وما عاد منها جدوى، بل حتى أن سفيرها بباريس رفض الاستجابة لطلب استدعائه على خلفية اتهامه فرنسا بمعاداة السامية.
ويتضح جليا أن باريس التي مارست سياستها الاستعلائية على الدول الإفريقية التي طردتها شر طردة، لم تستطع التخلي عن عقدتها ما جعلها تحاول فرض رؤيتها على محيطها الإقليمي، غير أنها لم تحصد في الحقيقة سوى المزيد من الإهانات كون رؤيتها لم تعد تتماشى والمتغيرات الدولية الراهنة.