بين معارضين ومؤيدين.. "المساء" تفتح الملف وتجمع آراء المعنيين

خبايا تبرّع الجزائريين بأعضائهم

خبايا تبرّع الجزائريين بأعضائهم
  • 774
أسمـاء مـنور أسمـاء مـنور

مجازر الطرقات لوحدها "تقتل" 3 آلاف  شخص سنويا

قدسية الجسد تحول دون استحداث بنوك للأعضاء لإنقاذ حياة الآلاف

أعضاء ميت واحد كفيلة بإنقاذ حياة 9 مرضى يعانون الأمرّين

تبقى عمليات التبرع بالأعضاء في الجزائر محسوبة على أصابع اليد الواحدة إن لم نقل منعدمة، بدليل أن أول وآخر عملية لنقل أعضاء من أموات إلى أحياء تمت سنة 2010، حيث بقيت المسألة محل جدل بين مدافعين عنها بقناعة إنقاذ أناس تتوقف حياتهم على عضو شخص آخر، وبين رافضين للفكرة من أساسها بقناعة عدم المساس بحرمة الأموات مهما كانت المبررات. ورغم أن المجلس الإسلامي الأعلى، أصدر مؤخرا فتوى بجواز التبرع بالأعضاء وشجع عليها وتحديد الوكالة الوطنية لزرع الأعضاء لشروط التبرع والرفض، إلا أن الجدل مازال قائما بين عامة الجزائريين حول قضية مازالت في خانة الطابوهات .

ويتواصل الجدل حول هذه القضية الحسّاسة رغم أن الجزائر تحصي سنويا هلاك أكثر من 3 آلاف شخص في حوادث المرور لوحدها إلا أن الجزائريين لم يتمكنوا من التخلص من إشكالية قدسية الجسد، ما حال دون استحداث بنوك للأعضاء، من شأنها إنقاذ حياة آلاف الأشخاص. وتعد زراعة الأعضاء إجراء علاجيا معروفا ومعمولا به في كل بلدان العالم، إلا أنه لم يجد طريقه إلى الجزائر التي تعاني نقصا كبيرا من حيث عدد العمليات المسجلة سنويا مقارنة بالمعدلات العالمية، حيث بقي زرع الأعضاء أو الأنسجة من شخص ميت، حالات استثنائية إن لم نقل منعدمة.

بين رافضين ومؤيدين للتبرع بالأعضاء

رغم أن التبرّع بالأعضاء يساهم بشكل كبير في إنقاذ حياة العديد مَن هم في أمسّ الحاجة إليها، إلا أن الإقبال عليه، لا يزال محصورا في حالات قليلة جدا، أغلبها تخص المحيط العائلي، أما التبرع من الميت إلى الحي، فلا يزال من المحرمات لدى العائلات الجزائرية التي تصر على حرمة أجساد أبنائها، رغم أن أعضاء ميت واحد، كفيلة بإنقاذ حياة تسعة أشخاص ممن يعانون من فقدان البصر وغسل الكلى والمصابين بأمراض القلب والكبد. وتباينت آراء الجزائريين، حول هذه الإشكالية، حيث يرى البعض أن ذلك يعد صدقة جارية كونه يساهم في إنقاذ حياة الغير بينما يصر البعض الآخر على حرمة جسد الميت مهما كانت المبررات المقدمة.

ويقول عابد "42سنة" الموظف بإحدى بلديات العاصمة، أنه يرفض أن يتعرض جسده لما سماه بالتنكيل، مفضلا أن تأكل الديدان أعضاءه وألا يمسها مشرط الجراح، وقال لـ "المساء": "لن أقبل أن يشرح جسمي بعد وفاتي، وسأكتبها في وصيتي، ولذلك لن أقبل بهذه الفكرة ولن أعمل بها مهما كانت الأسباب، وأن أعضائي سيعيش بها غيري، في وقت كل شيء خلق بحساب، وعلى كل حي رزقه على الله، والأعمار بيد الله". وعلى نقيض ذلك أيدت، نسيمة البالغة من العمر48 عاما وهي مهندسة إعلام آلي، فكرة التبرع بأعضائها، حية أو ميتة، لسبب وجيه، وهو منحها أملا في الحياة كاد أن ينقطع عن شخص آخر، لكنها أبدت في ذات الوقت تخوّفها من عدم منح أعضائها لمستحقيها، أو بالأحرى ما وصفته باللجوء إلى الوساطة و«المعريفة التي تحوّلت إلى لعنة تطارد الجزائريين أينما حلوا. ولم تخف رغبتها في توثيق وصيتها قبل الوفاة، حتى لا يتدخل ذووها في مصير أعضائها قائلة: "مآلي هو التراب، ولا أرغب أن أخرج من هذه الدنيا خالية الوفاض، سأترك أعضائي صدقة جارية، على أمل أن تصل إلى مستحقيها".

 


 

محمد بغداد مدير التوثيق والإعلام بالمجلس الإسلامي لـ "المساء": "فتوى التبرع بالأعضاء اعتمدت على الحاجة المعتبرة شرعا"

أكد الدكتور محمد بغداد، مدير التوثيق والإعلام بالمجلس الإسلامي الأعلى، أن المجلس اعتمد في فتواه الأخيرة حول التبرع بالأعضاء، على المصادر الشرعية من النصوص الشرعية واجتهاد العلماء ونتائج التجارب العلمية وما تفرضه الحاجة المعتبرة شرعا. وقال في حديث أجرته معه "المساء"، إنه يجب تفعيل ثقافة التبرع بالأعضاء في الجزائر، وإعادة بعثها وفقا للمعطيات المستجدة سواء تلك المتعلقة بتطوّر البحوث الطبية، أو تلك المتعلقة بالحاجة الاجتماعية لهذه الثقافة. 

المساء: شكلت دعوة المجلس الأعلى باتجاه المواطنين للتبرع بأعضائهم نقلة نوعية في الجزائر، هل تعتقدون أنها ستأتي بنتائجها في ظل تحفظ الجزائريين وحساسيتهم من هذه القضية؟

الدكتور بغداد: التوقع المسبق بعدم نجاح المشاريع أو الحكم على ردود الأفعال واليأس من السلوكيات الإيجابية نظرة سلبية وغير محبذة في الإنسان الناجح، وقد سبق وأن وجد تفاعل إيجابي غير متوقع لمشاريع المجلس الإسلامي الأعلى مثل الصيرفة الإسلامية التي طرحت كمقترح في سنة2018، ولكنها تحوّلت إلى مشروع قائم بذاته في سنة2020، وهي اليوم تحقق المزيد من الإنجازات والخطوات التي تساهم في إنعاش الاقتصاد الوطني في انتظار استكمال ما بقى من الخطوات للوصول إلى الشمول المالي، وغيرها من المشاريع الأخرى التي تجد صداها الاجتماعي وتجلب يوميا التفاعل النوعي على غرار مشروع الصلح والوساطة، ومن هنا فإن تجربة المجلس الإسلامي الأعلى، تؤكد ضرورة إطلاق المشاريع الكبرى التي تحقق المصلحة العليا للمجتمع وتراعي مقاصد الشريعة الإسلامية، وتتوخى توفير الإجواء والآليات التي تسهل حياة الناس، وتخفف من معاناتهم وتفتح لهم الآفاق الواسعة للحياة.

والمجلس الإسلامي الأعلى يراهن دائما على كوامن الخير والصلاح في نفسية الإنسان الجزائري، ورغبة المجتمع في التجاوب مع مشاريع الخير التي تساهم في الرفع من مستويات النفع العام، خاصة وأن منهجية العمل تعتمد على التعاون والتنسيق من مؤسسات الدولة وهيئات المجتمع المدني وما تساهم به النخب من أفكار واقتراحات.

ألا تعتقدون أن النداء جاء متأخرا بعض الشيء إذا قارنا ذلك بما حققته دول عربية في هذا الجال؟

❊❊ لقد حقق الاجتهاد الفقهي الجزائري عبر التاريخ سبقا كبيرا في سياق المنظومة الاجتهادية الإسلامية، وفي أبرز القضايا التي تحقق المقاصد الشرعية لجميع المسلمين وهي الاجتهادات المعروفة والبارزة، وفيما يتعلق بموضوع جواز التبرع بالأعضاء لإنقاذ النفس، فقد سبق للمجلس الإسلامي الأعلى أن تناوله في اجتهاداته بداية سنة2000، وعقد لأجل ذلك ندوات ولقاءات شارك فيها الفقهاء والعلماء وأطباء مختصون وأصدر عديد التوصيات والتوجيهات، إلا أن الظروف الحالية ونظرا لتراخي وخمود ثقافة التبرع في هذا المجال، فإنه طبقا لما ورد في القرآن الكريم في سورة الذاريات: وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وما ظهر من الحاجة إلى ضرورة بعث هذا الموضوع وواجب القيام بتفعيل هذه الثقافة، يحتم القيام بإعادة بعثه وتفعيله، وفق مستجدات التطوّر التكنولوجي العلمي والبحوث الطبية إلى جانب المتعلقة، الحاجة الاجتماعية الملحة لتعميم هذه الثقافة، التي أصبح المجتمع في حاجة إليها.

ما هي المبررات الشرعية التي اعتمد عليها المجلس في إصدار دعوته للتبرع؟

❊❊ لقد اعتمد المجلس الإسلامي الأعلى، على المصادر الشرعية من نصوص واجتهادات العلماء ونتائج التجارب العلمية وما تفرضه الحاجة المعتبرة شرعا، وقد تضمن بيان المجلس الإسلامي الأعلى الذي جاء بعنوان مشروعية استفادة المرضى الأحياء من أعضاء المتوفين التبرع بالأعضاء بعد الوفاة لإنقاذ أناس لهم أمل في الحياة، التفاصيل المتعلقة بالموضوع وسينظم المجلس ندوة وطنية، لعرض هذه التفاصيل وبيان المشروعية وإظهار الحاجة، بمشاركة علماء وفقهاء ومؤسسات الدولة المعنية وهيئات المجتمع المدني وأطباء ومختصين وقانونيين وإعلاميين، على اعتبار أن الموضوع يكتسى صبغة وطنية تهم المجتمع برمته، وأن نجاحه يقع على عاتق الجميع ويبقى هدفه النهائي خدمة المنفعة العامة.

هل الدعوة جاءت بالتنسيق مع وزارة الصحة وخاصة الوكالة الوطنية للتبرع بالأعضاء؟.

❊❊ يعتمد المجلس الإسلامي الأعلى على منهجية التعاون والتنسيق والعمل المشترك مع هيئات ومؤسسات الدولة، ويسعى إلى إشراك العلماء والمثقفين والإعلاميين في مختلف الورشات والملفات التي يشتغل عليها وذلك من خلال إشراك الجميع في النقاش والحوار، فيما يتعلق بالقضايا الكبرى التي تشغل بال الرأي العام وتهم المجتمع الجزائري، وهي المنهجية التي اعتمدها المجلس في الملفات السابقة مثل (ملف الهجرة غير الشرعية وملف الصيرفة الإسلامية وملف ارتفاع الخلع والطلاق وغيرها من المشاريع الكبرى التي اشتغل عليها)، وعندما يصل الأمر إلى الصياغة النهائية للمشروع، الذي يتم في مداولات دورات المجلس عبر اجتهاد السادة العلماء أعضاء المجلس، تكون تلك النتيجة خلاصة اجتهاد جماعي مبني على المعطيات الواقعية، والأدلة الشرعية والإحصائيات الميدانية مع مراعاة المصلحة العليا للمجتمع، وهو الاجتهاد الذي يراعي المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية.

تم تسجيل تأخر في الرد على التماس وزارة الصحة المقدّم منذ سنوات حول موضوع التبرع، هل ذلك مرده إلى مخاوف من عدم تقبل المواطنين للفكرة؟.

❊❊ الإسراع في إصدار الأحكام ليس ضروريا وخاصة إذا تعلق الأمر بسلوكيات ومواقف الناس، ومن هنا فإن المطلوب هو القيام بالواجبات التي تقتضي التنبيه إلى ما يخدم الصالح العام، من خلال حملات النقاش والحوار والإقناع ونشر الوعي بين فئات المجتمع ليس بالضرورة في موضوع (التبرع بالأعضاء من أجل إنقاذ المهددين بالخطر)، ولكن في كل مجالات الحياة، خاصة وأن الثورة الاتصالية والتأثير المتزايد لوسائل الإعلام والتوجه الجديد لمفهوم المجتمع المدني والهيئات والأطراف الفاعلة فيه وغيرها من المعطيات، تجعل التوجه نحو صناعة الخير وبناء مشاريع الصالح العام، من أهم واجبات الأفراد والمؤسسات، في إطار تعاوني، تفاعلي اجتماعي عام، تكون نتائجه في النهاية الوصول إلى تحقيق القيمة المضافة التاريخية للمجتمع.

 


 

للتسجيل في سجل الرفض الوطني للتبرع.. اشتراط الجنسية الجزائرية وبلوغ سن 19 سنة

منح الأولوية للآباء والأمهات للترخيص بنزع أعضاء أبنائهم المتوفين

  إلزامية تقديم بطاقة هوية للحصول على رقم التعريف الوطني الخاص

يقول الدكتور، رابح بولتيفات، المكلف بالإعلام بالوكالة الوطنية لزرع الأعضاء، عن وضع بوابة إلكترونية وطنية لـ"الرفض" يتعين على المواطنين الولوج إليها لتأكيد رفضهم التبرع بأعضائهم بعد وفاتهم. وأضاف في تصريح لـ«المساء، أنه لا يمكن نزع أعضاء أو أنسجة بشرية لأشخاص متوفين، بغرض إعادة زراعة أعضائهم إلا بعد معاينة طبية شرعية للوفاة وفقا لمعايير علمية يحدّدها الوزير المكلف بالصحة، حيث يمكن في هذه الحالة القيام بالنزع إذا لم يعبر الشخص المتوفى عن رفضه لنزع أعضائه وهو على قيد الحياة. وأوضح، بولتيفات، أن التعبير عن هذا الرفض يتم بشتى الوسائل، وخاصة تسجيل كل مواطن نفسه في سجل الرفض الذي تتولى الوكالة الوطنية لزرع الأعضاء، تسييره.

ويتعين على كل فريق طبي قبل مباشرة عملية نزع أعضاء المتوفين، الاطلاع على سجل الرفض للتحقق من ما إذا كان المتوفى، قد سجل نفسه في هذا السجل حيث تتم استشارة أفراد عائلته حسب ترتيب الأولوية من الأب أو الأم أو الزوج أو الأبناء أو الإخوة أو الأخوات أو الممثل الشرعي إذا كان المتوفى من دون أسرة، قصد معرفة موقفه من التبرع بالأعضاء، على أن يتم إعلام أفراد أسرته البالغين بعمليات النزع التي تم القيام بها. وأضاف أن التسجيل في السجل، يتم بطريقة إلكترونية، ضمن خدمة مضمونة على المنصة الإلكترونية المخصّصة لتدوين البيانات الشخصية، التي تحدد هوية الشخص الراغب في التسجيل. ويترتب عن هذه العملية أثر قانوني، يقضي بمنع المصالح الطبية القيام بعملية، نزع أعضاء كل شخص مسجل بصفة مؤكدة ضمن السجل الوطني للرفض. وأكد الدكتور بولتيفات، أن القانون 18-11 المؤرخ في 2 جويلية 2018، يسمح للأشخاص الذين يعارضون التبرع بأعضائهم أو أنسجتهم بعد الوفاة، بإمكانهم إدراج أنفسهم في السجل الوطني للرفض، الذي تحتفظ به الوكالة الوطنية لزرع الأعضاء، وهو ما يساعد مراكز زراعة الأعضاء المعتمدة من معرفة موقف الشخص المتوفي من مسألة التبرع.

وقال إن التسجيل، متاح لكل شخص يحمل الجنسية الجزائرية وسنه يعادل أو يفوق 19 سنة، مع إرفاق المعلومات الشخصية الخاصة بالمتبرع بنسخة واضحة من بطاقة هويته الوطنية سواء أكانت بطاقة تعريف بيومترية أو جواز سفر أو رخصة سياقة بيومترية، بالإضافة إلى الحصول على رقم التعريف الوطني الخاص. وقال بوجود خيارين، وهو إذا أراد الشخص المسجّل تعديل بياناته السابقة، يمكنه القيام بعملية تعديل المعلومات الشخصية التي يتوجب التصريح بها عند حدوث أي تغيير، وهي خدمة متاحة عبر البوابة الإلكترونية، بما يحتم أخذ المعطيات الجديدة بعين الاعتبار، بعد إثبات عملية التعديل بصفة مؤكدة بعد الاطلاع على المعلومات التي تم تحديثها على مستوى البوابة الإلكترونية الوطنية للرفض. أما في حال رغب الشخص المسجل التراجع عن قراره، فيمكنه القيام بعملية إلغاء تسجيله بما يؤدي إلى زوال الأثر القانوني، بعد التأكد من قرار الإلغاء النهائي لعملية التسجيل وحذف البيانات التي تحدّد هوية المسجل ضمن السجل الوطني للرفض.

وشدّد القول على إن هوية المتبرعين، تبقى سرية، وفقا لكيفيات الاستفادة من الأعضاء المتبرع بها وخاصة الذين توفوا دماغيا، لتفادي أي مشاكل أو مساومة أهل المتبرع من أجل الحصول على مقابل مادي من عائلة الشخص المستفيد. وقال بخصوص نزع الأجهزة الطبية عن المتوفين دماغيا، إلا إذا كان مخطط رسم دماغ المتوفي منعدما وتأكيد الوفاة، يتم عبر إخضاع خلايا المخ للتصوير بالأشعة المقطعية، التي تؤكد أن الدم لم يعد يصلها، وبالتالي إثبات أن الشخص لا يمكنه العيش دون أجهزة، وفي هذه الحالة يتعين الحصول على موافقة عائلة المتوفى، قبل إجراء عملية التبرع على أن يتم الإبقاء على سير الأجهزة الطبية لمواصلة إنعاش الأعضاء لتفادي تلفها وتحضيرا لعملية نزعها، أما في حال الرفض فيتم نزعها مباشرة.