ينّاير.. الاحتفاء بما يجمعنا
- 470
المهنـدس خـير الديـن قروش
ظل يناير، أو “أمنزو ن يناير”، مُدرجا لفترة طويلة ضمن سجل الممارسات الشعبية المحلية، غير أنه اكتسب، خلال العقود الأخيرة، مكانة مركزية في النقاشين الثقافي والتاريخي في الجزائر. ويُعد هذا العيد الفلاحي تقليدا متجذرا في المجتمعات الأمازيغية، إذ يرمز تقليديا إلى الدخول في دورة زراعية جديدة، في مرحلة دقيقة من السنة، تتقاطع فيها هشاشة الأوضاع المناخية، وإدارة المخزونات الغذائية، وتطلع الجماعة إلى التجدد. وقد أسهمت العادات المنزلية والجماعية المرتبطة به، في ضمان استمرارية الاحتفاء بيناير وانتقاله عبر الزمن الطويل.
أدى إضفاء الطابع الرسمي على يناير، باعتباره عيدا وطنيا وعطلة مدفوعة الأجر، إلى تحول جوهري في مكانته الرمزية؛ فبعد أن كان ممارسة شعبية تقوم أساسا على الشفوية والتنوع الجهوي، أصبح عنصرا من عناصر التراث الوطني المُؤطَّر مؤسسيا. وينطلق هذا المقال، من منظور ثقافي وتراثي، عبر محاولة فهم العوامل التي جعلت من يناير اليوم، رمزا جامعا يتجاوز الانتماءات المحلية والجهوية.
يناير بوصفه عيدا فلاحيا
يندرج يناير ضمن النسق الثقافي للمجتمعات الأمازيغية، بوصفه عيدا فلاحيا، يرتبط ارتباطا وثيقا بدورة الأرض وظروف العيش في الوسط الريفي. وقبل أن يُحمَّل بدلالات هوياتية معاصرة، شكل مرجعا زمنيا أساسيا لتنظيم السنة الزراعية، لاسيما في قلب فصل الشتاء، وهي فترة تتسم بالاستنزاف التدريجي للمخزونات المتأتية من المحاصيل السابقة، في مقابل عدم اليقين بشأن الإنتاجات القادمة.
تقوم الدلالة الفلاحية ليناير، على تصور دوري للزمن، وهو تصور سائد في المجتمعات الزراعية، حيث لا يُفهم الزمن بوصفه مجرد تعاقب كرونولوجي، بل باعتباره تجربة معيشة مرتبطة مباشرة بالعمل في الأرض وبالإكراهات البيئية. وفي هذا السياق، لا يحتفي يناير بوفرة محققة أو بازدهار مضمون، بل بأمل التجدد المشروط بالحذر، وحسن التدبير، واحترام الإيقاعات الطبيعية.
وتعكس العادات المصاحبة ليناير، انشغالا جماعيا مشتركا، يتمثل في تحقيق “البداية الحسنة” للسنة، تفاديا لتعريض مجمل الدورة الزراعية للخطر. كما تضمن المشاركة الفاعلة للأطفال في هذه العادات، انتقال المعارف والقيم المرتبطة بالأرض وبمبادئ التكافل بين الأجيال.
أما الوجبة العاداتية المعروفة بـ«إمنسي يناير”، والتي يُختزل معناها أحيانا في بعدها الاحتفالي، فتؤدي في الواقع وظيفة اجتماعية أساسية، إذ تُؤطِّر الاستهلاك ضمن قواعد واضحة للتقاسم. ولا تعبر الوفرة المعروضة مؤقتا عن تبذير، بل تحمل دلالة رمزية، تهدف إلى درء قلق الندرة وإعادة تأكيد تماسك الجماعة.
وعليه، يظهر يناير بوصفه مؤسسة فلاحية قائمة على الخبرة الجماعية، والتكيف المستمر مع الإكراهات البيئية. ولا تعود استمراريته إلى تقنين مكتوب أو إلى سلطة مركزية، بل إلى وجاهته الاجتماعية داخل مجتمعات، تُحدِّد فيها العلاقة بالطبيعة شروط البقاء. وبهذا المعنى، شكل يناير قاعدة التحمت بها لاحقا قراءات هوياتية وتراثية وسياسية حديثة، دون أن تُلغي وظيفته الأصلية.
ممارسة العادات في احتفالات يناير
تُشكل ممارسة العادات المرتبطة بيناير منظومة متكاملة، تستدعي الغذاء، والفضاء المنزلي، وشبكة العلاقات الاجتماعية. وهي، بعيدا عن كونها فولكلورا ثابتا، تندرج ضمن منطق وظيفي خاص بالمجتمعات الأمازيغية، حيث تلعب العادات دورا محوريا في تنظيم الحياة المادية والرمزية.
تحتل الوجبة المعتادة المعروفة بعشاء يناير أو “إمنسي يناير”، مكانة محورية في هذا الاحتفال، وغالبا ما تُقام في إطار عائلي جماعي. تحضر من خيرات الأرض، وتتكون من أغذية مستمدة من المخزونات الفلاحية، مثل الحبوب والبقول الجافة، وأحيانًا اللحم أو الدواجن، ويكتسب تنوعها دلالة رمزية قوية، حيث يقضي التقليد بتناول الطعام إلى حد الشبع، تفاؤلًا بدفع الجوع على مدار السنة المقبلة، في تعبير رمزي عن تجاوز الخوف من الندرة، واستحضار أمل الخصوبة والرخاء. كما يُسهم تقاسم الطعام في تعزيز التماسك الاجتماعي والتخفيف من حدة الفوارق الظاهرة، مذكرا بأن البقاء رهين بالجماعة.
وتُضاف إلى هذه الممارسات الغذائية عادات التضحية والحماية، وغالبا ما تُمارَس داخل الفضاء المنزلي. فإراقة دم طائر، على سبيل المثال، تهدف إلى اتقاء الشؤم، القحط أو الإخفاق الزراعي، وتندرج ضمن نظام رمزي يقوم على العطاء والمقابلة، حيث يُنظر إلى تقديم جزء من الثروة الحاضرة بوصفه استثمارا في استمرارية الدورة الحيوية.
كما تُعد عادات التطهير والتجديد المنزلية عنصرا أساسيا في احتفالات يناير؛ إذ يعكس تنظيف البيت وتجديد الموقد أو الأدوات فكرة، مفادها أن تجدد الزمن يستلزم تجدد الفضاء. ويُنظر إلى البيت بوصفه امتدادا للحقل: فكما تُهيَّأ الأرض قبل البذر، ينبغي تطهير الفضاء المنزلي لاستقبال الدورة الجديدة.
ويؤدي يناير دورا محوريا في نقل المعارف بين الأجيال، حيث يحتل الأطفال موقعا مركزيا في العادات، سواء عبر الإيماءات الرمزية أو من خلال السرديات المتداولة خلال سهرات ليلة يناير (تامغارت/ العجوز). وتُتيح هذه المشاركة تعلما ضمنيا للمعايير الاجتماعية، وقيم التقاسم، والمعارف المرتبطة بالأرض وتعاقب الفصول.
بذلك، فإن ممارسة العادات الخاصة بيناير لا تختزل في مظاهر احتفالية سطحية، بل هي وظائف متكاملة، تتمثل في تنظيم تعاقب الزمن، وتأمين المستقبل الزراعي رمزيا، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وضمان إعادة إنتاج المعارف والقيم. ويُفسر هذا الترابط الوثيق بين العادة والنقل الثقافي استمرارية يناير وحيويته، بما يتجاوز القراءات المعاصرة الظرفية.
يناير والتقويم اليولياني: مسار تهجين ثقافي
يتطلب تحليل أصول يناير، التمييز بين مستويين مختلفين تاريخيا: من ناحية، المحدِّدات الموسمية والفلاحية السابقة، ومن ناحية أخرى، الاندماج التدريجي لهذه الممارسات ضمن إطار التقويم اليولياني، الذي اعتُمد لما يوفره من استقرار نسبي في ضبط الزمن. ويساعد هذا التمييز على تفادي الخلط الشائع بين قِدم العادات من جهة، ووجود التقويم اليولياني كنظام رسمي لقياس الزمن، من جهة أخرى.
وقد أثر إدماج شمال إفريقيا في المجال الروماني القديم على طرائق قياس الزمن، فالتقويم اليولياني، الذي أُصلح سنة 46 قبل الميلاد، انتشر تدريجيا في الأوساط الريفية، لكونه تقويما شمسيا يضمن انتظاما نسبيا للفصول. وقد لبى اعتماده من قِبل السكان المحليين احتياجات عملية، تتعلق بضبط مواقيت الحرث والبذر والحصاد، في سياق يتوقف فيه النجاح الزراعي على احترام الإيقاع الطبيعي للزمن.
وعليه، يوافق يناير الشهر الأول من التقويم اليولياني “يانواريوس”، الذي خضع لتكيف لغوي في اللهجات المحلية. ويُفسَّر الفرق القائم اليوم، بين يناير والأول من جانفي في التقويم الغريغوري، باستمرار استعمال التقويم اليولياني في الأوساط الأمازيغية لفترة طويلة، بعد اعتماد التقويم الغريغوري رسميًا سنة 1582. فالأول من يناير اليولياني يوافق الثاني عشر أو الثالث عشر من جانفي الغريغوري، وهو ما يفسر اختلاف التواريخ المعتمدة للاحتفال بيناير. وتعكس هذه الاختلافات (12 أو 13 أو أحيانا 14 يناير) المرونة المتأصلة في التقاليد الشفوية، إذ لم يُنظر إلى يناير، لفترة طويلة، بوصفه تاريخا محددا بدقة، بل كفترة، تمتد أحيانا لعدة أيام، وفق الخصوصيات المحلية.
ويُبرز التفاعل بين الممارسات الفلاحية القديمة والتقويم اليولياني مسارا واضحا من التهجين الثقافي، حيث جرى تملك أداة تقويمية ذات أصل روماني، وإعادة تأويلها باستمرار داخل المجتمعات الأمازيغية. وتكمن قيمة يناير، في هذا السياق، لا في قِدم تقويم مُثبَت تاريخيا، بل في الاستعمال الاجتماعي للزمن، وتجذره العميق في التجربة الجماعية المرتبطة بالأرض.
يناير والتقويم الأمازيغي الحديث: جدل الذاكرة والتاريخ
تُعد مسألة التقويم الأمازيغي الحديث، واحدة من أكثر النقاط إثارة للنقاش في التحليل المعاصر لعيد يناير. ولا ينصب هذا الجدل إلى وجود العيد في حد ذاته، إذ إن حضوره راسخ في الذاكرة الجماعية، بوصفه ممارسة فلاحية قديمة، بقدر ما يتعلق بالبناء الحديث لنظام تقويمي يُقدم على أنه وريث لتقليد أمازيغي قديم. وتكمن الإشكالية هنا في أبعادها التاريخية والرمزية في آنٍ واحد، لأنها تربط بين البحث العلمي والذاكرة الجماعية وإضفاء الشرعية على الهوية.
وقد تم وضع التقويم الأمازيغي الحديث في سياق نضالي، اتسم بالرغبة في إعطاء الهوية الأمازيغية مرجعا زمنيا. وغالبا ما يُنسب هذا المشروع إلى مبادرات الأكاديمية البربرية، التي نشطت في باريس بين ستينيات وثمانينيات القرن العشرين. ويستند اختيار عام 950 قبل الميلاد كـ«سنة الصفر” في هذا التقويم، إلى اعتلاء شيشنق الأول، الفرعون الليبي الأصل، عرش مصر. وقد جرى استحضار هذه الشخصية التاريخية، المثبتة في المصادر المصرية القديمة، بوصفها رمزا لحضور أمازيغي في قلب إحدى الحضارات الكبرى في العالم القديم.
غير أن التحليل العلمي المتأني يكشف عن حدود واضحة لهذا البناء الزمني. فأولا، يظل هذا التأريخ غير يقيني، إذ تشير المصادر المصرية والمعطيات الأثرية، إلى أن بداية حكم شيشنق الأول تعود على الأرجح إلى الفترة ما بين 943 و922 قبل الميلاد، ما يجعل اعتماد سنة 950 مجرد تقريب اصطلاحي لا يقوم على إجماع علمي.
ثانيا، يبقى هذا الحدث خارجيا عن التاريخ الأمازيغي بالمعنى الدقيق، لأن شيشنق الأول تولى الحكم بصفته فرعونا لمصر، ضمن إطار سياسي ومؤسسي مصري، ورغم أصوله الليبية، لا يُعد ذلك لحظة تحول بنيوية في تاريخ المجتمعات الأمازيغية بشمال إفريقيا. وأخيرا، فإن هذا الاختيار، وإن هدف إلى إبراز عمق تاريخي رمزي، ينطوي على توظيف هوياتي للتاريخ، وهو ما تؤكده حداثة بنية التقويم الأمازيغي نفسه، لاعتماده إلى حد كبير على التقويم الغريغوري.
وجاء الاعتراف الرسمي بعيد يناير من قِبل الدولة الجزائرية دون اعتماد التقويم الأمازيغي الحديث، ولا التأريخ القائم على تولي شيشنق الأول العرش. ولا يُشكك الاعتراف بالطبيعة المُصطنعة لهذا المؤشر الزمني بأي حال من الأحوال في الشرعية الثقافية لعيد يناير، باعتباره احتفالا متجذرا بعمق في الممارسات الاجتماعية والذاكرة الجماعية. فمن خلال ترقية يناير إلى مرتبة العيد الوطني، عززت الدولة حضوره الرمزي وكرسته تقليدا مشتركا واسع الانتشار. وتندرج هذه الخطوة ضمن مسار إضفاء الشرعية الثقافية والاجتماعية، المرتبط برهانات معاصرة تتعلق بالهوية والوحدة الوطنية.
يناير: مرجع هوياتي جامع
يُشكل إضفاء الطابع المؤسسي على الاحتفال بيناير، في ديسمبر 2017، باعتباره عيدا وطنيا وعطلة مدفوعة الأجر، مرحلة مفصلية في المعالجة الرسمية للمسائل الثقافية والهوياتية للدولة. فقد أتاح هذا الاعتراف انتقال هذه الممارسة، التي ظلت طويلا محصورة في الفضاءات المجتمعية المحلية، إلى مستوى رمزي وطني جديد، بما غير عمق دلالتها. وتندرج هذه الخطوة ضمن مسار أوسع للاعتراف بالمكون الأمازيغي بوصفه أحد مرتكزات الهوية الوطنية، بدأ بالإقرار الدستوري لـ “تمازيغت” كلغة وطنية، ثم ترقيتها لاحقا إلى لغة رسمية.
ويُقدَّم يناير اليوم كتراث مشترك بين جميع الجزائريين، متجاوزا الانتماءات اللغوية والجهوية، وعنصرا فاعلا في تعزيز التماسك الاجتماعي. وتدل مظاهر انتشاره المعاصرة، سواء في الفضاءات الحضرية أو داخل الجاليات الجزائرية في المهجر، على قدرته في التكيف مع سياقات اجتماعية متنوعة، مع الحفاظ على قاعدة مشتركة. وتُفسِّر هذه الديناميكية، إلى حد بعيد، ارتقاءه الحديث إلى مرتبة رمز وطني جامع.
وتكمن إحدى السمات الجوهرية ليناير في قدرته على الجمع بين التنوع والوحدة؛ إذ تختلف أنماط الاحتفال به باختلاف المناطق، والأوساط الاجتماعية، والمسارات العائلية، سواء من حيث العادات أو الممارسات أو السرديات المتداولة. غير أن هذا التعدد لا يمس بوحدة العيد، التي تقوم على ثوابت رمزية مشتركة، حيث تتأسس الوحدة هنا على المعنى الاجتماعي والثقافي المنسوب إلى الاحتفال، لا على توحيد مظاهره التعبيرية.
يُجسد يناير بشكل مثالي مبدأ “الوحدة في التنوع”. وتكمن قوته الرمزية في قدرته على التوفيق بين الموروث الثقافي، والذاكرة الجماعية، والرهانات المعاصرة، مما يجعله فضاء ديناميكيا حيا للتفاوض الهوياتي داخل المجتمع الجزائري. وبهذا المعنى، يصبح يناير كاشفا للطرق التي تُدمج بها الدولة الجزائرية التعددية الثقافية في بناء سردية وطنية مشتركة.
ونتيجة لذلك، أصبح يناير موضوعا لبحوث متعددة التخصصات، تستند إلى الأنثروبولوجيا والتاريخ وعلم الاجتماع والعلوم السياسية. وتعكس هذه العناية الأكاديمية، الاهتمام المتزايد بالاستخدامات الاجتماعية للماضي، والآليات التي يتم من خلالها إعادة تفسير التقاليد في الحاضر. وبدلا من أن تُقلل هذه النقاشات من مكانة العيد، فإنها تُسهم في إبراز غناه وثرائه.
وهكذا تكشف مقاربة يناير عن تعدد مستويات هذه الممارسة الاحتفالية، بما لا يسمح باختزالها في مجرد بقايا فولكلورية، ولا في مجرد بناء حديث لتقويم رمزي. فحتى وإن كانت القراءة التاريخية تثير تساؤلات مشروعة حول وضع التقويم الحديث، فإن ذلك لا يمكن أن يبطل القيمة الثقافية والتراثية لهذا العيد، ولا يطعن في مكانته ضمن الرصيد الرمزي الوطني.
لقد منح الاعتراف الرسمي بعيد يناير من قبل الدولة الجزائرية، هذا العيد مكانة غير مسبوقة. كما أن قدرته على تجاوز الانقسامات الجهوية واللغوية يجعله اليوم، رمزا جامعا لوحدة قوامها التنوع. وتُذكرنا دراسته، في نهاية المطاف، بأن التقاليد ليست موروثا جامدا، بل ممارسات اجتماعية حية، تعيد إنتاج نفسها باستمرار، تعكس طبيعة العلاقة التي تربط المجتمع بماضيه وحاضره وتطلعاته الجماعية.
أسقاس أمقاس... كل عام والأمة الجزائرية بخير.
❊ مهندس معماري، أستاذ جامعي.
المدرسة متعددة العلوم للهندسة المعمارية والعمران