"يناير" ... مرجع الهوية المشتركة وعنصر الذاكرة الشعبية
❊س. زميحي /❊رشيدة بلال /❊رضوان.ق/❊ع.بزاعي ❊س. زميحي /❊رشيدة بلال /❊رضوان.ق/❊ع.بزاعي

ممارسات أنتروبولوجية لاستقبال "تابورث أوسقاس"

"يناير" ... مرجع الهوية المشتركة وعنصر الذاكرة الشعبية

أجمع الجامعيون والباحثون والمثقفون على أن "يناير" يعتبر بابا مفتوحا على العام الجديد "تابورث أوسقاس"، وأن السنة الأمازيغية تُعتبر أحد القواسم المشتركة بين كل الجزائريين لتقوية تاريخنا وثقافتنا، وهو مرجع الهوية التي تجمع الشعب الواحد وعنصر التراث الغني للذاكرة الشعبية، كما أنه عادة، يتم إحياؤها في إطار روح المشاركة والتضامن والتعاون والكثير من الفرح.

"المساء"، في حديثها مع مجموعة من أستاذة جامعة "مولود معمري"، وكتاب وباحثين، أجمعت شهاداتهم على أن الاعتراف بـ«يناير" كعيد وطني مسجل ضمن رزنامة الأعياد الوطنية، يعتبر أمرا هاما جدا ولحظة تاريخية وأساسية، فهو تأكيد الاعتراف بالرموز الهامة للمجتمع والشعب الجزائري، خاصة أن "يناير" موجود منذ زمن قديم، ويتم إحياؤه في عدة ولايات الوطن، منها تلمسان، وهران، العاصمة، قسنطينة، الصحراء، بجاية، تيزي وزو وغيرها، التي تحتفل بنهاية سنة وبداية أخرى، وهو ما يؤكد تحكم المجتمع في دورة الوقت، وفقا لمعارف وخبرة تم إدراجها ضمن إطار وطني معترف بها، على اعتبار أن اعتراف الدولة بممارسات أنتروبولوجية واجتماعية للشعب، يعد حجرا إضافيا لهذا التكافل والتناسق الاجتماعي وإرادة العيش والبناء معا، والذي يجب إحياؤه والاحتفال به في جو من الفرح والبهجة والسلم والهدوء الاجتماعي.

عزالدين كنزي باحث وأستاذ الأنتروبولوجيا بجامعة تيزي وزويناير معيار هوياتي يجب تثمينه والحفاظ عليه

أكد أستاذ الأنتروبولوجيا بكلية اللغة والثقافة الأمازيغية بجامعة تيزي وزو، عز الدين كنزي، الباحث المشارك في مركز البحث في الأنتربولوجيا الاجتماعية والثقافية بوهران، أن إحياء "يناير" بطريقة تقليدية أو عصرية، يساعد على ترقية والحفاظ على هذا الطقس، على اعتبار أنه تراث يجب تثمينه وحمايته من النسيان، وتجاوز إطاره المحلي، مؤكدا أن إحياء "يناير" تجديد للنظام والتذكير بأنه موجود وسيظل موجودا، يجب الحفاظ عليه وتثمينه، لاسيما أن هناك وعي بأن "يناير" معيار هوياتي.

أعقب أن "يناير" تجديد اجتماعي، حيث يجدد العلاقات ويبرز روح الجماعة وأن المجتمع متساو، فالكل يتناول نفس الطبق المعد من الكسكس والبقول الجافة ولحم الدجاج، موضحا أن "يناير" يخلق تضامنا وتناسقا اجتماعيا، مضيفا أنه طقوس المرور من مرحلة إلى أخرى بتجديد العادات والتقاليد، للتأكيد على ضمان استمرارها ومنع زوالها واندثارها، هو ما جعل الحدث راسخا في المجتمع .

ذكر كنزي أن هناك معنيين لـ«يناير"؛ أولهما أنه في منطقة القبائل يعني "تيبورا أوسغاس"، بمعنى أبواب السنة، كما أن هناك مرجع تاريخي وآخر أنتروبولوجي ثقافي وهوياتي، ففي الجانب التاريخي يعد مرجعا  وجد من طرف المناضلين في الأكاديمية الأمازيغية التي أسسها الراحل محند اعراب بسعود، والتي وضعت معيار انتصار "ششناق" على رمسس "2" بمصر، "وابتداء من هنا، بدأ العام الجديد الأمازيغي وبقي على ذلك بالنسبة للعنصر الأمازيغي، القبائل، التوارق، بني مزاب، وبالنسبة لأمازيغ المغرب، تونس، وكل شمال إفريقيا "مرجعا تاريخيا"، مضيفا أن المجتمع يؤمن بهذا الحدث التاريخي الذي انطلاقا منه، بدأت الرزنامة الأمازيغية، والذي يتجسد في التفكير الذي يسود المجتمع، في الكتابات والرزنامات ومعتقدات أفراده.

بوابة العبور وأمل في عام أفضل

فيما يخص المجال الأنتربولوجي الثقافي والهوياتي، يقول المتحدث، بأن "يناير" هو البوابة التي يدخل منها الأمازيغ العام الجديد المرتبط بالمجتمعات الفلاحية، حيث كان الحساب مرتبطا بالنشاط الفلاحي "رزنامة زراعية"، إذ أن كل فصل يصاحب نشاطا معينا، لتكون هناك مرحلة "عبور" من مرحلة لأخرى، والاحتفال بإحياء طقوس مختلفة تأتي من المعتقدات السائدة، وكذا الممارسات، وأيضا "كيف يمثلون هذا التاريخ"، بمعنى "أن يناير هو طقوس المرور"، أي التغيرات السنوية التي تطبع نهاية سنة وبداية سنة أخرى.

مرافقة الجامعة والبحث في الجوانب العلمية

بخصوص دور الجامعة، قال إنه يتمحور في البحث، كذلك الشرح علميا وسوسيولوجيا وتاريخيا وأنتروبولوجيا. ما هو رمز "يناير"؟ ولماذا يحتفل به المجتمع الأمازيغي؟ وما هو التنوع من مجتمع لآخر؟ خاصة أن "يناير" له "بعد شمال إفريقي، وهو معيار الهوية الأمازيغية، يحكي ويروي كيف يحتفل المجتمع برأس السنة، إما بطريقة تقليدية كأحد الطقوس، أو بطريقة عصرية، مع إقحام الحركة الجمعوية نفسها في مجال الإحياء والاحتفال". مضيفا أن جامعة تيزي وزو شجعت البحوث في هذا المجال، إذ أن هناك شهادات تخرج حول هذا الموضوع.

أعقب أن الحركة الجمعوية أخذت تهتم بالاحتفال بـ«يناير"، من خلال وضعها لبرامج ونشاطات، خاصة بعد الاعتراف بالأمازيغية كلغة رسمية ووطنية، وعطلة مدفوعة الأجر، حيث تحتفل كل منطقة بطريقتها، وتنوعت بذلك النشاطات وطرق الاحتفال، كتنظيم معارض، إعداد مأكولات، ومحاضرات، موضحا أن الاعتراف الرسمي، يؤكد أن الشعب الجزائري له نفس العادات ونفس المرجع أو المعيار الذي يوحده، مذكرا بأن الاحتفال بـ«يناير" كان موجودا منذ القديم، مثل ما هو عليه الحال بوهران، الجنوب، بني سنوس وغيرهم، قبل الاعتراف بالأمازيغية كلغة وطنية وعطلة مدفوعة الأجر. كما أن الاعتراف الاجتماعي المجسد في التلاحم والتضامن والوحدة الوطنية، كان أصلا موجودا في الثقافة الأمازيغية وعمق المجتمع، والاحتفالات بهذا الحدث خلقت التنوع، لكن الهدف مشترك "إحياء رأس السنة".

البروفسورة حسينة، خردوسي شكرون رئيسة كلية الثقافة واللغة الأمازيغيةيناير... عنصر من حياتنا وشخصيتنا

ترى البروفسورة حسينة خردوسي شكرون، رئيسة كلية الثقافة واللغة الأمازيغية بجامعة تيزي وزو، أن "يناير" سنة جديدة، طغى عليها الجانب الاقتصادي بالنظر إلى الرزنامة الأمازيغية، كما أن له مفهوم "الرمز" لأنه يشكل عنصرا من حياتنا، شخصيتنا، هويتنا، ويحدد تاريخ الأمازيغ، موضحة أن الاحتفال بهذا التاريخ يكون شهرا قبل الحدث عند البعض، وأسبوعا عند البعض الآخر.

أعقبت بالقول، إن هذا التاريخ يحمل دلالات ومعان، منها "التطهير والتنظيف"، الذي لا يتوقف على المنزل وما يحتويه، لكن أيضا تنظيف الروح والذهن. هناك مبدأ" النية" التي توضع في كل الأمور لاستقبال العام الجديد الذي يبدأ مع 12 يناير، والطموح إلى تحقيق الغلة والوفرة في المنتوج والمحاصيل الرزاعية.

"ثقافة معاشة" عادت بقوة

أوضحت المتحدثة أنه رغم الحداثة والعصرنة، إلا أن الاحتفالات المخلدة لهذا الحدث عادت بقوة، وتسعى المجتمعات الأمازيغية إلى إظهار ما يميزها عن مجتمعات أخرى، لتشارك بتاريخها وثقافتها بكل أبعادها الاجتماعية، الأنتروبولوجية وغيرها، كما أن لـ«يناير" مكانة هامة لدى المتقدمات في السن، لأن هذا التاريخ يرمز إلى حياتهن المرتبطة بخدمة الأرض، الفلاحة والزراعة.

من الناحية الأكاديمية، تقول البروفسورة شكرون، إن الحديث عن "يناير" يضم عدة متغيرات، ففي الجانب التاريخي والرمزي، هناك مقاربة اقتصادية متعلقة بخدمة الأرض، الفلاحة، الادخار لمواجهة العام وغيرها، كما هناك مقاربة متعلقة بـ«الرمز"؛ لماذا يناير موجود عند المجتمع الأمازيغي دون مجتمعات أخرى؟ وإن وجد ما الخلاف بين هذا وذاك؟ كذلك هناك مجتمعات تحتفل بالحدث، لكنها لا تعرف قيمته.

نوهت المتحدثة بمساعي المجتمع القبائلي لضمان الحفاظ على هذا الإرث واستمراره، لإطلاع الأجيال القادمة عليه، لأنه يمثل هويتنا، ثقافتنا، وميزتنا، موضحة أنه يجمع الجانبين السوسيولوجي والثقافي، فـ«يناير" عامل الثقافة وجزء من المجتمع "ثقافة معاشة"، تضاف إلى ثقافة علمية، مؤكدة على أنه عند النظر في كتاب "عادات الأمازيغ" لجون سيرفيي، نجده تحدث عن الحضارة الأمازيغية والرزنامة الزراعية، كما تحدث عن "يناير". ومن جهة أخرى، المختص اللغوي الراحل محند اكلي حدادو أيضا تحدث عن "يناير" في كتبه وأعطى قيمة لهذا الحدث.

أعقبت أنه من الناحية الأكاديمية لا يوجد من ينكر يناير، فهو في قلب الهوية الأمازيغية، وأحد العناصر التي تحدد وتعرف بالعنصر الأمازيغي، مرتبط بالثقافة والاقتصاد، موضحة أن هناك "إعادة تأهيل"، ولا يجب "فلكورية الحدث"، لأن "يناير" له تاريخ ومكانة، فهو معيار الهوية الأمازيغية الذي تظهره رمزيته ويكشف عن نفسه بالممارسات، مشيرة إلى أنه نظريا، أعطينا قيمة لهذا الحدث، لكن يجب توجيهه للجانب التطبيقي، لتمارسه المجتمعات في المدارس والمؤسسات الأخرى، وأن تكون هناك إرادة سياسية لتثمينه.

الكاتب جمال لاصبتراث إنساني بحاجة إلى الكشف عن خباياه

اعتبر الكاتب جمال لاصب، أن 12 يناير يعد أقدم الاحتفالات الإنسانية، موضحا أن كتابه "يناير، تراث الإنسانية" الذي صدر في 2015، هو نداء للاعتراف بيناير كتراث إنساني، والحديث عنه غوص في عدة جوانب موجودة، لكنها منسية نوعا ما، لذا يجب التذكير بها، بالنظر إلى امتداده الجغرافي الكبير، فمهما كان المجتمع في الريف أو المدينة، فالاحتفال بيناير موجود، القاعدة موجودة وحقيقية.

ذكر الباحث أنه خلال البحث الذي قام به لإعداد كتابه، وجد هناك أماكن تمسكت بأمور، وأماكن تمسكت بأمور أخرى، مثلا في تلمسان نجد كرنفال "ايراذ" كتعبير مسرحي، وبهذا يمكن تقديم فرضية أن المسرح جاء مع يناير منذ زمن قديم، مما يسمح لنا بالقول؛ إن أولى التعابير المسرحية الإنسانية التي لا زالت قد ولدت عندنا.

أضاف أن الحديث عن يناير لا يقتصر على الجانب الفلكلوري، لأن هناك جوانب مهمة ومخفية لها وزن وقيمة كبيرتين، حيث أن مهرجان "ايراذ" أعطى نظرة عن يناير وما فيه من فن المسرح، وكذلك الإطار الاجتماعي، عبر عادات، منها "زواج العرائس"، مما يسمى "ثعلجتس"، حيث تنتقل العرائس من منزل لآخر للسؤال عن الآخر ورفع احتياجاته.

قال لاصب، إنه حاول ربط  يناير بالجنوب، حيث تبين أنه يحتفل به بمالي، وفي ربطه بالشمال، هناك أسطورة "العجوز، ويما مارو، وستوت" التي تأتي لمعرفة إن أكل الأطفال أم لا، هذه الأسطورة تمتد إلى غاية جنوب فرنسا، حيث تبين أن هناك أساطير يحيكها القبائل، وأيضا في فرنسا، وإسبانيا وغيرهما، وهناك تشابه في الحكايات التي تسرد عندنا حول يناير، والتي تسرد باليونان "المنهجية اليونانية".

أشار إلى أنه خلال الانتقال إلى القرى، المدارس وإلى عدة ولايات باتنة، عين وسارة، بجاية وغيرها، سجل رغبة وشغفا للمعرفة والتوغل أكثر في عمق يناير، مذكرا أنه بالتنسيق مع المحافظة السامية للأمازيغية ووكالة الأنباء الجزائرية، سيتم إعادة نشر كتابه "يناير، تراث الإنسانية" قريبا.

سعيد شماخ أستاذ بجامعة "مولود معمري":التقويم الأمازيغي يعتمد على الرزنامة الجوليانية

من جهته، أكد سعيد شماخ أستاذ بجامعة "مولود معمري" بولاية تيزي وزو، أن الاعتراف بمسؤولية التمسك بالهوية الأمازيغية من طرف أمازيغ شمال إفريقيا كان منذ القديم الغابر، وأشار إلى أن الاحتفال بتاريخ "12 جانفي" كبداية السنة، يكون بالرجوع إلى الجدول الزمني الجولياني، كونه تراثا ثقافيا موروثا، مرتبطا بالرزنامة الفلاحية التي لها علاقة بالزراعة والفلاحة وأشغال خدمة الأرض، لتكون تاريخا للانطلاق في عام جديد، بتقديم عشاء يحضر بناء على ما تم جنيه وما تبقى مما ادخر من بقول العام الماضي، لاستقبال عام جديد بمعنى يمن خلاله الفلاحون بخصوبة الأرض لتكون سنة الغلة والوفرة.

أوضح أن هذا التاريخ له رمزية، حيث يرجع إلى كونه مرحلة من السنة تتميز بالبرد، فيجددون العشاء والاحتفال بـ«ثيبورا أوسقاس" المصادف لتاريخ 12 يناير، ولأن المجتمع "فلاحي"، يبدأ عامه الجديد بالذبح وتغيير الطعام ووضع سبعة بقول، كرمز للمحاصيل التي يتم إنتاجها في ذلك الوقت، حيث يزرعون ويحصدون الغلة ويحتفلون ببداية عام فلاحي جديد. 

الكاتب محمد عطافضرورة التركيز على البحث للمعرفة والاهتمام بالثقافة الأمازيغية

دعا الكاتب محمد عطاف الشباب إلى الاهتمام بالتاريخ، ليس بالغوص في عمق التاريخ، لأنه بذلك يضيع، لكن على الأقل لتكون لديهم مراجع تاريخية تخص الهوية، العادات، الأعياد والمستقبل، مضيفا أن هناك مناسبات تقام لوضع الثقافة تحت تصرف الشباب، خاصة أن الكتب موجودة، إلى جانب الأفلام وغيرها.

قال الكاتب، إن "يناير" موجود في العادات واللباس والسينما والمسرح والفن، خاصة الشعر، لأنه في قرى القبائل، هناك شعراء ورثوا الشعر وتناقلوه من جيل لآخر، وهم يعملون على نقله للأجيال الصاعدة، كونه يختزل الثقافة والهوية بكل أبعادها، مؤكدا على ضرورة الخروج من دائرة أن "يناير" مجرد احتفال بإعداد الكسكس بلحم الدجاج، وتجاوز الجانب الفلكلوري والتركيز على مجال البحث للمعرفة، وأن يكون هناك اهتمام بالثقافة الأمازيغية، مضيفا أنه حاليا، هناك عدة كتب تتناول وتتحدث عن تاريخ "يناير" من جذوره إلى اليوم، حيث هناك الكثير من البحوث والوثائق التي بحثت عن الرمز، القيمة، المعنى والدلالة.

أعقب أنه بذكر عام 2970 يظهر أن "يناير" موجود منذ قرون، والثقافة الأمازيغية موجودة في عظمتها وثرائها والاحتفال بها كل سنة، مما يسمح للأمازيغ بالعثور على جذورهم، ثقافتهم، هويتهم، وكل ما يصاحب الاحتفال، مضيفا "صحيح أنه تم ربح المعركة، لكن نريد أن يكون هذا الاحتفال وهذا العيد، ثريا أكثر مما كان عليه، وأن يتم العمل على الإتيان بالأفضل في كل المجالات"، ليعلم الجميع أن "يناير" عيد كبير، يضيف "يناير ملكنا وعلينا نحن اليوم إثراؤه، وحمله في قلوبنا ونشره ونقله للأجيال الصاعدة، كجزء من شخصيتنا وهويتنا ووحدتنا".

أضاف الكاتب أنه أنزل منذ ثلاثة أشهر إلى السوق كتاب "من نوميديا القديمة، إلى الجزائر"، حيث تم سرد فيه كل تاريخ حضارة نوميديا وكرس جزءا هاما من الكتاب للحديث عن "يناير"، الطقوس، العادات، والتقاليد المتعلقة بالمجتمع الأمازيغي، موضحا أن الاعتراف بـ«يناير" عيدا وطنيا، هو اعتراف شرعي لكل الأمازيغ بصفة عامة، لأن العيد ليس خاصا بأمازيغ الجزائر فحسب، إنما عيد أمازيغ كل شمال إفريقيا، جزر الكناري، شمال مالي والنيجر وبوركينافاسو، فهو عيد "تمازغا".

ذكر أن الاعتراف جاء متأخرا، لكن بمجيئه أعطى الكثير من الأمل للجزائريين، موضحا أن "يناير" هوية أمازيغية، وإدراجه ضمن الدستور كعيد جزائري، هو اعتراف به كهوية وطنية وبشكل رسمي، لأنه من قبل كان معترف بها في بعض المناطق فقط، منها الأوراس، القبائل، بني مزاب وغيرهم.

حميد بيلاكإعادة الاعتبار للشخصية والهوية الجزائرية الأمازيغية

رافع المؤرخ وإطار سابق بالمحافظة السامية للأمازيغية، حميد بيلاك، من أجل إعادة الاعتبار للشخصية الجزائرية الأمازيغية، موضحا أن قرار ترسيم "يناير" جد هام، وله بعد تاريخي وثقافي، لإثبات الأصالة والتصالح مع الذات، وإعادة الاعتبار للشخصية الجزائرية والهوية الجزائرية، مضيفا أن هذا البعد التاريخي عبر ترسيم "يناير"، يسمح بالتأكيد على أن "الجزائر أرض جزائرية"، مشيرا إلى فرصة فتح نافذة عبر "يناير" في الدستور القادم، للحديث عن التاريخ الجزائري، على اعتبار أنه مكتوب من طرف أجانب دونوا ما أرادوه، وعلى الكتاب والمثقفين والمؤرخين اليوم، كتابة التاريخ الصحيح للجزائر بشكل موضوعي، قائلا "لا نستطيع إعادة التاريخ، لكن نستطيع إعادة كتابة التاريخ"، مضيفا أن هذه الكتابة يجب أن ترتكز على البحوث المنجزة، وما دونه في المجالين التاريخي والأثري.

أعقب المتحدث في سياق متصل، أن هناك تساؤلات عن أصل الأمازيغ، كتابة تيفياغ وغيرها، وأن هذه البحوث الأثرية والتاريخية، تكون بابا للإجابة على هذه التساؤلات، مما يسمح بإعادة الاعتبار للشخصية الجزائرية، لأن الفرد الذي لا يعرف تاريخه، لا يستطيع أن تكون لديه قوة الذات، ولا حب الوطن الذي ينتمي إليه، والتصالح مع الذات والاعتراف بالانتماء الهوياتي المشترك، يسمح بتجاوز سوء الفهم.

تحدث بيلاك عن علاقة "يناير" بالتاريخ، حيث قال إنه تم ربط هذا الحدث بالتاريخ "لإعطاء بعد عميق لهذا الحدث"، بهدف إظهار رمزية ومكان هذا التاريخ، موضحا أن كل الشعوب لديها الحق في اختيار الرزنامة التي تريدها لبداية السنة، مثل ما هو الحال بالنسبة للمسيحيين، المسلمين وغيرهم، نفس الشيء بالنسبة للأمازيغ الذين اختاروا "12 يناير" لبداية رأس السنة والرزنامة الأمازيغية، مذكرا بأن طريق المناضلين من أجل الهوية والقضية الأمازيغية والأكاديمية الأمازيغية، كان من أجل الاعتراف بهذا الحدث والاعتراف بالانتماء إلى الهوية الأمازيغية.

س. زميحي

معارض تقليدية وطبوع فنية لترسيخ الهوية ... بلدية الجزائر الوسطى تحيي "يناير" 

احتفلت بلدية الجزائر الوسطى بحلول السنة الأمازيغية الجديدة، بتنظيم  العديد من المعارض الخاصة بالصناعات التقليدية في حديقة "صوفيا" ومتحف السينما الجزائرية، حيث أبدعت الحرفيات في إبراز العادات المتوارثة، احتفالا بالمناسبة.

حسب عبد الحكيم بطاش، رئيس بلدية الجزائر الوسطى، في تصريحه لـ«المساء"، أول أمس، على هامش المعرض، "فإن الاحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة تحول إلى تقليد دأبت عليه البلدية لإحياء التراث، بعد أن تم ترسيمه كيوم وطني"، مشيرا إلى أن البلدية وككل سنة، تسطر عددا من الانشطة المرتبطة بهذا الحدث التاريخي، حيث يتم تنظيم عدد من المعارض والانشطة الفنية للتعبير عن الفرحة باستقبال السنة الأمازيغية الجديدة.

من جهة أخرى، أوضح رئيس البلدية أنه فيما يتعلق بالأمازيغية، فقد تم تحقيق عدد من المكاسب، كالاعتراف بها لغة رسيمة، وفي الإطار، سعت المصالح البلدية إلى القيام ببعض المبادرات الخاصة بحفظ الذاكرة، ممثلة في تنصيب، مؤخرا، تمثال ماسينيسا بمحطة "تافورة" كرمز.

من جهتها، أوضحت المبدعة فتيحة زموري، المشرفة على المعرض، أنها سعت هذه السنة إلى إعطاء نكهة خاصة لاحتفالية "يناير"، بنصب خيمة وتجهيز القعدة الأمازيغية التقليدية، إلى جانب تحضير عدد من الأطباق وإحياء بعض العادات المرتبطة بالحدث.

حسب المكلفة بالاتصال في ديوان الترقية الثقافية، هدى حوحو، فإن أهم ما يميز الاحتفالية؛ السعي إلى التكثيف من الأنشطة الثقافية، وإبراز أهم الطبوع الفنية والعادات المتوارثة التي تعكس هذا الحدث التاريخي، مشيرة إلى أن الهدف من تنظيم مثل هذه الاحتفالات، هو رسم الصورة الفنية للاحتفال بهذا الحدث الأمازبغي، حتى يظل راسخا لدى الأجيال.

للإشارة، عرف المعرض توافد عدد من الزوار الذين رحبوا بالمبادرة، وكانت فرصة للاطلاع على الأبعاد التاريخية للاحتفال، وعلى التراث الأمازيغي.

رشيدة بلال

وهران ... "نوميديا" تحتفي في أجواء خاصة

افتتحت بقاعة ميدياتيك المكتبة البلدية "بختي بن عودة" في بلدية وهران، يوم الخميس المنصرم، احتفالات رأس السنة الأمازيغية 2970، من تنظيم جمعية "نوميديا" الثقافية الناشطة منذ سنوات في ولاية وهران،  ببرمجة عدة نشاطات ثقافية وأدبية، إلى جانب معرض هام للصناعات التقليدية والموروث الثقافي وأمسيات شعرية، وهي التظاهرة التي جاءت تكريما للكاتب والشاعر جمال بن عوف.

أشار رئيس جمعية "نوميديا سعيد زموشي" لـ"المساء"، إلى أن الاحتفالية التي تم إدراجها كعيد وطني، جاءت تكريما للشاعر والأديب جمال بن عوف، الذي يعاني من مرض ألزمه الفراش، ويعد من كبار المناضلين في مجال الدفاع عن اللغة والهوية الأمازيغية، حيث ساهم في عدة كتابات مسرحية وأدبية، ونال عدة جوائز بمهرجان مسرح الهواء، وهي التفاتة جاءت للتعبير عن الامتنان للتضحيات والمساهمات الكبيرة للأديب في الثقافة الجزائرية.

أضاف زموشي أن المعرض يضم حوالي 100 عارض من 16 ولاية، يقدمون منتجات خاصة بالصناعات التقليدية الأمازيغية، وغيرها من التقاليد الراسخة، إلى جانب حرف صناعة الفخار والحلي الفضية والألبسة وتربية النحل، كما ستكون الاحتفالية مناسبة لفتح ورشات تعليم اللغة الأمازيغية، وتنظيم ملتقيات تاريخية وأدبية ستخصص لمواضيع "تاريخ قصور تزرمان بولاية النعامة"، و«قصائد الشيخ يحي أرشيد أوسيف" و«يناير كمشروع للوحدة المغاربية"، إلى جانب عروض مسرحية بالأمازيغية على مستوى المسرح الجهوي "عبد القادر علولة".

أكد رئيس جمعية "نوميديا" أن الجمعية ستقوم بالمناسبة، بالتعريف بإصداراتها الخاصة ببعض القصص الخاصة بالأطفال باللغة الأمازيغية، إلى جانب قاموس اللغة الأمازيغية المتوفر على شبكة الأنترنت، ساهم في إنجازه عدد من الباحثين الجامعيين، وهي المساهمات التي تدخل ضمن مساعي تطوير وترقية اللغة الأمازيغية.

رضوان.ق

الشاعرة الأمازيغية زرفة صحراوي ...همسة بنت الريف الأوراسي

زرفة هذه المرأة الأوراسية، هذا "الكائن اللامعقول" الذي يبحث في المجهول في تلك المنطقة الغامضة، التي رسمت ملامح طريقها منذ صباها، وسط طقوس قروية كلها أمل في أن تستطع شمس الحرية على أفكارها المكبلة بحنين الوطن، وهي في ديار الغربة، قبل أن ترمي بها الأقدار إلى عالم ليس بالضرورة، قدرا محتوما على هذه الثائرة المتمردة، التي كلما زادت معاناتها وآلامها اقتربت من الحبل السري الذي يجمع أفكارها، ويقرنها بتطلعاتها لتبحث عن أقصر المسافات المؤدية إلى تلك المنطقة الغامضة، التي تمثل بالنسبة إليها، إبحارا في الشعور واسترسالا لمقدمة قد تطول فصولها، لتنتهي عندما يبدأ تركيزها على تاريخ المنطقة التي تنتمي إليها.

يبدأ المشهد من صور غير منتهية في الخيال عند الخوض في عالم قروي، في سعي دؤوب للكشف عن المعاناة في عالم تقدمه الشاعرة (زرفة)، بأنه ذلك العالم المتمرد على القفيم وخيال تجسدت مدلولاته في اعتباطية الدال والمدلول، لينقلب غلى واقع معاش، تستنبط منه قراءاته الشعرية وخربشاتها لتصنع منه خطوات متثاقلة بقراءاتها الأدبية، وصراخها المهذب.

رائحة الجبل، الملحفة، الجمر والفحم، العرعار والستور، فسيفساء لكلمات متناسقة وتعبير قوي الإنتماء، استحياء في أيام الجمع من كل لحظة تسترجع فيها خوالي الأيام، كلها أشياء تثير انتباهها، وهي في احتفاء دائم وإمساك بالزمن، منطقة الحنين للشيء الجميل.

الجميل من كل هذا وذاك، عندما تحدثها وقد أدركت مشتق اسمها (زرفة) وهي كلمة شاوية "أزرف"، وتعني الفضة، تدل على الجمال، وهو اسم يطلق على الفاتنات، "وهي ترد عليك أنا فلاحة يسكنني عطش وماء جرتي مثل حلقي جزء من المشكلة.. وحتما سأكون شامخة.. إنه الامتداد.

هكذا أرادت أن تعبر ضيفة "المساء"، التي تفيض وطنية، عن الأصالة بحس مرهف وأصالة مفرطة في أعمال المرأة الأوراسية، وتصفه بالمجهول في عيون المرأة التي خصتها بحيز كبير في أشعارها، ومجدت نضالها عبر العصور وبطولاتها بكلمات حارة وحارقة في لماساتها، كما لو كان الشعر في حد ذاته، يمثل مشتعلا في قلبها النابض منذ طفولتها البريئة،  التي سرقت منها حنان الوطن الذي تحول، كما تقول "إلى قصة في حلقتها، وظمأ تداوي حرقته كلمات تنساب من لحنها العذب بأنغام على إيقاع شاوي".

توصف أعمال الشاعرة (زرفة صحراوي) بالقيمة، من خلال مشاركاتها وأعمالها التي توجت بها في العديد من المناسبات، بجوائز تقديرية تثمينا للمجهودات التي تبذلها في خدمة الثقافة، مساهمة منها في ترقية النشاط الثقافي في الولاية، الذي يتميز بالارتجال والمناسبتية في سياق التهريج،  منها مسرحية (أجنا أمقران) بمعنى السماء الكبير، قدمت في مهرجان عيسى الجرموني في بداية التسعينات، وهو عمل مسجل في التلفزة، نال اهتمام الصحافة الفنية الجزائرية وقتذاك. كما أنجزت مونولوج (ثارجيت) مع المخرج المسرحي المرحوم عبد اللطيف لبوخ، وتوجت بعدة تتويجات على مدار 20 سنة من النشاط داخل وخارج الوطن، ومؤخرا بجائزة الفيروزي 2016، في إطار العكاظية المغاربية في دورتها السادسة، التي جرت فعالياتها في مخادمة بولاية بسكرة، المهداة لروح الفقيد أحمد بن بوزيد، المدعو عطا الله.

كما عملت في الصحافة الوطنية لسنين طويلة، وسبق لها تنشيط حصص إذاعية في القناة الناطقة بالأمازيغية، وإذاعة الأوراس، وتواصل نشاطها الإعلامي والابداعي بامتيز. 

لكي تبحث في شخصيتها، وأرادت لذلك مدخلا غير تقليدي، سترد عليك بالفن الذي تصفه بدهاليز الأسرار، وحقيبة أشبه أن ظلت تحملها على كتفيها، كما فعلته المرحومة والدتها التي حملتها، على وهن قبل أن تحمل أكوام الحطب في جيدها، لتصنع لها دفء فكرها الذي استلهمته من المسرح، وتستمده من شعرها الذي تتنفس فيه أحساسيها، عندما توظف المشاكل الاجتماعية متقنا بإيحاء منطقتي يتسرب في وعي جمهور خشبة  المسرح بقوة، وانعدام الدراسات النقدية المسرحية، وهو تقدير لواقع الحركة الثقافية، حسبها، الذي أفرغها من محتواها.

ع.بزاعي

الشاعرة زرفة صحراوي تؤكدالثقافة الأمازيغية إرث كبير وملك لكل

وصفت الشاعرة الأمازيغية زرفة صحراوي، الاحتفالات الخاصة بـ«أمنزو ن ينار 2970"، والمدعمة بترسيم الأمازيغية لغة وطنية رسمية، بالمكسب المهم الذي يعزز البحوث والنبش في الرصيد الحضاري الأمازيغي للجزائر، بتنوعه وثرائه.

قالت عن الاحتفال برأس السنة الأمازيغية، في بعده الاحتفالي والتقويمي، إنه يتناول المرجعية التاريخية التي تميز الاحتفال الذي يشمل هذين البعدين في أبعاد اجتماعية طقوسية من هذا المنطلق، مع ضرورة المحافظة على هذه التقاليد وتعليمها للأطفال، وترى أن الارتباط بالمناسبة، يشكل حنينا للماضي من أجل النبش في عادات وتقاليد تحييها الأسر الجزائرية سنويا عبر مختلف ربوع الوطن، إذ تعبر عن صور التفاؤل بسنة خصبة، حتى ولو اختلفت العادات من منطقة لأخرى، إلا أن المغزى ثابت، وهو الحفاظ على البعد الحضاري الذي تتميز به الجزائر وتراثها الموغل في التاريخ.

في السياق، تقول زرفة، الشاعرة الأمازيغية، إن الاحتفال بـ«ينانر" يحمل من الدلالات ما يؤرخ لحضارة أمة بامتداد لجذور لغوية، وفي نظرها يعد الحرص على تنظيم ندوات علمية تبحث في تاريخ الثقافة الأمازيغية وواقعها، مع استشراف مستقبلها والاعتماد على المشاريع العلمية، لإبراز الخصوصيات الثقافية الأمازيغية.