التربية والتعليم يرسمان ملامح الجزائر الجديدة
من ثورة تحرير الوطن إلى ثورة بناء الإنسان والكفاءة
- 101
إيمان بلعمري
❊إطلاق أكبر عملية توظيف في تاريخ قطاع التربية الوطنية لفائدة 64 ألف أستاذ
❊ورش لمراجعة وتطوير المناهج التعليمية لتعزيز الكفاءات والمهارات لدى التلميذ
❊تبسيط البرامج وتحسين طرق التدريس لجعل المدرسة أكثر ارتباطا بمتطلبات العصر
❊المعادلة بين الحفاظ على الهوية الوطنية والانفتاح على العلوم والتكنولوجيات الحديثة
❊تعزيز مصداقية الامتحانات الوطنية وإعادة الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص
❊ تعزيز مصداقية الامتحانات الوطنية وإعادة الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص
❊تحقيق نتائج مشرفة في المسابقات العالمية في مختلف المجالات العلمية
❊ دعم التخصصات الاستراتيجية والانفتاح على النخب العلمية وتشجيع الابتكار
يواصل قطاعا التعليم العالي والتربية الوطنية ترسيخ مكانتهما، كأبرز ركائز بناء الجزائر الحديثة، من خلال مسار إصلاحي متواصل يجسد رؤية رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، القائمة على الاستثمار في الإنسان والمعرفة وتثمين الكفاءات الوطنية.
بعد أن جعلت الجزائر المستقلة من الجامعة أداة لبناء الدولة وتكوين الإطارات الوطنية، تشهد المنظومة الجامعية اليوم مرحلة جديدة تقوم على دعم التخصصات الاستراتيجية والانفتاح على النخب العلمية وتشجيع الابتكار وتحسين ظروف الأسرة الجامعية، بما ينسجم مع توجه الدولة نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة.
ويأتي استحداث المجلس الأعلى للجالية العلمية الجزائرية بالخارج بناء على تعليمات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في مقدمة الإنجازات التي ميزت المرحلة الأخيرة، باعتباره آلية جديدة تعكس اهتمام الرئيس، بالكفاءات العلمية الجزائرية المتواجدة عبر العالم، والاستفادة منها وجعلها شريكا في مسار التنمية الوطنية.
ويهدف هذا المجلس إلى تنظيم العلاقة بين الباحثين والعلماء الجزائريين بالخارج والجامعات والمؤسسات الوطنية، وتحويل خبراتهم وتجاربهم إلى قيمة مضافة تخدم مجالات البحث العلمي، التكنولوجيا والابتكار.
كما يترجم استقبال رئيس الجمهورية لعدد من الكفاءات العلمية الجزائرية المقيمة بالخارج، وفتح قنوات التواصل معها، إرادة سياسية واضحة لاستعادة دور النخبة العلمية الوطنية، وجعلها قوة اقتراح ومرافقة للمشاريع الكبرى التي تحتاج إلى خبرات متخصصة.
ومن بين أبرز التحولات التي عرفها القطاع، إنشاء مدارس عليا متخصصة في مجالات استراتيجية، على غرار المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي والمدرسة الوطنية العليا للرياضيات، والمدرسة العليا للأمن السيبيراني في إطار رؤية استشرافية تهدف إلى تكوين كفاءات قادرة على مواكبة التحولات العلمية والتكنولوجية العالمية.
وقد شكل تخرج أولى دفعات هذه المدارس، محطة تاريخية في مسار التعليم العالي، باعتباره تتويجا لسنوات من التكوين النوعي والبحث، وتجسيدا لخيار الدولة في إنشاء مؤسسات جامعية ذات طابع عالمي تهتم بتخصصات تمثل مستقبل الاقتصاد، حيث سيستفيد متخرجو هذه الدفعة والدفاعات المقبلة من مناصب شغل في مؤسسات عمومية وخاصة، إضافة إلى مواصلة المسار الأكاديمي عبر الدكتوراه لتعزيز البحث والابتكار وإنشاء مشاريع مبتكرة تساهم في التحول الرقمي والاقتصاد المعرفي.
وفي إطار الاهتمام بالكفاءات الجامعية وتثمين الموارد البشرية، شكل ملف توظيف حاملي شهادة الدكتوراه أحد المحاور المهمة التي حظيت بمتابعة الدولة، وقد سمح قرار توظيف الدكاترة البطالين بإدماج عدد معتبر منهم في مؤسسات التعليم العالي، والاستفادة من تكوينهم العلمي والبحثي في دعم التأطير الجامعي وتعزيز قدرات الجامعة، حيث يعكس هذا الإجراء توجها نحو تثمين الشهادة العلمية العليا، ومنح الباحثين الشباب فرصة للمساهمة في تطوير التعليم والبحث، بما يضمن تجديد الكفاءات بالجامعة.
لم يقتصر مسار الإصلاح على الجانب البيداغوجي والعلمي فقط، بل شمل أيضا الاهتمام بالأستاذ الجامعي باعتباره محور العملية التعليمية والبحثية، حيث عملت الدولة في هذا الإطار على تحسين الظروف الاجتماعية والمهنية للأساتذة والباحثين، من خلال إجراءات تهدف إلى دعم مكانتهم وتوفير بيئة تساعدهم على أداء مهامهم في التكوين والإنتاج العلمي.
ويشهد مسار الأساتذة الجامعيين خلال السنوات الأخيرة حركية جديدة، من خلال مواصلة عمليات التوظيف عبر مسابقات الالتحاق بمختلف الرتب الجامعية، إلى جانب تنظيم مسابقات الترقية المهنية التي تتيح للأساتذة الباحثين الانتقال في مسارهم الأكاديمي، على غرار التأهيل الجامعي والترقية إلى رتبة أستاذ، فضلا عن مسابقات الالتحاق برتب الأستاذ المحاضر والأستاذ الاستشفائي الجامعي، كما يتواصل دعم التكوين المستمر للأساتذة عبر برامج تطوير المهارات البيداغوجية والبحثية، وتعزيز الانفتاح على التجارب الدولية، لاسيما من خلال التكوين والتربصات في الجامعات الناطقة بالإنجليزية ضمن توجه يرمي إلى ترسيخ استعمال اللغة الإنجليزية في البحث العلمي والانفتاح على الشبكات الأكاديمية العالمية، حيث تندرج هذه الإجراءات ضمن رؤية تهدف إلى بناء أستاذ جامعي أكثر ارتباطا بالبحث والابتكار، وقادر على مواكبة التحولات العلمية والتكنولوجية وتعزيز جودة التكوين الجامعي.
كما شهد القطاع خطوات مهمة لتعزيز علاقة الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي، من خلال دعم الابتكار وتشجيع الطلبة والباحثين على تجسيد مشاريعهم وتحويل نتائج البحث العلمي إلى حلول تخدم التنمية الوطنية.
وقد تم في هذا الإطار تعزيز مسار المؤسسات الناشئة في الوسط الجامعي، وتشجيع روح المبادرة لدى الطلبة، بما يسمح بخلق جيل جديد من المقاولين الشباب القائمين على المعرفة والتكنولوجيا، حيث عرفت السنة الجامعية الحالية تسجيل نحو 27 ألف مذكرة تخرج بإمكانها التحول إلى مؤسسات ناشئة أو مؤسسات مصغرة ، وإدراج ما لا يقل عن 27 ألف مذكرة تخرج، في إطار القرار الوزاري 1275 المحدد لكيفيات إعداد مشروع مذكرة تخرج للحصول على شهادة جامعية ومشروع مؤسسة اقتصادية.
كما حرص القطاع على ترسيخ منظومة بيئية مقاولاتية تسهم في خلق المؤسسات الناشئة والمصغرة، وهو ما يترجمه إنشاء 134حاضنة أعمال و117 مركز لتطوير المقولاتية و107 مركز مختص في تثمين براءات الاختراع، علاوة على استحداث 109 دار للذكاء الاصطناعي.
أما فيما يتعلق بعدد المشاريع المبتكرة التي حازت على وسم "مشروع مبتكر"، فقد فاقت 1500 مشروع، في حين بلغ تعداد طلبات براءة الاختراع 3687 طلب، مع وجود 512 مؤسسة ناشئة تنشط فعليا في السوق الوطنية.
وفي إطار تحديث المنظومة الجامعية، تم العمل على تطوير عروض التكوين بما يتماشى مع حاجيات الاقتصاد الوطني، وإدماج تخصصات حديثة تستجيب للتحولات العالمية، إلى جانب تعزيز استخدام الرقمنة في التسيير الجامعي والخدمات المقدمة للأسرة الجامعية.
وواصل قطاع البحث العلمي تدعيم مكانته من خلال تشجيع الإنتاج العلمي، دعم المخابر والباحثين، وتعزيز التعاون العلمي مع مختلف المؤسسات الوطنية والدولية.
كما أولت الدولة اهتماما خاصا بدعم النخب والكفاءات الوطنية المتألقة في المنافسات الدولية، من خلال مرافقة الفائزين والمتوجين في المسابقات العلمية والثقافية والابتكارية، وتشجيعهم على مواصلة مساراتهم الأكاديمية والبحثية، باعتبارهم سفراء للجزائر في المحافل العالمية.
ويتكامل هذا الدعم مع الديناميكية التي تعرفها الجامعة الجزائرية، حيث سجلت المؤسسات الجامعية تقدما ملحوظا في التصنيفات الدولية، بعد دخول عدد من الجامعات الجزائرية قوائم عالمية مرموقة، على غرار تصنيف US News Best Global Universities 2025-2026 الذي صنف 9 جامعات جزائرية ضمن أفضل 2250 جامعة عالميا، مع احتلال جامعة جيلالي اليابس بسيدي بلعباس المرتبة الأولى وطنيا و849 عالميا، إلى جانب حضور متزايد للجامعات الجزائرية في تصنيف Times Higher Education، ما يعكس تطور البحث العلمي والنشر الأكاديمي وتعزيز تنافسية التعليم العالي الجزائري.
وتبرز حصيلة قطاع التعليم العالي كامتداد لمسيرة بناء الجزائر الجديدة، فبعد أن خاض جيل الثورة معركة تحرير الوطن، تواصل الأجيال الجديدة معركة أخرى عنوانها العلم والمعرفة والابتكار، وعلى هذا الاساس تقرر وبصفة تدريجية تعميم تدريس مادتي "تاريخ الجزائر" و«الوطنية والمواطنة" عبر كافة المدارس العليا، بهدف تعزيز الوعي لدى الطلبة وترسيخ انتمائهم الوطني لانهم اليوم أكثر من أي وقت مضى بحاجة ماسة إلى استحضار القيم المرجعية والتمسك بها، باعتبارها حصنا يحمي الهوية الوطنية ويعزز تماسك المجتمع في مواجهة المد المتسارع الذي تفرضه التحولات العالمية.
تتواصل مسيرة تطوير قطاع التربية الوطنية بخطى متسارعة، من خلال جملة من الإصلاحات الهيكلية والإجراءات العملية التي مست مختلف جوانب المنظومة التعليمية، في إطار توجه يرمي إلى بناء مدرسة جزائرية عصرية قادرة على مواكبة التحولات العلمية، وتعزيز جودة التعليم، وتثمين دور الأسرة التربوية، بما ينسجم مع رهانات الدولة في الاستثمار في الأجيال الصاعدة.
إصلاحات متواصلة لبناء مدرسة ذات جودة
شهد قطاع التربية الوطنية خلال السنة الدراسية 2025/2026 محطات هامة، كان أبرزها إطلاق أكبر عملية توظيف في تاريخ القطاع لفائدة 64 ألف أساتذة، حيث ستسمح هذه المسابقة التي سيفرج عن نتائجها خلال الأيام المقبلة، بتدعيم المؤسسات التربوية بالموارد البشرية اللازمة، والاستجابة لحاجيات التأطير البيداغوجي، إلى جانب توفير فرص مهنية لفائدة حاملي الشهادات، بما يعكس أهمية العنصر البشري في إنجاح الإصلاحات التربوية.
وفي الجانب البيداغوجي، تواصل الوزارة ورش مراجعة وتطوير المناهج التعليمية، بهدف الانتقال من منطق حشو المعارف إلى تعزيز الكفاءات والمهارات لدى التلميذ، مع التركيز على تبسيط البرامج، تحسين طرق التدريس، وجعل المدرسة أكثر ارتباطا بمتطلبات العصر.
ويأتي هذا المسار ضمن رؤية تهدف إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية الوطنية والانفتاح على العلوم والتكنولوجيات الحديثة، من خلال إعداد أجيال قادرة على التعلم والإبداع ومواكبة التحولات العالمية.
كما واصلت الوصاية تجسيد خيار تعزيز مكانة اللغة الإنجليزية في المنظومة، عبر الاستمرار في تدريسها وتوسيع حضورها ضمن المسار الدراسي للتلاميذ، باعتبارها لغة أساسية للعلوم والمعارف الحديثة، وأداة تمكن الأجيال الجديدة من الانفتاح على الإنتاج العلمي العالمي.
ويأتي هذا التوجه في إطار مواكبة التطورات الدولية وتمكين التلميذ من امتلاك كفاءات لغوية تساعده في مساره الجامعي والمهني مستقبلا.
وعلى صعيد النتائج، سجلت الامتحانات الرسمية خلال الدورة الحالية (البيام) والدورات السابقة مؤشرات إيجابية، لاسيما في شهادتي البكالوريا والتعليم المتوسط، حيث عكست نسب النجاح المحققة جهود الأسرة التربوية ومختلف الإجراءات الرامية إلى تحسين مستوى التحصيل الدراسي.
وأكدت هذه النتائج أن الإصلاحات المتواصلة بدأت تعطي ثمارها، من خلال تحسين مرافقة التلاميذ، تعزيز الدعم البيداغوجي، وتوفير ظروف أفضل للتحضير لهذه المواعيد الوطنية الهامة.
وبالموازاة مع تحسين الأداء البيداغوجي، واصلت السلطات العمومية جهودها للقضاء على ظاهرة الغش في الامتحانات الرسمية، عبر تشديد الإجراءات التنظيمية والرقابية، واعتماد آليات حديثة لضمان نزاهة المسابقات والامتحانات، حيث ساهمت هذه الإجراءات في تعزيز مصداقية الشهادات الوطنية وإعادة الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحين.
ولم تقتصر مكاسب القطاع على المستوى الداخلي، بل امتدت إلى المحافل الدولية، حيث واصل التلاميذ تحقيق نتائج مشرفة في الأولمبيادات والمسابقات العالمية في مختلف المجالات العلمية، مؤكدين امتلاك المدرسة الجزائرية لطاقات شابة قادرة على المنافسة والتميز، حيث شكلت هذه الإنجازات ثمرة لجهود التكوين والمرافقة وتشجيع المواهب العلمية، خاصة في مجالات الرياضيات والعلوم والتكنولوجيات، بما يعكس تنامي ثقافة التفوق والابتكار لدى الناشئة.
وبين إصلاح المناهج وتعزيز اللغات الأجنبية والعلمية وتدعيم التأطير التربوي ومحاربة كل الممارسات التي تمس بمصداقية المدرسة، يواصل قطاع التربية تجسيد رؤية تقوم على بناء مدرسة جزائرية ذات جودة، تجعل من التلميذ محور العملية التعليمية ومن الأستاذ ركيزتها الأساسية، حيث تؤكد هذه التحولات في محطة إحياء الذكرى 64 لعيد الاستقلال والاستقلال أن معركة بناء الإنسان المتعلم تمثل امتدادا لمعركة التحرير، وأن الاستثمار في المدرسة يبقى أحد أهم رهانات الجزائر لصناعة مستقبل أجيالها.