ملحمة الشعب الجزائري الخالدة
  • ملفات
  • قراءة 1432 مرات
مليكة. خ مليكة. خ

في ذكرى أول نوفمبر

ملحمة الشعب الجزائري الخالدة

يحيي الشعب الجزائري غدا ذكرى اندلاع الثورة التحريرية المظفرة في ظل تغيرات سياسية يتوخى منها رسم أفق واعدة في مسيرة التشييد والبناء، لا سيما بعد أن خرج المواطنون أسبوعيا طيلة 8 أشهر في مسيرات سلمية، مطالبين بالقطيعة مع نظام الحكم السابق ومع الفساد وسوء التسيير...

ولعل الفاتح من نوفمبر الذي يصادف هذه المرة يوم الجمعة الذي دأب فيه الشعب الجزائري على الخروج من أجل التذكير بمطالبه التي تمحور أبرزها حول رحيل رموز النظام السابق، مناسبة لتجديد العهد مع الشهداء الأبرار الذين ضحوا بالنفس والنفيس من أجل حرية الشعب واستقلاله ونيل كرامته التي حاول المستعمر الغاشم الدوس عليها، مثلما حاول انتزاع هويته منذ أن وطئت قدمه أرض الوطن سنة 1830، غير أن الاستعمار الفرنسي اصطدم برباطة جأش الشعب الجزائري الذي أبى إلا أن يختار طريق النضال لعقود من الزمن، حيث كان إطلاق أول رصاصة من جبال الأوراس بمثابة صفحة جديدة، فتحت عهدا جديدا من الكفاح النوعي، الذي ظل وما يزال مرجعا لحركات التحرر عبر العالم.

فالفاتح من نوفمبر يظل يوم فخر واعتزاز لشعب كافح أبناؤه من أجل استرجاع الحق المسلوب وسيادته الوطنية ضد الاحتلال الاستيطاني الفرنسي، الذي عذب ودمر وقتل شعبا آمن بالحرية ووقف مدافعا عن كرامته بقوة، مستعدا للتضحية مؤمنا بحتمية الانتصار.

إنه التاريخ الذي صنعه الشهداء، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. في هذه الرحلة الطويلة للثورة الجزائرية التي سطرت تاريخا مشرفا للأمة، تستحضر شهداءها وتحفظ أسماءهم عن ظهر قلب وتخلد رجالها عبر الاحتفال بيوم الاستقلال.

واليوم عندما نتحدث عن شهداء الجزائر الذين رووا الأرض الطاهرة بدمائهم دفاعا عن الوطن، فإننا نكرس روح العمل الوطني الجاد المتشبع بمبادئ الوفاء والتضحية التي دونت أروع صفحات العطاء بفعل تلك الدماء التي تنير الطريق للأجيال صانعة الثورة والتاريخ والازدهار.

إن ما يبرز صلابة وقوة الثورة التحريرية هو صمودها الكبير، فالشعب الجزائري أبى بعد قرن وربع قرن من الزمان إلا أن يفتك استقلاله وفيها سقط الشهيد تلو الشهيد حتى تجاوزوا المليون ونصف المليون شهيد، في وقت واصل فيه المستعمر في نصب قلاعه وسجونه ونال منه الشعب الجزائري الويلات لكنه أيقن بأن التاريخ كان الأقوى، فانتصرت ثورة الحق وانتصرت الجزائر، لتدحض بالتالي مقولة فرنسا التي لا تقهر.

واليوم ونحن نحيي ذكرى أول نوفمبر الذي كتب فيه الشهداء التاريخ وأناروا شموع الحرية وقهروا الظلم والطغيان، فهم يظلون نبراسا نستلهم منهم القيم. ونلبي نداء الوطن، كما لبوا بالأمس، وهو يدعونا للحفاظ على وصية الشهداء الذين عبّدوا لنا الدرب من أجل أن نرفع الجزائر عاليا بين الأمم.

لقد شكل انتصار الجزائر على المستعمر الغاشم حافزا لانطلاق الحركات التحررية عبر العالم، حيث استلهمت من فكر الثورة الجزائرية استراتيجية كفاحها المسلح واعتماد حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد أسلوبا للممارسة. وبلا شك، فإن خيرة أبناء الوطن قد استلهموا العبر من الأسلاف وأبانوا ذلك بكل عفوية في بدايات مسيراتهم السلمية والعفوية التي أبهرت العالم، لدرجة توالت الدعوات في العواصم الغربية للاقتداء بها.. فغيرة الشباب ومطالبتهم بالتغيير تكاد تكون متشابهة لشباب الأمس، الذي لم يكن همه سوى أن تحصل الجزائر على استقلالها وكله ثقة بأن الهدف سيتحقق عاجلا أم آجلا.

والمتمعن في مسيرة نضال الشعب الجزائري عبر العقود يكاد يجزم أن طريق الانتصار ما كان له أن يتأتى إلا بتوحيد الصفوف، فالكل وضع أفكاره وقناعاته وإيديولوجيته جانبا والتف حول هدف واحد لتحقيق النصر والاستقلال، فكان له ذلك، لأن قناعته ارتكزت على الوحدة الوطنية ووحدة الهدف بين مختلف الاتجاهات وتيارات المقاومة، في تكامل استلهمت منه ثورات التحرر في العالم برامجها الكفاحية.

وهذا التكامل الوطني ليس بالأمر المستعصي على أبناء الجزائر اليوم، تباين رؤاهم للخروج من الأزمة، فهم يلتقون عند نقطة واحدة ألا وهي وضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، مع تشديدهم على رفض التدخل الأجنبي في شؤون البلاد، وهو موقف محسوم منذ بداية الحراك.

ومن باب نقل الوقائع للأجيال، يبقى لزاما التذكير بالمراحل التي ترتبت عن هذه المحطة المفصلية التي صنعت المعجزة، فقد وضعت اللمسات الأخيرة للتحضير لاندلاع الثورة التحريرية في اجتماعي 10 و24 أكتوبر 1954 بالجزائر من طرف لجنة الستة، حيث ناقش المجتمعون تسمية التنظيم الذي كانوا بصدد الإعلان عنه ليعوض تسمية اللجنة الثورية للوحدة والعمل. واتفق المجتمعون على إنشاء جبهة التحرير الوطني وجناحها العسكري المتمثل في جيش التحرير الوطني، وكانت المهمة الأولى للجبهة هي الاتصال بجميع التيارات السياسية وحثها على الالتحاق بالثورة وتجنيد الجماهير للمعركة الحاسمة ضد المستعمر الفرنسي. كما كان اختيار ليلة الأحد إلى الاثنين يوم الأول من نوفمبر 1954 تاريخا لانطلاق العمل المسلح الذي خضع لمعطيات تكتيكية - عسكرية، منها وجود عدد كبير من جنود وضباط جيش الاحتلال في عطلة نهاية الأسبوع، فضلا عن انشغالهم بالاحتفال بالأعياد الدينية واعتماد عامل المباغتة وتحديد خريطة المناطق وقادتها، ووضع اللمسات الأخيرة للمخطط الهجومي في ليلة الفاتح نوفمبر.

وبدأت الثورة بمشاركة 1200 مجاهد على المستوى الوطني بحوزتهم 400 قطعة سلاح وبضعة قنابل تقليدية، وكانت الهجومات تستهدف مراكز الدرك والثكنات العسكرية ومخازن الأسلحة ومصالح حيوية أخرى، بالإضافة إلى الممتلكات التي استحوذ عليها الكولون.

وقد شملت هجومات المجاهدين عدة مناطق من الوطن واستهدفت عدة مدن وقرى عبر المناطق الخمس وهي باتنة، أريس، خنشلة وبسكرة في المنطقة الأولى، قسنطينة وسمندو بالمنطقة الثانية، عزازقة وتيغزيرت وبرج منايل وذراع الميزان بالمنطقة الثالثة. أما في المنطقة الرابعة، فمست كلا من الجزائر وبوفاريك والبليدة، بينما كانت سيدي علي وزهانة ووهران على موعد مع اندلاع الثورة في المنطقة الخامسة (خريطة التقسيم السياسي والعسكري للثورة 1954 -1956).

واعترفت السلطات الاستعمارية أن حصيلة العمليات المسلحة ضد المصالح الفرنسية عبر كل مناطق الجزائر ليلة أول نوفمبر 1954، قد بلغت 30 عملية، خلفت مقتل 10 أوروبيين وعملاء وجرح 23 منهم، فضلا عن تسجيل خسائر مادية تقدر بمئات الملايين من الفرنكات الفرنسية.

أما الثورة التحريرية المظفرة، فقد فقدت في مرحلتها الأولى خيرة أبنائها، الذين سقطوا في ميدان الشرف، مثل بن عبد المالك رمضان وقرين بلقاسم وباجي مختار وديدوش مراد وغيرهم.

كما سبق العمل المسلح الإعلان عن ميلاد جبهة التحرير الوطني، التي أصدرت أول تصريح رسمي لها يعرف بـ "بيان أول نوفمبر"، الذي وجه إلى الشعب الجزائري مساء 31 أكتوبر 1954 قبل أن يوزع صباح أول نوفمبر.

وحدد البيان مبادئ الثورة ووسائلها، علاوة على رسم أهدافها المتمثلة في الحرية والاستقلال ووضع أسس إعادة بناء الدولة الجزائرية والقضاء على النظام الاستعماري، مع تحديد الشروط السياسية التي تكفل تحقيق ذلك من دون إراقة الدماء أو اللجوء إلى العنف، كما شرحت الظروف المأساوية للشعب الجزائري، والتي دفعت به إلى حمل السلاح لتحقيق أهدافه القومية الوطنية، مبرزة الأبعاد السياسية والتاريخية والحضارية لهذا القرار التاريخي. وعليه يعتبر بيان أول نوفمبر 1954 بمثابة دستور الثورة ومرجعها الأول الذي اهتدى به قادة ثورة التحرير وسارت على دربه الأجيال.

فقد عجزت فرنسا بجنرالاتها عن قهر إرادة شعب حارب بأبسط الوسائل واستطاع أن يتغلب على مدافع ودبابات وطائرات المستعمر واستطاع بفضل عزيمته الصلبة أن يصمد أكثر ويناضل ويتحدى عدوه ويسترجع أرضه المسلوبة.

ويرجع الفضل في انتصار الثورة الجزائرية إلى وضوح أهداف القائمين بها والتضحيات الشعبية الهائلة التي قدمها الشعب الجزائري الذي عبأ كل طاقاته لتحقيق الانتصار، يضاف إلى ذلك الأساليب المبتكرة التي لجأ إليها الثوار لتوجيه الضربات الأليمة لجيش متفوق في العدد والعدة.

وهكذا انتصرت جبهة التحرير الوطني وأُجبرت فرنسا على التفاوض بعد أن تأكدت أن الوسائل العسكرية لم تعد تنفع خاصة بعد الفشل الذريع الذي منيت به حملاتها الضخمة وعدم فعالية القمع البوليسي في المدن، ورفض الشعب الجزائري المشاركة في الانتخابات المزورة واستحالة إيجاد "قوة ثالثة" تكون تابعة للمستعمر بأي حال.

وقام الفرنسيون بمناورات عدة وتهديدات كثيرة لتحاشي التفاوض وعملوا كل ما بوسعهم لتصفية جيش التحرير الوطني كقوة عسكرية وسياسية، فتهربت فرنسا من كل محاولات التفاوض النزيه عاملة على إفراغ حق تقرير المصير من محتواه الحقيقي متوهمة بذلك أنها ستنتصر عسكريا على الثورة، غير أنها سرعان ما اصطدمت بالحقيقة المرة في ظل صمود الثوار الذين عملوا على تحقيق المطلب الشعبي الواحد وهو الاستقلال.

إقرأ أيضا..

حملة صحية واسعة للتكفّل بسكان المناطق النائية
21 نوفمبر 2019
انطلقت من بسكرة بإقليم الناحية العسكرية الرابعة

حملة صحية واسعة للتكفّل بسكان المناطق النائية

توقيف 5 أشخاص بغليزان وغرداية
21 نوفمبر 2019
حاولوا الالتحاق بجماعات إرهابية بالساحل

توقيف 5 أشخاص بغليزان وغرداية

العدد 6956
20 نوفمبر 2019

العدد 6956