"الزاوية العلاوية" بـدار السلام بالقصـبة السفلى

فضاء تاريخي يعيد للحي العتيق انتماءه الروحي

فضاء تاريخي يعيد للحي العتيق انتماءه الروحي
  • القراءات: 885
مريم . ن مريم . ن

زارت "المساء" زاوية سيدي أحمد بن مصطفى العلاوي بدار السلام بالقصبة السفلى، وهي معلم تاريخي وسياحي بامتياز، رُمّم وأعيد فتحه في صيف 2022، ليبدو كتحفة فنية بديعة تشعّ بالأنوار والألوان وتختزن تاريخ من مروا وشهدوا الأحداث والتقلبات التي عاشها هذا الحي العتيق.

رافق "المساء" الباحث والشاعر عمر شلابي المطلّع على تراث القصبة، منه التصوّف، وما كان له من أثر بالغ في الأجداد سواء من الجانب الديني التعليمي أو في المجال الاجتماعي والسياسي. حيث تقع هذه الزاوية التي تشبه القصر الفاخر بشارع "مقراني زواوي" في القصبة السفلى، وهي تستقبل الزوّار والمريدين منذ سنة 1947، أغلقت أثناء الثورة التحريرية إلى أن حان موعد ترميمها ثم افتتاحها وذلك بفضل أبناء الطريقة العلوية وتبرعات المحسنين، ويتردّد عليها الناس من كلّ مكان، منهم الشباب، للاطلاع واكتشاف بعض الأنشطة الفكرية والثقافية كالمحاضرات والنقاشات.

قال الأستاذ شلبي إنّه حين توفي الشيخ العلاوي (1874-1934) أدار الزاوية الشيخ الحاج عدّة بن تونس ثم المهدي بن تونس، وتتبع هذه الزاوية العالم المعروف سيدي أحمد بن مصطفى العلاوي، الذي له تاريخ حافل على الساحة الثقافية والسياسية في الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي، وهو مؤسّس الطريقة العلوية سنة 1914 التي تجاوزت الحدود، ولها فروع في المغرب العربي وفي الشام وغيرهما، وكانت تقام في هذه الزاوية مجالس الذكر والفكر والشعر والمديح، والمتنقل بين طوابقها يشمّ رائحة التراث وأصالة التاريخ، وهنا قال الأستاذ شلبي إنّه قرأ لهذا الشيخ الجليل 40 كتابا.

يتميّز هذا القصر الزاوية بالهندسة الإسلامية ذات البصمة الجزائرية منها السقيفة والزلايج ووسط الدار وأيضا الخط العربي بآيات عطرة وكذلك النقش والزخرفة على الخشب، منها على الأبواب الكبيرة، وكذلك يبدو فن الحدادة في الشبابيك المنمّقة بتفاصيل النقش على القضبان. وتوجد أركان أخرى بالحجر لا زخرفة فيها ولا طلاء تبدو من الأزمنة الغابرة مبنية بالحجر لكن بلمسة راقية. وتتوالى المساحات والغرف والقاعات منها غرفة كانت خاصة بالذكر، ومساحة لتحفيظ القرآن، وغرف لضيوف الزاوية ولعابري السبيل والطلبة.

مما يروى أنّ الشيخ العلاوي أثرى الفضاء الثقافي الجزائري والإسلامي بمؤلفات ورسائل ومقالات منها، "الرسالة العلاوية في البعض من المسائل الشرعية" وتقع في ألف بيت، وتحتوي على أهم الأحكام الشرعية من توحيد وعبادات وأحكام الصيام والحج وغيرها، وختمها بكتاب التصوّف في 132بيتا، مبادئ التأييد في بعض ما يحتاج إليه المريد، رسالة الناصر معروف في الذب عن مجد التصوّف، الذي طبعه تلميذه الشيخ محمد بن الهاشمي التلمساني وذيلها بتقاريظ العلماء الجلاء في المشرق والمغرب، وكان للشيخ محمد بن الهاشمي مقامه في الشام، إلى جانب القول المقبول فيما تتوصل إليه العقول، القول المعتمد في مشروعية الذكر بالاسم المفرد، رسالة القول المعروف في الرد على من أنكر التصوف، المواد الغيثية الناشئة عن الحكم الغوثية (في جزأين) شرح فيهما حكم سيدي بومدين الغوث دفين تلمسان رضي الله عنهما، النور الضاوي في حكم ومناجاة الشيخ العلاوي، وأيضا دوحة الأسرار في معنى الصلاة على النبي المختار صلى الله عليه وآله وسلم، البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور (في جزأين)، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن.

كما كانت له اهتمامات في علوم أخرى وكذا في الشعر، وله أبحاث شيّقة في الفلسفة الإسلامية على غرار مظهر البينات في التمهيد بالمقدّمات، وأبحاث في علم الفلك مفتاح الشهود في مظاهر الوجود. وكان الشيخ العلاوي من المجدّدين قاوم وجاهد بقلمه وكان أول شيخ صوفي يصدر مجلات وهي "جلة لسان الدين" ثم من بعدها "مجلة البلاغ".

ويذكر الأستاذ شلابي أنّ الشيخ هو من اقترح إطلاق اسم "المولودية" على عميد الفرق الجزائرية، حيث صادف ذلك احتفالات المولد النبوي، كما ذكر شلابي أنه تأثر بكتب الشيخ وعلى رأسها "المنح القدسية" و"القول المعروف"، علما أنّ شلابي كتب منذ سنوات "الطريق الصوفي" ذكر فيه هذا العلامة الجليل.

تفتح الزاوية أبوابها للزوار أياما معينة في الأسبوع، كما كان الحال في الماضي، كما أنها تحيي بعض المناسبات خاصة منها الدينية كالمولد النبوي والعيدين وسهرات الشهر الفضيل وغيرها. وبالمناسبة قرأ الشاعر عمر شلابي لـ"المساء" مقتطفات من قصيدته "أحمد العلاوي" من ضمن ما جاء فيها: "كيف ما نفرح اليوم يالحباب، حبيب قلبنا جاء زرنا، هذه مدة طويلة عنا غاب، واحنا مشوقين زاد وحشنا، اترك في أنفسنا ألم وعذاب، ما قدرنا نصبر وطال وعدنا، الحمد الله ربى استجاب، دعاء المخلصين وفى طلبنا، القصبة فرحت والقلب ارطاب، بلقاء احمد العلاوي شيخنا، ولد مستغانم خير الأنساب، جاو للزيارة من كل جيه اتلاقينا، عسل النحلة أروينا يا لحباب، يسوى كنوز الدنيا وعزنا تجر المعرفة اكتشف حجات، صاحب معنی بحر المعرفة كاشف لحجاب، صاحب معنى من بحره اروينا،المنح القدسية خير كتاب، يا شيخ الصوفية اسقيت قلوبنا، سقسي وسال يعطوك جواب،أهل الكرم والشان سلمنا".