البروفيسور عبد القادر دحدوح لـ"المساء":

ضرورة استحداث آليات واضحة للاستثمار في التراث الثقافي

ضرورة استحداث آليات واضحة للاستثمار في التراث الثقافي
  • القراءات: 4745
حاورته: نوال جاوت حاورته: نوال جاوت

 

لزوم تفعيل دور التراث في التنمية المستدامة

 التعدي على التراث يستدعي استحداث ميكانيزمات أكثر فعالية للحدّ منه

في اللقاء الذي جمعه بـ"المساء" ، تحدّث البروفيسور عبد القادر دحدوح، عن الدوافع التي تعجّل بتعديل قانون 98-04 المتعلق بحماية الثرات وصونه، مثمنا مسعى وزارة الثقافة والفنون، القاضي بإطلاق جلسات تشاورية حول مراجعة المنظومة القانونية لحماية التراث الثقافي، لبلوغ مشروع تعديلي في مستوى التطلعات، يستجيب للمستجدات الداخلية والخارجية المرتبطة بصون التراث الثقافي وتثمينه، مشيرا إلى النقائص المرتبطة بآليات حماية وصون التراث الثقافي غير المادي، والتراث المغمور. وشدّد على ضرورة استحداث آليات واضحة للاستثمار في التراث الثقافي، وتفعيل دوره في التنمية المستدامة.

التعديل ينبغي أن يستجيب للمستجدات الداخلية والخارجية

❊ فكرة سدّ ثغرات قانون 98-04 تعود لعدة سنوات؛ حيث تحدّث عنها وزراء سابقون منذ 2014. ونُظم في 2018 يوم دراسي لهذا الغرض، لكن مخرجات ورشات ذلك اليوم الدراسي، لم تجسَّد، وبالتالي بقي القانون على حاله. في اعتقادكم، ما سبب ذلك؟

حقيقة، تتبّعتُ كل المبادرات التي تم القيام بها منذ عدة سنوات لتعديل قانون 98-04، وقد شاركت في واحدة من اللجان التي أشرفت على التعديلات في سنة 2020. ونحن اليوم نتابع المبادرة التي تقوم بها وزارة الثقافة والفنون، ونثمّن هذا المجهود. ونأمل أن يكون المشروع التعديلي في مستوى التطلعات؛ لكونه، في الحقيقة، ليس تعديلا من أجل التعديل، وإنما ينبغي أن يستجيب للمستجدات الداخلية والخارجية المرتبطة بصون التراث الثقافي وتثمينه.

إن مشروع تعديل قانون 98-04 ينبغي أن يصاغ وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى تخدم التراث صيانةً، وحفظا، وجردا، وترميما، وبحثا، وتنقيبا، وتوظيفا، وتثمينا اقتصاديا، ليساهم، بشكل فعال، في تقوية وترسيخ معالم الهوية الوطنية في نفوس الأجيال القادمة، ويساهم من ناحية ثانية، في تنويع الاقتصاد الوطني. ولأن تعديل هذا القانون يتطلب تحديد معالم استراتيجية بعيدة المدى، فإنه يتطلب استشارة موسعة، تشمل كل المؤسسات والهيئات الفاعلة في حقل التراث الثقافي، بداية من المؤسسات الثقافية نفسها، وقطاعات وزارية ذات صلة بالتراث، والمؤسسات الأمنية، والمجالس الوطنية بما فيها المجلس الوطني الاقتصادي الاجتماعي والبيئي، والمرصد الوطني للمجتمع المدني، والجامعات ومراكز البحث، ومكاتب الدراسات، وهيئات الاستثمار، وجمعيات متخصصة ناشطة، على أن تكون هذه المشاركة من خلال تعيين ممثلين عن كل مؤسسة أو هيئة؛ للمساهمة في إعداد المشروع.

إن مشاركة مختلف الفاعلين ستكون، من دون شك، لها مساهمة بالغة الأهمية في إعداد مشروع يتبنى استراتيجية متكاملة، تحظى بقبول جميع الهيئات، وبالتالي ضمان نجاح المشروع، وترسيمه.

القانون يتطلب تحديد معالم استراتيجية بعيدة المدى

❊ كخبير في التراث، ماهي الثغرات أو النقاط التي لا بد من تعزيزها أو إضافتها كي يحقق قانون حماية التراث الثقافي، الهدف الذي وُضع من أجله، ويحقق الفعالية المرجوة في خضم متغيرات دولية عديدة على عدة جبهات أمنية وتكنولوجية وهوياتية وغيرها؟

فعلا توجد في قانون 98-04، عدة ثغرات، خاصة أنه لا يستجيب للاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجزائر بعد صدور هذا القانون، فضلا عن النقائص التي نلمسها بشكل كبير في الآليات المرتبطة بحماية وصون التراث الثقافي غير المادي، والتراث المغمور، وتثمين التراث بصفة عامة؛ من خلال استحداث آليات واضحة للاستثمار فيه، وتفعيل دوره في التنمية المستدامة، إضافة إلى ضعف الإجراءات العقابية والردعية، التي تتطلب مراجعة العقوبات بصورة تحدّ من ظاهرة التهريب والاتجار غير القانوني.

كما إن القانون لم يعد يساير منظومة التكوين الوطنية المستحدثة بعد سنة 1998، خاصة في مجال الترميم؛ حيث يقرّ القانون الحالي بأن مختلف مشاريع الترميم تشرف عليها مكاتب دراسات ومهندسون معماريون مختصون في التراث، في حين الجامعة الجزائرية فتحت منذ بداية سنة 2000، تخصصات صيانة وترميم الآثار وبدرجات علمية مختلفة (ليسانس - ماستر ماجستير - دكتوراه) على مستوى معاهد وأقسام الآثار. كما استحدثت وزارة الثقافة والفنون المدرسة الوطنية العليا لحفظ الممتلكات الثقافية وترميمها، لتكوين حاملي شهادات الماستر في الصيانة والترميم؛ ما يستدعي فتح الأبواب أمام خريجي هذه التخصصات ضمن مشاريع الترميم ومخططات الحماية والحفظ، ومشاريع تثمين وتأهيل المواقع الأثرية التي تطلقها الوزارة، ولذلك أقترح إدراج تعديلات لإدماج هؤلاء المتكوّنين في مختلف مراحل مشاريع الصيانة والترميم؛ من خلال إتاحة الفرصة أمامهم لفتح مكاتب دراسات، واستحداث آلية للتأهيل الأثري المتخصص في الترميم؛ على غرار آلية تأهيل المهندس المعماري المتخصص في المعالم والمواقع المحمية.

غياب آلية لتثمين جهود الباحثين خلال الحفريات والتنقيبات

والقانون يتضمن بعض الإجراءات التي ترتبط بتسيير المواقع والمعالم والمتاحف التي تخلق صعوبات كبيرة أمام المسيّر وتَحُدُّ من روح المبادرة بما يخدم التراث. وهنا أشير، على سبيل المثال، في المادة 21 تخضع عملية قطع الأشجار أو غرسها في المناطق المحمية أو المعالم التاريخية، لترخيص من مصالح الوزارة المكلفة بالثقافة، وهذا يشكل عائقا للقائمين على التراث؛ إذ يتطلب نزع أشجار وأعشاب ضارة تنبت في المعالم أو المواقع الأثرية، قد تؤدي مع مرور الوقت، إلى تشكيل خطر على المعلم، وقد يتحول المعلم أو الموقع إلى خطر بسبب الظروف الطبيعية من الأمطار والفيضانات، فتقع حجارة من جدار على سبيل المثال. ولا يمكن في ظل هذا القانون، التدخل من القائمين على المعلم أو الموقع بدون المرور عبر سلسلة طويلة من الإجراءات الإدارية، بما فيها تسجيل مشروع استعجالي وما إلى ذلك، في حين أن العملية لا تتطلب سوى إعادة حجارة إلى موضعها من طرف عمال، وبمراقبة أثريّ متخصص أو مهندس ضمن فريق تسيير الموقع أو المعلم أو المتحف. وللإشارة هنا، فإنه تم تسجيل عدة حالات بادر فيها عمال ومسؤولون بمثل هذه الأعمال، لكن، للأسف، تم متابعتهم قضائيا بتهمة القيام بأشغال ترميم خارج الأطر القانونية، وهذا يقتل روح المبادرة عند الفاعلين في الميدان، ويعرّض المعالم والمواقع الأثرية للتدهور والتلف.

98 - 04 لا يستجيب للاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجزائر

ونفس الملاحظة لمسناها من أصحاب السكنات التاريخية ضمن القطاعات المحفوظة، تجدهم يشتكون من تعقيد الإجراءات الإدارية لترميم سكناتهم؛ فقد يكون المسكن، مثلا، في القصور الصحراوية، مبنيا من طوب وجريد النخل، وإذا ما رغب صاحب المبنى في ترميم جزء من جدار أو جزء من مسكنه طبعا باستخدام نفس المواد وبالاستعانة بعمال وبنائين من المنطقة لديهم الخبرة والكفاءة، فإن القانون يفرض إجراءات طويلة، تستدعي إشراف مكتب دراسات، ودفع تكاليف مهندس مؤهل للإشراف على عملية الترميم، وهو ما يشكل عائقا، وتكاليف إضافية، تثقل كاهل أصحاب هذه البنايات التاريخية، وهذا ما يدفعهم إلى التهرب من الإفصاح عن أشغالهم، وعليه ينبغي إدراج تعديلات تخلق آليات مرنة تجاه مثل هذه الحالات، بما يضمن مصلحة المعلم والموقع الأثري ضمن الأطر الاستعجالية بدون الحاجة إلى إجراءات إدارية معقدة.

ومن الملاحظات التي لمسناها في الميدان أن عدة معالم تاريخية تتبع قطاعات وزارية مختلفة. ونظرا لكون القانون يُلزم كل أشغال ترميم أو صيانة معلم، بمراقبة وإجراءات وترخيص من الوزارة المكلفة بالثقافة، وهذا في حد ذاته يدفع الكثير من الهيئات إلى تجنّب تصنيف المعالم التاريخية التي تحت سلطتهم؛ تفاديا لمثل هذه الالتزامات القانونية، وما تتطلبه من إجراءات إدارية وتقنية طويلة؛ ما يجعل هذه المعالم تخضع لعمليات ترميم قد تضرّ بها مع مرور الوقت، وعليه من الضروري جدا استحداث آليات مرنة لمثل هذه الحالات، تُضبط ضمن قرارات وزارية مشتركة. 

لم يعد يساير منظومة التكوين الوطنية المستحدثة بعد سنة 1998

والقانون الحالي يجعل من عمليات الترميم والصيانة ومخططات الحفظ والتثمين في صورة مشاريع تُرصد لها ميزانيات تخضع لقانون الصفقات العمومية، في حين مشاريع البحث والتنقيب لا تخضع لمثل هذه الآلية، ولا يتم رصد أغلفة مالية لها، وإنما تبقى مجرد مبادرات من أساتذة وباحثين يشتغلون في الجامعات أو مراكز البحث بدون أن يوجِد لهم قانون 98-04، أيّ آلية لتثمين جهودهم، وهو ما يفسر عزوف الباحثين عن القيام بالحفريات والتنقيبات، ويؤخر عمليات الاستكشاف الأثري ببلادنا.

وانطلاقا من الميدان أيضا، رصدنا وجود مؤسسات تراثية لا محل لها في قانون 98-04، ويتعلق الأمر هنا بمتاحف المواقع الأثرية رغم أن عددها يتجاوز 20 متحفا، ومنها ما يمتلك تحفا أثرية مهمة جدا؛ على غرار متاحف جميلة، وتيمقاد، وهيبون، وقلعة بني حماد وغيرها. وتتطلب هذه المتاحف سندا قانونيا يؤطر تسييرها ونشاطاتها، ويضمن ميزانيتها.

التراث الرقمي هو الآخر غائب في قانون 98-04، وهو من التوجهات الحديثة التي أولت لها منظمة "اليونيسكو" اهتماما بالغا، وأصدرت بشأنه في سنة 2016، الخطوط التوجيهية من أجل انتقاء التراث الرقمي للمحافظة عليه على المدى الطويل؛ ما يستدعي تضمين القانون الجديد مواد تغطي هذا الجانب من التراث، وتحدد الآليات الكفيلة بحمايته وصونه، خاصة أننا أشرنا إلى أن القانون ينبغي أن يعدَّل ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

ضرورة تضمين القانون الجديد موادَّ تغطي التراث الرقمي، وتحدد الآليات الكفيلة بحمايته وصونه

❊ هل تعزيز آليات تطبيق القانون وتشديد العقوبات في حال المساس بالتراث والممتلكات الثقافية المنقولة وغير المنقولة وكذا وضع ميكانيزمات متابعة الأبحاث الأثرية والاكتشافات الفجائية وغيرها، كفيل بحماية وصون التراث الثقافي الوطني؟

إن المطّلع على مواد القانون وما يتضمنه من نصوص تتعلق بالعقوبات والإجراءات الردعية، يرى أن تلك الإجراءات غير كافية. والدليل على ذلك التقارير الأمنية التي تصدرها المؤسسات المعنية بين الفينة والأخرى، والتي تؤكد استفحال ظاهرة التعدي على التراث؛ سواء بالحفر والتنقيب غير المرخص، أو السرقة والنهب، أو التدمير العمدي، أو التهريب أو الاتجار غير القانوني.

ومع الأسف الشديد نقول إن هذه الظواهر موجودة، ومنتشرة بكثرة، وهي تنخر تراثنا شيئا فشيئا؛ ما يستدعي فرض عقوبات صارمة، واستحداث ميكانزيمات أكثر فعالية للحد من هذه الظواهر، وضمان ردع أقوى لمرتكبيها، بدون أن ننسى أن حماية التراث تتطلب تدعيم آليات التوعية والتحسيس بأهمية التراث، وضرورة الحفاظ عليه على مستوى المنظومة التربوية والتعليمية والتكوينية في مختلف القطاعات والمؤسسات والأطوار، إضافة إلى ضرورة انخراط المجتمع المدني في العملية؛ لما لذلك من احتكاك مباشر، وقوّة تأطير وتأثير على مستويات متعددة في أوساط المجتمع؛ لترسيخ فكرة الحفاظُ على التراث الثقافي مسؤولية الجميع. ولا يمكن وزارةَ الثقافة ولا المؤسسات الأمنية لوحدها، توفير الحماية اللازمة لأزيد من 15 ألف موقع أثري.