الجزائر الجديدة تقود ثورة اقتصادية بأبعاد اجتماعية

رهان على السيادة الغذائية

رهان على السيادة الغذائية
  • 154
أسماء منور أسماء منور

❊ تدابير رئاسية لمحاصرة المضاربة وحماية القدرة الشرائية

❊ قوانين وإجراءات لحماية قوت الجزائريين من جشع المضاربين

❊ الرقمنة لمواجهة المضاربة وتتبّع مسار المنتجات

❊ تسقيف الأسعار وتخزين الفائض لضمان استقرار التموين

❊ توجيهات رئاسية لكبح الغلاء وضمان وفرة المواد الأساسية

تحلّ الذّكرى الـ72 لاندلاع الثّورة التحريرية المجيدة التي فجّرها الشعب الجزائري من أجل استرجاع الحرية والاستقلال وبسط السيادة الوطنية، لتجد الجزائر المستقلّة نفسها في صلب معركة تدعيم أسس البناء وتحقيق السيادة الاقتصادية الكاملة على ثرواتها وقوتها، في ظل الوفاء لمبادئ الثورة التحريرية التي رسخت مبدأ اجتماعية الدولةّ، المترجم اليوم بالحرص الشديد على ضمان وصول المواد الأساسية إلى المواطنين بأسعار معقولة، وتأمين تموين السوق وتجفيف منابع الاستغلال والجشع التي حولت حاجات المواطن اليومية وقوته إلى وسيلة لتحقيق أرباح غير مشروعة.

بين نوفمبر 1954 ونوفمبر 2026، مسيرة متواصلة نحو جزائر مزدهرة وسيّدة في قراراتها على كل المستويات، بما فيها المستوى الاقتصادي، في ظل التحديات متعددة الأبعاد التي تواجه عالم اليوم، فمعركة الأمس اندلعت لطرد الاستعمار الفرنسي واسترجاع السيادة الوطنية، ومواجهة أبشع الجرائم المرتكبة في حق العزّل والمدنيين. أما معركة اليوم فهي قائمة على التصدي للمضاربين وكل الممارسات التي تجعل قوت المواطن رهينة للمضاربة والاحتكار.

في هذا الشأن، تتجه الجزائر الجديدة نحو مرحلة الحسم الاقتصادي، من خلال ضبط السوق وتحقيق الأمن الغذائي، فبين استحضار تضحيات جيل نوفمبر 1954 وتحديات الحاضر، تقود السلطات العليا للبلاد ثورة على المضاربين والوسطاء المتلاعبين بالأمن الغذائي للجزائريين، تنفيذا لالتزامات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الذي شدد في أكثر من مناسبة على التزامه بصون كرامة المواطنين وحماية قدرتهم الشرائية باعتبارهما خطا أحمر لا يمكن المساس بهما.

في خضم هذه المعركة جعل السيّد الرئيس، من الأمن الغذائي أحد أعمدة السيادة الوطنية، بما يتطلبه من دعم الإنتاج المحلي وحماية الفلاحين والمنتجين وتحسين قدرات التخزين وترشيد التوزيع وضمان  استمرارية تموين الأسواق بالمواد الأساسية. وهي تحديات تخوض الجزائر الجديدة غمارها في إطار ثورة اقتصادية اجتماعية تستهدف أيضا محاصرة المضاربين والمتلاعبين بقوت المواطنين.

في هذا الخصوص، تعد مكافحة المضاربة غير المشروعة ضمن الملفات التي أولتها السلطات العمومية اهتماما خاصا، حيث كلف رئيس الجمهورية السيّد عبد المجيد تبون، سنة 2021 وزير العدل بإعداد مشروع قانون خاص بمكافحة المضاربة مع إقرار عقوبات مشددة تصل إلى 30 سنة سجنا، بالنظر إلى خطورة هذه الممارسات وانعكاساتها على قوت المواطنين. وتجسد هذا التوجه بصدور القانون رقم 21-15 المتعلق بمكافحة المضاربة غير المشروعة، الذي جرم تخزين السلع أو إخفاءها بهدف إحداث الندرة واضطراب التموين، والرفع أو الخفض المصطنع للأسعار بطرق مباشرة أو غير مباشرة أو باستخدام وسائل احتيالية. كما أقر عقوبات تصل إلى السجن لمدة 30 سنة في حالات محددة، وإلى السجن المؤبد في الحالات التي ينص عليها القانون.

وشكل هذا الإطار القانوني أداة ردعية لمواجهة الممارسات التي تمس باستقرار السوق، واستهدف حبس السلع أو سحبها من التداول بقصد خلق الندرة والتلاعب بالأسعار، إلى جانب التصدي للممارسات الاحتكارية التي تضر بالمستهلك وتخل بقواعد المنافسة، بما يكرس مبدأ عدم التسامح مع كل الممارسات التي تستغل حاجيات المواطنين لتحقيق أرباح غير مشروعة.

فرض رقابة صارمة على السوق وتعزيز القدرة الشرائية

في 2022، ترأس رئيس الجمهورية، اجتماعا خاصا بمراقبة السوق ومكافحة المضاربة، خصص لدراسة وضعية السوق الوطنية والاضطرابات المسجلة في توزيع بعض المواد الاستهلاكية، وتشخيص الاختلالات التي أثرت على التموين. وشددت التوجيهات التي أسداها للحكومة في هذا السياق على ضرورة مواجهة الممارسات التي تضر بالسوق وتؤثر على توفر المواد الأساسية. وتواصل هذا التوجه لتنفيذ توجيهات رئيس الجمهورية، الرامية إلى تعزيز القدرة الشرائية وضمان توفر المنتجات الغذائية واسعة الاستهلاك، حيث تم إقرار تدابير للحد من تذبذب الأسعار وتنظيم الأسواق وضمان التموين المنتظم، مع مكافحة المضاربة التجارية وإقرار قانون يحدد القواعد المتعلقة بالمنافسة تعزيزا للحوكمة الاقتصادية ومواجهة الممارسات المنافية للمنافسة. 

وباعتبار الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن جوهر السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي تنتهجها الدولة، فإن نجاعة هذه السياسات تقتضي توفير منظومة تنظيمية متكاملة ومنسجمة، قادرة على ضبط السوق وضمان استقرار الأسعار وحماية مصالح مختلف الأطراف المتدخلة في النشاط التجاري. كما يشمل هذا التوجه وفقا لآخر التوجيهات التي أسداها السيّد الرئيس، للحكومة اعتماد منهجية جديدة في التعامل مع العمليات التجارية قائمة على تقليص تدخل الأطراف الدخيلة والحد من تعدد حلقات الوساطة غير المجدية التي تسببت في تضخيم الأسعار ورفع هوامش الربح دون مبررات.

تنظيم الوسطاء وتفكيك حلقات المضاربة

في إطار تعزيز الرقابة على السوق شددت توجيهات رئيس الجمهورية، خلال مجالس الوزراء المتعاقبة على ضرورة المتابعة الميدانية للمضاربين في بعض المنتجات، مع التشديد على ضرورة اتخاذ تدابير ردعية بحق المتورطين في التلاعب بقوت الجزائريين، من بينها إدراجهم ضمن قوائم سوداء ومنعهم من ممارسة النشاط التجاري، بما يساهم في تقليص هوامش الربح غير المبررة وإعادة الانضباط والشفافية إلى مسارات التوزيع. 

كما يندرج إشراك ممثلي أسواق الجملة في جهود تنظيم السوق ضمن الآليات الرامية إلى تحسين تدفق المعلومات وتحيين المعطيات الميدانية في الوقت المناسب، مع توفير تغذية عكسية للمنظومة الإدارية المشرفة على مختلف الأسواق. ويسمح هذا الإجراء بتعزيز التنسيق بين المتدخلين في النشاط التجاري، وتمكين السلطات المعنية من متابعة حركة السلع واستشراف احتياجات السوق بصورة أكثر دقة، بما يضمن استمرارية التموين وتفادي الاضطرابات التي قد تؤدي إلى صدمات سعرية أو تذبذبات في وفرة المنتجات.

كما تهدف هذه المقاربة إلى إرساء سلاسل تجارية أكثر سلاسة وفعالية، من خلال تقليص عدد الوسطاء واختصار مسارات التوزيع، بما يسمح بوصول المنتجات إلى المستهلك النهائي في ظروف أفضل، ويحد من الممارسات التي تؤثر سلبا على استقرار الأسعار والقدرة الشرائية للمواطن. ويشمل التوجه العمل على تفكيك شبكات الاحتكار، ومنع المتورطين فيها من الحصول على السجلات التجارية والتعامل مع البنوك، إلى جانب إحكام الرقابة على مخازن التبريد والتوزيع بما يساهم في الحد من حجم الاقتصاد الموازي وتضييق المجال أمام الممارسات القائمة على تخزين السلع أو التحكم في تدفقها بهدف إحداث الندرة أو فرض أسعار غير مبررة. وتعكس هذه الإجراءات توجها نحو الانتقال من مرحلة التوعية والتحذير إلى تطبيق تدابير ردعية أكثر صرامة في حق كل من يمس باستقرار السوق وإرساء بيئة تجارية أكثر شفافية، تقوم على احترام القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي وتكريس المنافسة.

شفافية الأسعار والرقمنة لضمان التموين

موازاة مع الإجراءات الردعية، يتجه الجانب التنظيمي نحو اعتماد آليات جديدة لتوضيح قواعد المعاملات التجارية وضمان قدر أكبر من الشفافية في تحديد الأسعار، مع توفير المرونة اللازمة لتكيف السوق مع مختلف المتغيرات. ويأتي ذلك في سياق معالجة إشكالية الأسعار غير المبررة، من خلال العمل على توضيح معادلة التسعير الخاصة بكل منتج، بما يسمح بتحديد مكونات السعر والحد من الممارسات التي تؤدي إلى تضخيمه على حساب المستهلك.

وتقتضي هذه المقاربة توفير معطيات دقيقة حول تكاليف الإنتاج والتوزيع وهوامش الربح، بما يساعد الجهات المختصة على تقييم الاختلالات والتدخل على أساس معلومات موضوعية. كما تسمح القواعد التجارية الواضحة بتحديد مسؤوليات مختلف المتدخلين في مسار تسويق المنتجات، وتعزيز الشفافية في المعاملات وحماية مصالح الأطراف المعنية بتنظيم السوق.

وشكلت الرقمنة رافعة أساسية لدعم هذه التدابير بالنّظر إلى قدرتها على توفير معطيات دقيقة ومحيّنة تساعد على اتخاذ القرارات في الوقت المناسب وبفعالية أكبر. كما يتيح تتبّع مسار المنتجات من مرحلة الإنتاج مرورا بمختلف حلقات التوزيع وصولا إلى المستهلك النهائي، حيث يسمح تتبّع مسار المنتجات وتحسين جمع المعلومات المتعلقة بحركة السلع، بتحديد الاحتياجات الحقيقية للسوق استنادا إلى معطيات ميدانية فعلية، مع تمكين الإدارة من استشراف تطورات السوق والتدخل بصورة أكثر دقة وفعالية لضمان وفرة المنتجات واستمرارية التموين.

7 تدابير لحماية قوت الجزائريين

بين روح نوفمبر 1954، ورهانات الجزائر الجديدة في بناء اقتصاد منتج وآمن غذائيا، تواصلت معركة حماية قوت الجزائريين باعتبارها مسؤولية اقتصادية واجتماعية، حيث جاءت التدابير التي أعلن عنها رئيس الجمهورية، في آخر اجتماع لمجلس الوزراء، لتؤكد التوجه نحو إعادة تنظيم السوق وتعزيز آليات الرقابة على الأسعار والتموين.

وشملت التدابير إعداد نص لتنظيم نشاط الوسطاء بين المنتجين والمواطنين، وإعداد نظام لتسقيف أسعار بعض المواد الاستهلاكية وتحديد هوامش الربح مع مراعاة تكاليف الإنتاج والتسويق، فضلا عن فتح تحقيق بشأن ممارسات بعض مستوردي اللحوم والفوارق المسجلة في أسعارها، وتعزيز الرقابة التجارية الميدانية للتصدي للتجاوزات ومراقبة حركة الأسعار عبر مختلف الأسواق. إلى جانب إنشاء قاعدة بيانات رقمية تسمح بمتابعة الأسعار ومدى توفر المواد الأساسية عبر مختلف الولايات، ورصد الارتفاعات غير الطبيعية، بما يتيح التدخل المبكر لمعالجة الاختلالات وضمان استقرار السوق.

وتشمل التدابير الجديدة استحداث آلية لشراء فائض الإنتاج المحلي وتخزينه، ثم إعادة طرحه في السوق عند ظهور المؤشرات الأولى لاضطراب الأسعار، للحد من ضياع المنتجات الفلاحية وضمان استمرارية التموين وتحقيق التوازن بين العرض والطلب، وإعداد نظام لتسقيف أسعار الخضر والبقوليات والعجائن واللحوم، وتحديد هوامش الربح ومتابعة الأسعار من خلال نظام غير مركزي، وإنشاء قاعدة بيانات رقمية كآلية إنذار تسمح بالتدخل عند تسجيل ارتفاعات غير عادية في الأسعار.

تطوير القطاع الفلاحي لتحقيق الاكتفاء الغذائي 

يشكّل الأمن الغذائي أحد أوجه استكمال السيادة الوطنية التي خاض الشعب الجزائري من أجل استرجاعها  ثورة مظفّرة لم يكن هدفها استعادة الاستقلال فحسب، بل تمكين الجزائريين من التحكم في خيرات بلادهم ومقدراتها وضمان كرامتهم. من هذا المنطلق، أدرج رئيس الجمهورية السيّد عبد المجيد تبون، تعزيز الأمن الغذائي ضمن أولويات برنامجه الرئاسي، من خلال وضع هدف تطوير القطاع الفلاحي وتقليص التبعية للاستيراد في صلب مسار تنويع الاقتصاد الوطني الذي يحقق تقدما ميدانيا نحو الحسم الاقتصادي. ويقوم هذا التوجه على تشجيع الاستثمار الفلاحي، وتوسيع المساحات الزراعية لاسيما في المناطق الصحراوية وتطوير الزراعات الاستراتيجية وفي مقدمتها الحبوب، إلى جانب دعم الفلاحين وتحسين ظروف نشاطهم، وتوفير العتاد الفلاحي وتوسيع استعمال المكننة لرفع المردودية وتحسين جودة الإنتاج.

كما يندرج تطوير أنظمة السقي وتعبئة الموارد المائية ضمن الأولويات الرامية إلى ضمان استمرارية النشاط الزراعي ومواجهة آثار الجفاف والتغيرات المناخية، حيث أولاه السيّد الرئيس، أهمية قصوى إلى جانب الأهمية التي يخصها لتعزيز قدرات تخزين المحاصيل الفلاحية وإنشاء الصوامع ومراكز التخزين والتبريد للمحافظة على الإنتاج الوطني والحد من ضياع المنتجات، وضمان توفرها على مدار السنة، مع اعتماد آليات لتخزين الفائض وإعادة طرحه في السوق عند الحاجة، بما يساهم في تحقيق التوازن بين العرض والطلب وحماية الفلاحين والمستهلكين، ورفع قدرات القطاع الفلاحي الذي يعوّل عليه كأحد أبرز القطاعات ضمن معركة تنويع الاقتصاد الوطني ورفع معدلات النّمو خارج قطاع المحروقات.