اعتبروها من بين عوامل تحقيق الاستقرار الاجتماعي
خبراء يؤكدون على استغلال النفايات كمورد للثروة ومصدر للعمالة
- 4251
حنان. س
دعا خبراء في البيئة والطاقات المتجددة الجهات المعنية إلى الإسراع في تبني مخطط عمل متكامل، يقوم على إعادة تثمين النفايات القابلة للرسكلة من أجل تحقيق أرباح بالملايير. وأوضحوا في حديث إلى "المساء"، أنه حان الوقت لاتخاذ جملة من الإجراءات الكفيلة بتقوية الاقتصاد الوطني ودّر عائدات جبائية مهمة على الجماعات المحلية انطلاقا من مبدأ المحافظة على البيئة، ما ينعكس إيجابا على النمط المعيشي للأفراد، وبالتالي على المساهمة في الاستقرار الاجتماعي.
تشير المعطيات الإحصائية إلى أن حجم النفايات المرمية سنويا بالجزائر يقدَّر بـ 12 مليون طن، رقم اعتبره خبراء البيئة منجما حقيقيا، بالإمكان استغلاله من أجل تقوية الاقتصاد الوطني، من خلال خلق سلسلة استثمارات تعتمد على استرجاع أنواع النفايات القابلة للتثمين، لعل أهمها البلاستيك والورق والحديد والألومنيوم وحتى بقايا عضوية مثل فضلات الماشية والبقر والأحصنة أو قشور البيض والبطاطا لإنتاج البيوغاز والأسمدة، والاستثمار في تصدير النفايات مما يدرّ العملة الصعبة ويقوي الاقتصاد الوطني، وينعكس إيجابا على تحقيق مزيد من المشاريع التنموية، الرامية إلى تحسين الإطار المعيشي للسكان، لاسيما أن مدننا في توسع مطرّد؛ ما يعني احتياجا متواصلا لمصادر تموين بعيدة عن ريع المحروقات لاستكمال مسيرة البناء والتشييد.
تثمين النفايات المنزلية.. مصدر للعمالة ومورد للثروة
«المساء" تحدثت إلى السيدة سهيلة برحو، أستاذة الاقتصاد بالمدرسة العليا الوطنية للعلوم السياسية بجامعة الجزائر صاحبة دراسة حول "تثمين النفايات المنزلية كمصدر للعمالة ومورد للثروة"، التي اعتبرت أن هذا القطاع منسي بعض الشيء في الجزائر لأسباب، ذكرت منها غياب المتابعة لخطط تعنى بتثمين النفايات من جهة، وغياب حس المواطنة لدى المواطنين فيما يخص تسيير النفايات المنزلية، فمن جانب التهيئة تقر الأستاذة بغياب وسائل متخصصة على مستوى الأحياء، التي تمكن المواطن من عملية الفرز الانتقائي. وترى أنه بتجهيز مختلف الأحياء بعتاد الفرز التلقائي فإنه سيتربى هذا الوعي مع الوقت لدى الأفراد، وبالتالي سهولة استرجاع مختلف أنواع النفايات، إضافة إلى إشكالية الاعتماد الكلي على سياسة الريع المبنية على عائدات البترول لعشريات متتالية، ما أدى بالسياسات المتعاقبة إلى إهمال تنويع الاقتصاد، ولعل أهمه الاقتصاد الأخضر.
وقارنت الأستاذة الجزائر بدول أخرى فاقتها تجربة من حيث تثمين النفايات المنزلية وأصبحت لديها صناعات قائمة في هذا المجال مع استغلالها اقتصاديا، إلى درجة أصبح يطلق على النفايات تسمية "مادة أولية"؛ كونها مُدخلات لمنتجات، والمعروف أن كل ما يدخل في إنتاج مادة ما يطلق عليه هذه التسمية. ومثلت في نفس السياق برسكلة الورق، التي تقول إنها مربحة 100 %، مؤكدة على أهمية وعي المواطن حاليا بأنه إذا قام برمي الورق فكأنه يرمي مبالغ مالية، فإذا تم رسكلة الورق فإنه يتم ربح ورق آخر، موضحة أنها ليست بالعملية المعقدة، يكفي فقط توعية المواطن بأهمية هذا الفعل، ومنه عدم خلطه بنفايات أخرى، وبالتالي تجنب إتلافه وإعادة تثمينه. كما تدعو، بالمقابل، إلى تقوية صناعة الإشهار القائم على التوعية البيئية؛ تقول: "ندعو وسائل الإعلام إلى لعب الدور المنوط بها من خلال بث ومضات إشهارية تثقيفية، تحفّز المواطن على الفرز التلقائي للنفايات بمنزله، وأهمية الأثر الإيجابي لذلك على حياته المجتمعية؛ سواء من حيث الحفاظ على بيئة ومحيط نظيفين؛ ما ينعكس بدوره على الحفاظ على الصحة العمومية، أو من حيث الكلفة الاقتصادية لتثمين النفايات التي تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني، وبالتالي على الرفاهية الاجتماعية للأفراد من خلال تحسين المستوى المعيشي".
والنفايات كمصدر للعمالة تراها الأستاذة عبر إقامة مصانع لجمع النفايات المسترجعة وفرزها، فالعمل هنا يتم عبر تشغيل بطالين للقيام بفرز الورق والكرتون والبلاستيك وغيرها من النفايات دونما طلب لتكوين خاص بهؤلاء العمال، مشيرة إلى أن مصانع الفرز والرسكلة يمكنها تشغيل عشرات العمال، وبالتالي المساهمة في استقرار الدخل المعيشي للأسر.
تحويل سلبية الاستهلاك إلى أفكار إيجابية مدرّة للعملة الصعبة
وعن الرفاهية الاجتماعية المحققة انطلاقا من المحافظة على البيئة جاءت مبادرات شباب مهتمين بالمجال البيئي عبر تبنّي أفكار ومفاهيم يمكن تحويرها لاستثمار مدر للأرباح اقتصاديا وعلى استقرار المجتمع ككل، ومنها مبادرة الشاب العربي أولحسن، باحث في الاقتصاد بجامعة الجزائر، الذي يتحدث عن تجربتين من الممكن جدا تبنّيهما لآثارهما الإيجابية على الفرد والمجتمع، ومنه فكرة تصدير النفايات. ويشرح فكرته بقوله: "المجتمع الجزائري مجتمع مستهلك؛ مما ينتج عنه أطنان من النفايات، وهنا يمكن تحويل نقاط الضعف إلى نقاط قوة عبر التسيير الجيد للنفايات، بتصديرها لبعض الدول الأوروبية التي تهتم بالنفايات من أجل صناعة الغاز الطبيعي والأسمدة الفلاحية". ويضيف: "أنا هنا أقترح فتح ميناء خاص بتصدير النفايات في إحدى المدن الساحلية، يكون منقسما على اثنين؛ حيث يخصص قسم لاستقبال النفايات المفروزة، وقسم ثان لتجميع النفايات وفرزها، ثم توظيبها وشحنها للتصدير. هذا المشروع في مرحلة أولى، يمكن أن يكون وراء خلق آلاف مناصب الشغل، ما ينعكس إيجابا على امتصاص البطالة، وبالتالي على الاستقرار المجتمعي من جهة، كما أنه سيكون معولا واحدا لتحقيق 3 أهداف، أولها تخليص الأحياء والمدن من النفايات، والثاني خلق مناصب شغل، والثالث در العملة الصعبة وتقوية الاقتصاد الوطني بعيدا عن المحروقات".
وللباحث الشاب فكرة أخرى تصب في مجال تثمين النفايات عن طريق تحويلها إلى وحدات اتصال لأحد متعاملي الهاتف النقال بالجزائر. ويشرح فكرته بالقول إنه من الممكن اتخاذ من بعض الشواطئ نموذجا يجعل المصطافين يتسارعون لجمع النفايات، ثم التقرب من فضاء خاص يزن النفايات ويحوّلها إلى وحدات هاتف نقال يربحها الشخص. يرى الشاب أن مثل هذه الأفكار لها بالغ الأثر الإيجابي على الحياة اليومية للأفراد، تجعلهم يسارعون إلى ربح وحدات الهاتف النقال من جهة، وفي سباق محموم لجمع أكبر قدر من النفايات وبالتالي حفاظ متواصل على البيئة الشاطئية التي تعتبر من العوامل الجالبة للثروة محليا، من جهة ثانية.
ويؤكد الشاب أن هذه الفكرة تم تطبيقها بشواطئ ريوديجانيرو البرازيلية، والنتيجة كانت مذهلة، آثارها مازالت إلى اليوم، وشواطئ هذه المدينة الساحرة وصل صداها العالمي إلى أبعد الحدود؛ "وكله تسويق لصورة البلد سياحيا، وجلب لمزيد من الاستثمار الجالب للثورة"، يقول العربي أولحسن.
من جهته، يرى الشاب نبيل عبود طالب سنة رابعة دكتوراه تخصص البيئة الحضارية بجامعة باب الزوار، أن العمل الجدي والمتواصل للتربية البيئية التي تستهدف الأطفال، نقطة أساسية لإعداد أجيال مستقبل واعين بأهمية المحافظة على البيئة؛ من أجل حياة سليمة خالية من مسببات الأمراض والضغوط النفسية، ثم تليها نقطة جلب اهتمام الشباب لفتح مؤسسات مصغرة تعنى بالتنمية المستدامة.
في السياق، يتحدث الشاب عن تجربته في فتح مؤسسة مصغرة مؤخرا، "عبارة عن مكتب دراسات لترقية السياحة البيئية، هدفها الأساس ديمومة العمل التوعوي بقضايا البيئة، وجدية ارتباط المحافظة عليها بمدى تحقيق التنمية المستدامة لمجتمعنا، لاسيما ما تعلق بالجانب السياحي المدرّ للأرباح".
الأخصائي النفساني مسعود بن حليمة لـ "المساء": الحفاظ على بيئة نظيفة عنوان التحضر
يعتقد د.مسعود بن حليمة عضو المجلس الوطني للرابطة الجزائرية للفكر والثقافة مختص في علم النفس العيادي وعضو المكتب الوطني لمبادرة صناعة الغد واليقظة البيئية، أن التدهور الذي أصبح سمة الصحة العمومية في العصر الحالي بالرغم من التطور المعرفي والتكنولوجي الكبير، إنما مرده أساسا إلى البيئة الملوثة المسببة لتفشي الأمراض والأوبئة.
يقول المختص النفساني في حديث إلى "المساء"، إن التفكير في مبادرة صناعة الغد التي يرأسها الدكتور بشير مصيطفى في التأسيس لليقظة البيئية، هدفها الأساس تلقين الفرد كيفية وضع المحافظة على البيئة كأولوية قصوى"، مبرزا أن الاهتمام الأول بقضايا البيئة ينبع في البداية من الأسرة، داعيا الأولياء لأن يكونوا قدوة لأبنائهم وأن لا يستصغروا أي تصرف من شأنه ترسيخ صورة سلبية عند الطفل تجاه بيئته؛ كرمي بقايا الأكل عشوائيا، أو تبذير المياه أو حتى البصق على الطريق العمومي، وغيرها من السلوكيات المرَضية ذات التأثير السلبي على الأجيال، وبالتالي على نوعية حياتهم في مجتمعهم.
ويرى المختص النفسي أن تحسين مثل هذه السلوكات مرتبط بالأسرة النواة الأولى في المجتمع، ومن أجل ذلك يدعو الوالدين إلى تعزيز الاهتمام بالمحافظة على المحيط نظيفا، وعدم الرمي العشوائي للنفايات حتى وإن كان كوبا ورقيا يوضع جانبا عوض رميه في سلة المهملات.
كما يعتقد الأستاذ بن حليمة أن الإشكال الحقيقي في الإهمال العام الحاصل لدى العامة حول أهمية المحافظة على البيئة، لا يكمن في مدى تطبيق مجمل القوانين الردعية، "وإنما الاهتمام على المستوى الفردي للأشخاص بسؤال مفاده: لماذا أنا لا أطبّق القانون؟ فالمنطق يقول إن كل ما فيه منفعة للفرد يؤخذ به والعكس، وهنا من المهم جدا إعادة بناء شخصية الأفراد"، يشرح المختص، مضيفا أن المجتمع الجزائري لم يصل بعد إلى مرحلة التحضر رغم مظاهر التمدن البادية عليه شكليا، غير أنه يؤكد إمكانية استدراك الأمور عن طريق التكامل بين مختلف المصالح؛ من أسرة ومدرسة ومسجد ومحيط "من أجل تكوين الفرد مثلما كان عليه الأمر سنوات السبعينات والثمانينات، لما كانت العائلة الكبيرة تربي، والجار كذلك والمدرسة توعّي والشارع ينهى.. ففي الأخير الأخلاقيات تفرضها الجماعة ومنه المجتمع برمته، ولما نصل إلى مثل هذه القناعة يمكنني القول حينها إن مسألة الحفاظ على بيئة نظيفة لن تكون فقط عاملا للسعادة الاجتماعية وإنما ستكون السعادة بعينها؛ كونها عنوان التحضر الحقيقي"، يختم الأخصائي النفساني مسعود بن حليمة حديثه إلى "المساء".