"المساء" تغوص في عالم التراث الأوراسي
حرف وألبسة تقليدية ترمز للإبداع والاصالة
- 231
عبد السلام بزاعي
تعد المهن والحرف الشعبية القديمة التي مازالت تمارس حتى وقتنا الحاضر أو التي اندثرت جسرا لربط الماضي العريق بالحاضر المشرق، ويعد اللباس التقليدي مزيجا معقدا يجمع بين التراث المادي واللامادي؛ وتجسد هذه الحرف والمهن أصالة الآباء والأجداد وتذكر بتاريخهم المجيد وبنتاجهم الإبداعي الإنساني العريق المتمثل في الصناعات اليدوية والحرف التقليدية، في وقت تفتقر فيه الوسائل العصرية الحديثة لتقنيات وفنيات الإبداع الطبيعي المميز، سعت "المساء" في هذا السياق، إلى تسليط الضوء على جزء من هذا الموروث الثقافي بمنطقة الأوراس وذلك تزامنا والاحتفالات برأس السنة الأمازيغية 2976.
من البديهي كذلك أن يستلهم الفنان أحاسيسه من محيطه ويخلق لنفسه فضاءات يتقاطع فيها الإبداع لونا وشكلا ومضمونا مع طموح كل مبدع. حقيقة وقفت عليها "المساء" في الأوراس الكبير الذي يحاكي الحضارة، اين التقت الحرفية مليكة سلامي بمحلها الكائن بمدينة تكوت، والمعروفة باسم "ثافسوث ايبهان" وتعني بالعربية "الربيع الجميل"، اين تعرض أعمالها المتقنة وتشارك في كل المعارض.
إذا دفعك الفضول لمعرفة ما تصنعه أنامل هذه الحرفية أسعار ما تعرضه من ملحفات شاوية وقشابية وأشياء أخرى فإنك ستدرك اهتمام هذه الحرفية بتراث المنطقة المتأصل في جذور الحضارة، فمن دون شك سوف لن تقف سوى على حقيقة الإبداع والحس المرهف لدى هذه الحرفية التي جعلت من هذه الحرفة مصدر قوت عائلتها بأسعار أقل ما يمكن القول عنها سوى أنها "رمزية". أوضحت مليكة المختصة في خياطة الألبسة وصناعة الزرابي برفقة والدتها فاطمة دنداني أن الدافع وراء عملها كمصممة للحرف اليدوية نابع من مهارتها وقدراتها الإبداعية للعمل اليدوي وهي حرفة عائلتها المتوارثة، إلى جانب ذلك تتطلع محدثة "المساء" التي تلم إلماما تاما بتاريخ المنطقة ويستعان بها في بعض الأوقات كدليل سياحي للارتقاء بالحرفة اليدوية لإدراك المستويات العالمية، وأكد في هذا السياق، أن ما تقوم به، يعد واجب وطني لإحياء التراث الشعبي، وتطوير الحرف اليدوية، والجمع بين التراث الشعبي والفن المعاصر. وأشارت إلى أن تصاميمها ترقى لأذواق السياح الذين يقتنون كل ما له من علاقة بالتراث لمساعدة كل الحرفيين من قريناتها وتثمين إبداعاتهن. ترفع هذه الحرفية نداء من خلال جريدة "المساء" إلى السلطات المحلية لمساعدتها وتشجيعها لإقامة معارض لمنتجاتها الحرفية التي لها مواصفات عالمية بهدف تمكين الحرفيين من العمل في ظروف ملائمة للإسهام في بعث وترقية السياحة بالمنطقة. وأضافت أنها تنتظر مبادرات من السلطات المحلية لأخذ انشغالاتها مأخذ الجدية للتشهير بتراث المنطقة وبالمقابل تبحث عن مقر يمكنها من اختصار الوقت والتفرغ للإبداع.
وعن طبيعة عملها قالت المتحدثة "بنت شناورة" الواقعة بتكوت في عمق الريف الأوراسي "أصمم أعمالي بصدق نية وقمت بتصميم وتنفيذ كافة الهدايا وتغليف المجسمات، مضيفة: "أعمالي مكملة للسياحة وترويج لتراث المنطقة".
وعن تقييمها لنشاط الحرفيين بالولاية وتصوراتها لمقومات نجاح الحرف اليدوية أضافت المتحدثة صاحبة أكثر من 30 سنة في الاختصاص، أن ثمة عوامل يجب أن تتوفر لبلوغ المسعى الحقيقي، مثمنة جهود الحرفيين والحرفيات الذين تم صقل مواهبهم بمراكز تكوين جزائرية، مشيدة بدورها على أهمية التكوين.
وشددت، أيضا، في هذا الصدد، على ضرورة مرافقة المبدعين الشباب ودعم أنشطتهم للحفاظ على الحرف اليدوية، مؤكدة أن المنتوج الذي تصنعه الأنامل لا تعوض جمالياته الآلات الحديثة للتصاميم. مشيرة إلى أن تثمين الباداع المحلي يعد إشغالا رئيسيا وسط الحرفيين، الذي يسعون إلى تأمين الوظيفة وديمومتها بتخصيص مكان لائق لإنجاز أعمالهما وعرضها.
وتعد الحرفية سلامي مليكة من أبرز حرفيات المنطقة، شاركت، هي الأخرى، في عدة معارض محلية ووطنية ولقبت بالمجاهدة في فترة جائحة "كورنا"، كما وصفها رئيس المجلس الشعبي البلدي الاسبق بتكوت لحسن بزاحي، إذ قامت في تلك الفترة بخياطة 9 آلاف كمامة بشهادة غرفة الصناعات التقليدية، فضلا عن اللباس الواقي للأطباء والمرضى ودعمت عدة جهات على غرار الحماية المدنية، ومستشفى تكوت ومستوصفات الدائرة والبلدية وبلديات مجاورة كغسيرة وإشمول بمشونش وثنية العابد وتلاميذ المدارس خصوصا الذين كانوا مقبلين على شهادتي "الباك" و "البيام" وحظيت بعدة تكريمات من ولاة و«أميار" وغرفة التجارة والصناعات التقليدية بباتنة .
وفي ختام حديثها رفعت ندائها لقراء الجريدة بالدعوة لابنها أسامة 29 سنة بالشفاء وهو يعاني من مرض لمدة
الملحفة الشاوية"... ذاكرة بصرية تعيد إنتاج ثقافة شفوية ورمزية
تتحول "الملحفة" في المناسبات الخاصة، مثل الأعراس، المواسم الفلاحية، أو الاحتفالات الدينية، إلى وسيلة استعراض للهوية، إذ تتفنن النساء في اختيار أجود أنواع الأقمشة، وأكثر أشكال التزيين تعقيدًا. وهي بذلك تساهم في بناء ذاكرة جماعية بصرية تعيد إنتاج الثقافة الشفوية والرمزية.
تعد "الملحفة الشاوية" واحدة من أبرز تجليات اللباس التقليدي في الجزائر. وهي قطعة قماش تُرتدى، تعبر عن الهوية، والمكان، والانتماء. فمنذ قرون، نسجت المرأة الشاوية من خيوطها وضعت فيها بصمتها، وقوتها، وأسرارها، في صراع يومي مع الحياة والطبيعة.
تستعمل "الملحفة" في المناسبات الخاصة، مثل الأعراس، المواسم الفلاحية، أو الاحتفالات الدينية، تتحول الملحفة إلى وسيلة استعراض للهوية، ومن خلال جودة الأقمشة واشكال التزيين تساهم في بناء ذاكرة جماعية بصرية تعيد إنتاج الثقافة الشفوية والرمزية.
وتشكل في مضامينها أداة تواصل و رمزية في مجتمع تقليدي. من خلالها تعلن المرأة عن وضعها الاجتماعي، وتُعبر عن احترامها للتقاليد. كما تُستخدم كوسيلة للتمايز بين القبائل، حيث تختلف بعض تفاصيل اللباس بين منطقة وأخرى. تُصنع الملحفة تقليديًا من الصوف المغزول يدويًا، أو من القطن في النسخ الصيفية منها، وتوظف فيها ألوانا داكنة مثل الأسود، الأحمر، أو الأخضر، وكل لون له دلالته. كما تشمل زخارف بسيطة، وأخرى بخطوط عرضية، أو بتطريزات على الحواف، وغالبًا ما تُترك سادة لتُبرز جمالية المجوهرات الفضية التي ترافقها. تقول السيدة مليكة إن هذا اللباس يسمح بالحركة، يحمي من البرد، ويمنح نوعًا من الخصوصية الجسدية والاجتماعية، وتمتد إلى العصور الأمازيغية القديمة، الذي ارتبط بوظائف رمزية، طقوسية، واجتماعية. ويعبر لباس الملحفة عن الانتماء إلى القبيلة، وعن الوضعية الاجتماعية للمرأة، بل وحتى عن حالتها العائلية عزباء، متزوجة، أرملة.
تثبت الملحفة على الكتفين بواسطة خلالات فضية شبيهة بدبابيس زخرفية، حسبما أوضحته محدثتنا التي أوضحت أن الخلالة في المخيال الشعبي الشاوي رمزًا للحماية الروحية من العين والحسد وللزينة والجمال.
تُلف الملحفة على الجسم بطريقة محددة تُعَلَّم من الأم إلى الابنة، وتُربط عند الخصر بحزام يُعرف بـ السبنيولة، وهو عنصر جمالي آخر، غالبًا ما يكون مزخرفًا بألوان زاهية أو شراشيب. دعت محدثتنا إلى تكثيف الجهود للحفاظ على اللباس التقليدي ككل لمواجهة ما ترتب عن الحداثة، التي ستسهم بحسبها في اندثار الحرف اليدوية وتراجع استخدامها اليومي عبر تنظيم عروض أزياء تراثية، أو من خلال إدماج بعض عناصر الملحفة في التصاميم العصرية. كما بدأت بعض دور الأزياء الشابة في تحديث الملحفة لتصبح قابلة للارتداء اليومي دون فقدان هويتها الأصلية
صناعة الزرابي.. تراث بألوان الطبيعة
تعتبر صناعة الزرابي في باتنة جزء من التراث الجزائري العريق، وتتميز بتصاميمها الفريدة وألوانها الزاهية. تُصنع الزرابي يدويًا باستخدام خيوط الصوف أو القطن، وتتطلب مهارة وصبرًا كبيرين.
وعن عملية صناعة الزربية تقول الحاجة فاطمة دنداني البالغة من العمر 71 سنة وهي والدة الحرفية مليكة سلامي المعروفة بالمنطقة بتسمية "ثافسوث ايبهان" وتعني بالعربية "الربيع الجميل"، توجد أنواع مختلفة مثل زربية بابار وزرابي النمامشة والحراكتة، ولكل منها طابعها الخاص. تُستخدم الزرابي في تزيين المنازل وتعتبر من أهم الصناعات التقليدية في المنطقة.وتكون من جز صوف الغنم، ثم غسله وتنظيفه، ثم صبغه بمواد طبيعية، ثم غزله ونسجه على النول.
وعن كيفية صناعتها تقول محدثة "المساء": "الزريبة ي جزء من الحياة الاجتماعية للمرأة الأوراسية، وتعد من أبرز مكونات تجهيز الفتاة لزفافها لكل منطقة رسوماتها ورموزها وزخارفها الفنية في الزاربي ولكل منطقة رموز وزخارف خاصة بها".
أداة تعبير عن المشاعر ورمز للحياء
تروي الحاجة فاطمة أن الفتاة الشاوية كانت تعبر دوما عما يختلجها من مشاعر الفرح أو الحزن، بما ترسمه من أشكال في الزربية التي تنسجها، كلمت استحت عن الإعلان لأهلها عن رغبتها في الزواج، تعبر عن ذلك برسم أو شكل تجسده في زربيتها يعكس أحاسيسها ورغباتها.
أضافت المتحدثة أن أصالة الزربية البابارية، تعكس حياء وحشمة أهلها الذين كانوا يستعملون إحدى أنواعها، وهي زربية "الدراقة"، من "الدرقة" بالعامية، والخفية والتخفي باللغة العربية، في الفصل بين النساء والرجال داخل المنزل الواحد وفي الخيام،. مشيرة إلى أن الزربية الشاوية كانت ولا تزال الفراش والغطاء وزينة البيت. وحثت النساء للحفاظ على هذه الحرفة وتعليمها للأجيال.
الزربية التقليدية "مهددة" بالزوال
ولم تخف الحرفية فاطمة مخاوفها من زوال هذه الحرفة مع التطور الحاصل بسبب زحف الوسائل التقنية الحديثة من خلال غرق السوق بالزرابي الصناعية التي انتشرت بشكل ملفت. وتدعو محدثتنا لتكثيف الجهود الاعتبار وتثمين الزربية التقليدية من خلال تنويع المعارض لجلب السياح.
تعيش الحاجة فاطمة الطقوس القروية بشناورة بكل تفاصيلها ولا تزال مولعة بتراث المنطقة رغم تقدمها في السن تسرتجع ذكريات الحرفة التي أرثتها اب عن وجد وهي اليوم تعلمها لبناتها وحقيداتها . شهدت في عدة مناسبات بمشاركاتها النوعية رفقة ابنتها مليكة وحرصت كل الحرص على الحفاظ على الموروث المادي وغير المادي بالمنطقة.