الملحمة السينمائية المنتظرة للأمير عبد القادر
جسر تاريخي بين بناء الدولة والإنسانية والجمالية العالمية
- 180
دليلة مالك
إنّ التفكير في إنجاز فيلم سينمائي عن الأمير عبد القادر لا يتعلق بمجرد استعادة سيرة شخصية تاريخية بارزة، ولا يقتصر على تخليد رجل قاد المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر. فالمسألة أعمق من ذلك، لأنها ترتبط بكيفية قراءة التاريخ، وبقدرتنا على نقل الذاكرة الوطنية من صفحات الكتب إلى الشاشة، حتى تصبح قريبة من الأجيال الجديدة، وقادرة على مخاطبة جمهور يتجاوز حدود الجزائر.
يأتي مشروع الفيلم السينمائي الضخم حول الأمير عبد القادر في سياق رهان ثقافي واستراتيجي كبير تقوده الدولة الجزائرية، متجاوزاً فكرة التوثيق السِّيَري الكلاسيكي نحو تقديم قراءة بصرية تستجيب للمعايير السينمائية العالمية. ويندرج هذا العمل، الذي يحظى بمتابعة مباشرة ورعاية حثيثة من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، ضمن أدوات ترسيخ الذاكرة الوطنية وتقديم نموذج الدولة الجزائرية الحديثة وقيمها الإنسانية الخالدة في قالب درامي عالمي، قادر على اختراق المنابر المهرجانية الدولية وحوار الحضارات.
ولتحقيق هذه القفزة النوعية وتفادي عثرات المشاريع الأربعة السابقة التي لم ترَ النور عبر محطات تاريخية متباعدة منذ عام 1979، جرى تجنيد بنية مؤسساتية وأكاديمية متكاملة. وفي هذا الصدد، صرّح سليم عقار، المدير العام للمؤسسة العمومية "الجزائري" المكلّفة بإنتاج الفيلم، لـ"المساء"، بأنّ عملية التواصل مع مخرج عالمي وشهير لقيادة هذا العمل الضخم لا تزال مستمرة، ولم يتم الفصل فيها بشكل نهائي بعد، إذ ترتبط هذه الخطوة بالحسم الكامل في النص. كما أوضح عقار أنّ السيناريو يخضع حالياً لـ"اللمسات الأخيرة" والمراجعات المعمّقة، وينتظر أن يتم الانتهاء منه كلياً قبل نهاية هذه السنة، لافتاً إلى أنّ انطلاق عملية تصوير الفيلم مقترح ومبرمج قبل نهاية سنة 2027.
وتشرف على مراجعة هذه المادة التاريخية بدقة بالغة لجنة علمية تضم قامات فكرية وأكاديمية بارزة، مثل الباحث جمال يحياوي والروائي واسيني الأعرج، لضمان الأمانة العلمية وتفادي أي نقائص تقنية أو درامية. ومن الناحية السردية، يتمحور الفيلم حول ثلاث محطات مفصلية ومترابطة تعكس الأبعاد المتعددة لشخصية الأمير: تبدأ بمرحلة المقاومة وبناء ركائز الدولة والجيش المنظّم منذ مبايعته عام 1832، ثم تنتقل بسلاسة لرصد فترة المنفى والأسر في قصر أمبواز بفرنسا بأبعادها السياسية والدبلوماسية وحوار الأديان، وصولاً إلى ذروتها الإنسانية والروحية في دمشق. وهناك سيعيد الفيلم تصوير موقفه البطولي العالمي والنبيل في حماية مسيحيي الشرق عام 1860، وهو الإنجاز التاريخي الذي جعله مرجعاً دولياً كبيراً في تاريخ القانون الدولي الإنساني.
أما على الصعيد الميداني واللوجستي، فإنّ الخطة التنفيذية للمشروع تسير وفق استراتيجية ممتدة الأطراف. فبمجرد الفراغ من اللمسات الأخيرة للسيناريو وضبط العقد مع المخرج والنجوم العالميين، ستُخصَّص الفترات اللاحقة للتحضيرات التقنية وبناء الديكورات الضخمة وصناعة الأسلحة والإكسسوارات التاريخية، بمشاركة كفاءات جزائرية ودولية. وتسعى الجزائر، من خلال استغلال مواقع تصوير وطنية ساحرة وهياكل معمارية أصيلة، كجامع قسنطينة ومواقع بتلمسان والعاصمة، إلى تقديم ملحمة سينمائية هوليودية المعايير، لتكون بمثابة وثيقة بصرية حية تقدّم للعالم بأسره قصة قائد فذّ لم يدافع عن سيادة وطنه فحسب، بل دافع بضراوة عن كرامة الإنسان وقيم التعايش المشترك المشعّة عبر العصور.
إنّ اختيار الأمير عبد القادر موضوعاً لفيلم سينمائي يطرح، في حدّ ذاته، سؤالاً مهماً: لماذا نحتاج اليوم إلى إعادة رواية قصة رجل نعرف اسمه ونستحضر صورته في مناسبات عديدة؟ ربما لأنّ معرفتنا بالشخصيات التاريخية لا تعني بالضرورة أننا فهمناها، ولأنّ ما يصل إلى الأجيال الجديدة عن هذه الشخصيات غالباً ما يبقى محصوراً في عناوين عامة وصور مختزلة، لا تكشف دائماً عن تعقيد التجربة الإنسانية والسياسية التي عاشتها.
فالأمير الذي واجه الاحتلال الفرنسي لم يكن يتحرك في ظروف سهلة، بل كان يحاول بناء سلطة وتنظيم مجتمع والدفاع عن أرضه في مرحلة شديدة الاضطراب. وقد تطلّبت تجربته اتخاذ قرارات سياسية وعسكرية صعبة، وخوض معارك، والدخول في مفاوضات، والتعامل مع موازين قوى متغيّرة. وهذه التفاصيل هي التي تمنح قصته قيمتها الدرامية، لأنها تتيح للسينما أن تقترب من الإنسان خلف الرمز، وأن تكشف التحديات التي واجهها والخيارات التي فرضها عليه عصره.
ولا تتوقف أهمية الأمير عبد القادر عند حدود المقاومة الوطنية. فمحطته في دمشق سنة 1860، عندما ساهم في حماية مسيحيين خلال أعمال العنف الطائفي، تقدّم جانباً آخر من شخصيته، وتفسّر جزءاً من حضوره في الذاكرة الدولية. فهذه الواقعة تفتح المجال أمام تناول قضايا لا تفقد أهميتها بمرور الزمن، مثل حماية المدنيين، ورفض الانتقام الجماعي، واحترام الإنسان بصرف النظر عن انتمائه الديني. وهي موضوعات يمكن أن تجعل الفيلم مفهوماً لدى جمهور عالمي، من دون أن يفقد خصوصيته الجزائرية.
ومن هذه الزاوية، يمكن للفيلم أن يؤدي دوراً يتجاوز التعريف بشخصية تاريخية. فهو فرصة لتقديم جزء من تاريخ الجزائر إلى العالم من خلال حكاية إنسانية متكاملة، تضع المقاومة في سياقها التاريخي، وتبرز العلاقة بين الدفاع عن الوطن والمسؤولية السياسية والأخلاقية. فالأعمال السينمائية التي تبقى في الذاكرة ليست بالضرورة تلك التي تكتفي بعرض عظمة أبطالها، بل تلك التي تنجح في جعل المشاهد يفهم دوافعهم وصراعاتهم، ويتفاعل مع اللحظات الحاسمة في حياتهم.
لكنّ إنجاز فيلم عن الأمير عبد القادر يفرض في المقابل مسؤولية كبيرة على صنّاع العمل. فالتحدي لا يكمن في تقديم شخصية مثالية، ولا في تحويل التاريخ إلى خطاب احتفائي، وإنما في بناء صورة فنية تستند إلى الوقائع وتراعي تعقيدات المرحلة. فالمشاهد لا يحتاج إلى تكرار ما يعرفه عن مكانة الأمير بقدر ما يحتاج إلى اكتشاف تفاصيل تجربته، وفهم الظروف التي أحاطت بقراراته، والتعرف على الإنسان الذي عاش خلف الصورة التاريخية.