تكريس للوحدة وتمسك بالهوية وامتداد للتراث
  • ملفات
  • قراءة 886 مرات
❊ رشيدة بلال  ❊ رشيدة بلال

السنة الأمازيغية الجديدة 2970

تكريس للوحدة وتمسك بالهوية وامتداد للتراث

يعد الاحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة، واحدة من المحطات التاريخية الهامة التي تجتهد فيها المرأة في مختلف ربوع الوطن، لعرض كل ما تستطيع القيام به، تعبيرا عن فرحتها بالمناسبة، ويتجلى ذلك في تقديم ما نقلته عن الأمهات والجدات من موروث وعادات وتقاليد، تتمحور حول الأكلات التقليدية أو اللباس أو حتى إحياء بعض المعتقدات والخرافات التي  يؤمنون بها، من باب الاستبشار بسنة خيرة والتفاؤل بموسم ناجح، وبعد ترسيم الاحتفال بالسنة الأمازيغية كعيد وطني، اتجهت الجمعيات إلى تثمين هذه الاحتفالية، بتنظيم معارض تعكس مدى تمسك الجزائري بهويته، وهو ما وقفت عليه المساء في التظاهرة التقليدية المرسخة لهذا الحدث التاريخي، والتي سلطت فيها رئيسة الجمعية السيدة سعاد مخالدي مسعودي، الضوء على طريقة الاحتفال بالمناسبة في عدد من الولايات، بهدف التأكيد على فكرة الوحدة والانتماء والهوية.

تجولت المساء بين العارضين الذين قدموا من 11 ولاية، للمشاركة في التظاهرة التي احتضنها المركز الثقافي عيسى مسعودي بالعاصمة، حيث وقفنا على التنوع الكبير في الموروث التقليدي المخلد لهذا الحدث التاريخي، ولعل أولى الملاحظات بعد الاحتكاك بالحرفيات المشاركات -بعضهن مؤطرات في جمعيات تعنى بالمحافظة على الموروث التقليدي، وأخريات ريفيات من أصحاب المشاريع- أن التركيز كان كبيرا على تقديم كل الأطباق التقليدية التي تحضر بطرق وتسميات مختلفة، بما في ذلك الحلويات التي عادة ما يتم تحضيرها ليلة الاحتفال بدخول السنة الأمازيغية، وقناعتهن من وراء هذا الحرص أن الغاية من الاحتفال، هو جمع العائلة حول مائدة واحدة، واعتبار المناسبة فرصة لترك الخلافات والتفاؤل بسنة جديدة مليئة بالمفاجآة السارة، والتضرع إلى الله ليكون الموسم بالنسبة للفلاحين خيرا، ونقل ما تداوله المؤرخون حول حقيقة الاحتفال للأجيال، لربطهم بماضيهم العريق.

«البركوكس بالأعشاب وبيض السمان تفاؤلا بسنة خيرة

أولى الأجنحة التي استوقفتها لبحث كيفية الاحتفال بهذه المناسبة السنوية، كانت جناح الحرفية في الصناعات التقليدية، حميدة عجاج، من ولاية عين الدفلى، قدمت أشهر طبق تقليدي يحضر في الولاية لاستقبال السنة الأمازيغية، ممثلا في طبق البركوكس بالأعشاب والمزين ببيض طائر السمان، الذي عادة ما يتم تحضيره في كل ولايات الوطن، لأنه من الأطباق التقليدية الأمازيغية القديمة. في معرض حديثها، أوضحت أن النساء بالولاية يحرصن على الاحتفال بحلول السنة الأمازيغية الجديدة، بتحضير مأدبة عشاء قد تكون ممثلة في طبق الشخشوخة باللحم أو الكسكسي المزين بكل أنواع الخضر الموسمية، وحسبها، فإن الهدف من الاحتفال، هو استظهار عدد من التقاليد التي تزخر بها الجزائر، سواء في ما يخص الأطباق التقليدية أو  اللباس، أو حتى في بعض الحرف، خاصة أن جيل اليوم أبدى نوعا من القطيعة مع كل ما هو تراث بفعل التأثير التكنولوجي، لافتة إلى أن أشهر المعتقدات التي نجدها في كل الولايات، استبشارا بالسنة الفلاحية الجديدة؛ وضع أصغر طفل في العائلة في قصع خشبي ورمي المكسرات  والحلويات عليه، إلى جانب تحضير طبق الشرشم الذي يكون الغرض منه، التفاؤل بسنة مليئة بالخير الوافر بقدر حبات القمح، تقول الحرفية حميدة.

الحرص على إحياء الحدث التاريخي

من جهتها، أوضحت الحرفية زهور قوني، مختصة في الطرز التقليدي من ولاية تقرت، أن الاحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة قديم في الولاية  قدم هذا الحدث التاريخي، حيث تسعد العائلات في المنطقة لاستقبال السنة الفلاحية الجيدة، من خلال تحضير عدد من الأطباق الشعبية التقليدية، ممثلة في طبق شخشوخة الحار وطبق الحبات، وهو أكلة شعبية حارة، وكذا طبق المرورة، وهو عبارة عن بركوكس مفتول بعدد من الأعشاب المختلفة التي تساعد على تدفئة الجسم، بما في ذلك البوزلوف، مشيرة إلى أن أهم عادات يتم إحياؤها بالمناسبة، هو تبادل ما تم تحضيره من أكلات تقليدية بين الجيران، كما يتم أيضا دعوة كل أفراد العائلة لتقاسم مأدبة العشاء معا، وترك الخلافات والخصومات جانبا.

أشارت الحرفية إلى أن للأطفال أيضا نصيبهم من الاحتفال، حيث يخصص لهم ما يسمى بـ«القرباعي، وهي عبارة عن مجموعة من الحلويات والمكسرات المخلوطة ببعضها، وتوزع على كل أطفال العائلة لتكون السنة الجديدة حلوة مفعمة بالخير.

من جهة أخرى، أوضحت الحرفية أن الاحتفال بالسنة الأمازيغية، من المناسبات الهامة التي تحرص المرأة في الولاية على إحيائها، باستحضار كل الموروث التقليدي الذي يعكس مدى تمسكها بالهوية من جهة، ونقلها للأجيال الجديدة حتى لا تندثر، خاصة أنها تعكس الانتماء وأصالة الشعب.

ترسيم الاحتفالية ثمن وحدة الهوية

غير بعيد عنها، كانت ولاية بومرداس هي الأخرى حاضرة، ممثلة في فرع جمعية العلماء المسلمين، حيث أبدعت ممثلات الولاية في تزيين جناحهن بكل الأطباق التقليدية، التي تحضر عادة للاحتفال بالسنة الأمازيغية، منها الحلويات، وتم عرضها بأشكال وأنواع مختلفة تفتح الشهية. حسب ممثلة الجمعية الحرفية، ذهبية خطاب، فإن الاحتفال بالسنة الأمازيغية ليس محصورا على الأمازيغ فقط، كما كان يعتقد البعض سابقا، إنما هو احتفال يخص كل العائلات الجزائرية عبر مختلف ربوع الوطن، وهو ما عكسه الاعتراف به مؤخرا، بعد أن تم ترسيمه كيوم وطني، مثله مثل السنة الهجرية والميلادية الجديدة، مشيرة إلى أن أكثر ما يبعث على الفرحة عند الاحتفال بهذا الحدث التاريخي؛ التنوع الكبير في الموروث التقليدي، ممثلا في الأطباق التقليدية التي رغم اختلاف تسميتها وطريقة طبخها وعرضها، إلا أنها تتقارب في الشكل وحتى الذوق، ومنها طبق الكسكسي بالخضار والدجاج وطبق الشخشوخة بالمرق الأحمر وطبق الكسكسي بالحبوب، إلى جانب طبق البركوكس بالأعشاب، وكذا المسمن والخفاف والبغرير والكسرة والمطلوع والمبرجة، كلها معدة من مادة العجين المستخلص من القمح، الذي يرتبط بالأرض، ويشير إلى بداية سنة فلاحية جديدة مليئة بالخير.

في السياق، أوضحت المتحدثة أن الغاية من التركيز على تحضير عدد من الأطباق التقليدية، هو لم شمل العائلة حول مائدة العشاء، وإعادة إحياء بعض العادات القديمة وتحضير بعض الأطباق التي لا يتم إعدادها إلا في المناسبات، مثل طبق سكسو تاسيلت الذي يحضر بالدجاج والبيض واللوبيا، ويعد من أكثر الأطباق التي تحضر في ليلة الاحتفال بدخول السنة الفلاحية الجديدة، مشيرة إلى أن رمزية هذا الطبق، هو التفاؤل بسنة خيرة وإنتاج فلاحي وافر، لافتة إلى أن من بين العادات أيضا، التي يتم إحياؤها بالمناسبة؛ حلق شعر أصغر طفل في العائلة، وإعداد طبق احدور له، وهو نوع يشبه المسمن، وبعدها يتم فتح ورقة المسمن على رأسه بعد الحلق، ويوضع في القصعة الخشبية وتلقى عليه الحلويات والمكسرات.

«سنة التراز تفاؤلا بعام خير

تفننت جمعية عادات وتقاليد التابعة لولاية المدية، في إضفاء لمستها على جناحها، حيث زينته بقعدة تقليدية جمعت فيها بين الزرابي والأواني التقليدية، فيما جعلت مائدتها مليئة بالأطباق التقليدية والحلويات التي كانت تعد قديما، تعبيرا على الفرحة بحلول السنة الأمازيغية الجديدة.

حسب نصيرة عزوقي، رئيسة الجمعية، فإن سكان ولاية المدية يسمون السنة الأمازيغية الجديدة بـ«سنة التراز، وبحكم أن الولاية من الولايات التي تعرف بحقولها وجبالها وبيئتها الباردة، يتم في موسم الصيف جمع العولة، من خضر وفواكه، ليتم تخزينها، وبحلول السنة الأمازيغية الجديدة، يتم إخراج ما تم تخزينه لتناوله في فصل الشتاء، بما في ذلك الحبوب الجافة التي تدخل في تحضير أطباق ليلة الاحتفال بالسنة الأمازيغية. كما يقوم أكبر شخص في العائلة من الرجال بذبح الديكة لكناته ليلة إحياء السنة الأمازيغية، بينما تقوم أكبر النساء أو العجوز بتحضير المرق وتكليف باقي النساء في المنزل بالعجن، لتحضير الخفاف و«الكسرة، ويتم أيضا خياطة أكياس صغيرة من القماش حتى يتم جمع الحلويات والمكسرات فيها، بعد توزيعها على  أفراد العائلة ممن حضروا وليمة العشاء.

من أكثر العادات الحميدة التي يتم إحياؤها بهذه المناسبة التاريخية، تشير محدثتنا؛ المصالحة أو الصلح بين المتخاصمين، حيث كانت قديما تقع الكثير من المنازعات بين العائلات حول الإرث أو الأراضي الزراعية، بالتالي تعد مثل هذه المناسبة، فرصة لدعوة المتخاصمين على مأدبة العشاء وإزالة الخصومة والاستبشار بسنة جديدة، مشيرة إلى أن هذه العادة تعتبر رمزية الاحتفال بالسنة الجديدة على مستوى ولاية المدية، ولعل هذا ما يميزها على غيرها من الولايات.

عن أهم الأطباق التي يتم تحضيرها لاستقبال السنة الأمازيغية، أشارت محدثتنا إلى تحضير شخشوخة المعارك، التي تقدم بالمرق الأحمر الحار لتدفئة الجسم بسبب برودة المنطقة، وعادة ما يتم تقديم العشاء بعد فرش المنزل ببساط كبير يجلس عليه كل أفراد العائلة، وبعد الانتهاء من تناول ما تم تحضيره، وتوزيع الحلويات، توضع الأواني في المطبخ ولا تغسل ولا ينظف المنزل، لتفادي زوال الخير منه، حسب المعتقدات القديمة، شأنها شأن أوراق المعارك التي يتم تفويرها دون وضع القفال على القدر، حتى لا تقفل السنة على أفراد العائلة، تعلق وهي من المعتقدات الصحيحة بحكم التجربة، مشيرة إلى أن الهدف من إحياء مثل هذه الاحتفالات، هو التمسك بالتراث وترسيخ العادات والتقاليد للأجيال التي لم تعد تعرف شيئا عن هذه الاحتفالات، رغم أنها جزء من الهوية.

جمع الشعب حول هويته

كانت ولاية وادي سوف هي الأخرى حاضرة، حيث مثلها عبد الرحمان نوار، مختص في الطبخ التقليدي، أبدع في تحضير الشاي وتوزيعه على زوار المعرض، وأوضح أنه بولاية الوادي، تسعد العائلات باستقبال السنة الأمازيغية، خاصة في المناطق التي ينتشر على مستواها الأمازيغ، وهي عادة المناطق التي تبدأ بحرف التاء، مثل تاغزوت و«تيكسبت، حيث يتم التحضير لإحياء الليلة بطبخ عدد من الأطباق التقليدية التي تتشابه مع ما يتم تحضيره في بعض الولايات الأخرى، مع بعض الاختلافات الطفيفة التي تضفي نوعا من التميز على الذوق، حيث يتم، حسبه، تحضير طبق الكسكسي بسبع خضر، كما يتم  إعداد طبق الشرشم المعد من القمح والفول والحمص، وعادة ما يقدم للأطفال الصغار، اعتقادا منهم أنه يحفز على بروز الأسنان لديهم. كما يحضر أيضا طبق السفة، وهو كسكسي من النوع الخشن، بمرق أحمر يزين بالبيض والزيتون والفلفل الحار، ويتم تجهيز البتات، وهو  خليط من المكسرات والحلويات، مشيرا إلى أن الاحتفال بالسنة الأمازيغية جمعت الشعب حول هويته، وهو ما تعكسه فرحة الاحتفال في مختلف ربوع الوطن.

إقرأ أيضا..

سأواصل تحقيق مطالب الحراك
23 جانفي 2020
رئيس الجمهورية في أول لقاء مع مديري و مسؤولي وسائل الإعلام:

سأواصل تحقيق مطالب الحراك

التسوية السياسية عن طريق الحوار الشامل
23 جانفي 2020
الجزائر تحتضن اليوم اجتماع وزراء خارجية دول الجوار الليبي

التسوية السياسية عن طريق الحوار الشامل

العدد 7010
23 جانفي 2020

العدد 7010