مـــدعـومـــة بــــإرادة سيـــاسيــــة واضـــــحة

الثقافة ركيزة أساسية في مشروع وطني متكامل

الثقافة ركيزة أساسية في مشروع وطني متكامل
  • 89
نــــوال جـــاوت نــــوال جـــاوت

منذ أن استعادت الجزائر سيادتها الوطنية، لم يكن الرهان الثقافي مسألة تكميلية تُضاف إلى مسار بناء الدولة، بل كان في عمقه أحد أكثر المشاريع تركيبًا، لأنه يتصل مباشرة بالوعي، بالذاكرة، وبالصورة التي يصوغ بها المجتمع علاقته بنفسه. وإذا كانت السنوات الأولى للاستقلال قد انشغلت بإعادة الاعتبار للغة والتاريخ، فإنّ المسار الثقافي لم يتوقّف عند حدود الاسترجاع، بل واصل تحوّله التدريجي نحو بناء فعل ثقافي مؤسّس، يتجاوز الرمزية إلى الفعل، والخطاب إلى الإنجاز، ضمن مسار طويل من التراكم الذي سعى إلى إعادة تشكيل الإنسان الجزائري في علاقته بمحيطه وتاريخه وآفاقه.

لقد ظلّت الثقافة في الجزائر، لزمن طويل، مجالًا تتجاذبه الرغبة في التثبيت والخشية من التفكّك، فكانت السياسات تتّجه غالبًا نحو الحماية أكثر من التفعيل، وإلى صون المكتسبات بدل توسيعها. غير أنّ السنوات الأخيرة كشفت عن تحوّل نوعي، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على صون الذاكرة، بل امتدّ إلى إعادة تنظيم الحقل الثقافي ضمن رؤية تسعى إلى جعله قطاعًا منتجًا، له أدواته القانونية ومؤسّساته الفاعلة، في إطار توجيهات سديدة ورؤية استراتيجية توليها الدولة، وعلى رأسها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، عناية خاصة للثقافة والفنون باعتبارها أحد أعمدة السيادة الوطنية وركيزة من ركائز بناء الإنسان، وفضاءً لتجسيد الوعي الجماعي وتحصينه في مواجهة التحوّلات المتسارعة.

تحوّل نوعي في الرؤية الثقافية

في هذا السياق، برزت السينما كأحد أهم الحقول التي شهدت ديناميكية جديدة، ليس فقط على مستوى الإنتاج، بل في طبيعة المقاربة نفسها. فقد انتقلت من كونها تجربة متقطعة، محكومة بالظرفية، إلى مجال يخضع لتصوّر أكثر انتظامًا، تدعمه نصوص تطبيقية واضحة، تؤسّس لبيئة مهنية أكثر استقرارًا، وهو ما جاء انسجامًا مع التوجيهات الرئاسية التي أكّدت في أكثر من مناسبة على ضرورة إعادة بعث الصناعة السينمائية الوطنية، وتمكينها من أدواتها الحقيقية، سواء من حيث التمويل أو التكوين أو البنية التحتية، بما يسمح ببناء صناعة متكاملة لا تقتصر على الإنتاج فقط بل تشمل كامل سلسلة القيمة السينمائية.

هذه النصوص جاءت لتسدّ فراغًا ظلّ لسنوات يعرقل تطوّر الصناعة السينمائية، خاصة في ما يتعلق بآليات التمويل، وشروط الإنتاج، وتنظيم العلاقة بين مختلف الفاعلين. وقد سمحت هذه المقاربة، المدعومة بإرادة سياسية واضحة، بإعادة بعث الثقة داخل الوسط السينمائي، حيث بدأ يظهر جيل جديد من المخرجين والمنتجين، يشتغل ضمن قواعد أكثر وضوحًا، ويستفيد من أدوات دعم أكثر انتظامًا، وهو ما يفتح المجال أمام تنوع في التجارب والرؤى، ويمنح السينما الجزائرية فرصة لاستعادة حضورها إقليميًا ودوليًا.

ولم يكن ذلك معزولًا عن جهود إعادة تأهيل قاعات السينما، التي حظيت بدورها باهتمام خاص ضمن سياسة إعادة الاعتبار للفعل الثقافي في بعده الجماهيري، حيث تم إطلاق برامج لإعادة فتح القاعات المغلقة، وتجهيزها، وإدماجها ضمن شبكة عرض وطنية تعيد للجمهور علاقته بالصورة في بعدها الجماعي، بعد سنوات من الانقطاع، في خطوة تعكس وعيًا بأنّ السينما ليست مجرّد إنتاج، بل منظومة متكاملة تشمل التلقي والتوزيع والتكوين، وتعيد بناء الذائقة الفنية لدى الجمهور.

هذا التحوّل في السينما لا يمكن فصله عن مسار أوسع عرفه الحقل الثقافي، تمثّل في الانتقال من الاعتراف الرمزي بالمبدع إلى تثبيت وضعه القانوني. ويُعدّ صدور قانون الفنان من أبرز تجليات هذا التحوّل، إذ شكّل لحظة مفصلية في إعادة تعريف مكانة الفنان داخل المجتمع، وهو ما جاء أيضًا في سياق توجيهات عليا شدّدت على ضرورة صون كرامة الفنان وضمان حقوقه الاجتماعية والمهنية، والاعتراف بدوره كفاعل أساسي في التنمية الثقافية.

لقد ظل الفنان، لسنوات طويلة، حاضرًا في الوجدان وغائبًا في النص القانوني، يُحتفى به دون أن يُحمى، ويُستدعى رمزيًا دون أن يُؤطّر مهنيًا. وجاء هذا القانون ليعيد التوازن إلى هذه العلاقة، من خلال توفير إطار قانوني يضمن الحقوق الاجتماعية، ويعترف بالممارسة الفنية كعمل يستحق الحماية والتنظيم، ويُدرج الفنان ضمن النسيج الاقتصادي والاجتماعي كفاعل حقيقي، يساهم في إنتاج القيمة وليس مجرد حامل لرسالة رمزية.

التراث بين الحماية والتثمين

في امتداد لهذا المسار المؤسساتي، برز استحداث الوكالة الوطنية للآثار كخطوة نوعية في إدارة التراث، في ظل عناية فائقة يوليها رئيس الجمهورية لمسألة حماية الموروث الثقافي بمختلف مكوناته. فبعد أن ظلّ هذا المجال محكومًا بمنطق الحفظ التقليدي، أصبح اليوم موضوع مقاربة أكثر تخصّصًا، تجمع بين الحماية والتثمين، وتعتمد على أدوات علمية وإدارية حديثة، وتفتح المجال أمام استثمار عقلاني ومستدام للتراث.

هذه الوكالة لم تُنشأ فقط لتسيير المواقع الأثرية، بل لتعيد تعريف التراث بوصفه موردًا استراتيجيًا، يمكن أن يسهم في التنمية الثقافية والاقتصادية، ضمن رؤية وطنية تعتبر أن حماية التراث ليست مجرد واجب أخلاقي، بل استثمار في الذاكرة الجماعية وفي صورة الجزائر في العالم. ويعكس هذا التحوّل وعيًا متزايدًا بأن التراث لم يعد مجرد بقايا من الماضي، بل عنصر حيً في تشكيل الحاضر، ومصدرًا لإعادة قراءة الذات الجماعية.

فالمواقع الأثرية، بما تحمله من طبقات حضارية، لم تعد تُقرأ فقط كذاكرة، بل كفضاءات قابلة للاستثمار الثقافي والسياحي، ضمن رؤية تحافظ على أصالتها وتمنحها في الوقت نفسه أفقًا جديدًا، يربط الماضي بالحاضر، ويحوّل التاريخ إلى طاقة إنتاج رمزية ومادية في آن واحد.

في هذا السياق، يكتسب إدراج عناصر ثقافية جزائرية ضمن قائمة التراث غير المادي للإنسانية أهمية خاصة، وهو ما جاء نتيجة عمل مؤسساتي متكامل، حظي بدعم ومتابعة على أعلى مستوى. فهذه العملية لم تكن مجرّد تتويج رمزي، بل ثمرة جهود طويلة في التوثيق والتصنيف وإبراز القيمة الإنسانية لهذه العناصر، والعمل على حمايتها من الاندثار أو التشويه.

فالراي، الذي نشأ كتعبير فني شعبي، استطاع أن يتحول إلى لغة موسيقية عالمية، تحمل في طياتها تجارب إنسانية متعددة، وتعبّر عن تحولات المجتمع في علاقته بالحداثة. أما الكسكسي، فقد تجاوز كونه طبقًا تقليديًا، ليصبح رمزًا للعيش المشترك، وللروابط الاجتماعية التي تتشكل حول المائدة. في حين يعكس القفطان والحنة أبعادًا جمالية وطقوسية، مرتبطة بالجسد والاحتفال والذاكرة الجماعية، بما يعكس عمق التقاليد واستمراريتها.

هذه العناصر، وغيرها، لا تمثل فقط مكونات ثقافية، بل تشكّل جزءًا من الهوية في بعدها الحي، حيث تلتقي الذاكرة بالممارسة اليومية. وإدراجها ضمن قائمة دولية لا يعني تجميدها، بل الاعتراف بها كتراث قابل للاستمرار والتجدد، يواكب التحولات دون أن يفقد جوهره.

بين الأمن الثقافي والقوّة الناعمة

وإذا كان هذا المسار قد أعاد ترتيب البنية المؤسّساتية للثقافة، فإنه في الوقت عينه أفرز مفهومًا أكثر عمقًا يتصل بما يمكن تسميته بالأمن الثقافي، وهو مفهوم يحظى اليوم بأهمية متزايدة في ظلّ التحوّلات العالمية المتسارعة. فالأمن الثقافي لا يُفهم بوصفه حماية جامدة للتراث، بل كقدرة المجتمع على صون منظومته القيمية والرمزية، وعلى إنتاج معانيه الخاصة في مواجهة النماذج المفروضة.

في هذا الإطار، يصبح الاستثمار في اللغة، وفي الذاكرة، وفي أنماط التعبير المحلية، جزءًا من استراتيجية وطنية تهدف إلى تحصين المجتمع من الذوبان، مع الحفاظ على روح الانفتاح. وهو ما يتجلى في دعم الإنتاج الثقافي المحلي، وتشجيع المبادرات الإبداعية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الثقافية كمجالات للتكوين والتفاعل والتأطير.

وبرز الاقتصاد الثقافي كأحد المفاهيم المركزية في السياسة الثقافية الراهنة، حيث لم تعد الثقافة تُنظر إليها كمجال استهلاكي، بل كقطاع منتج، قادر على خلق الثروة وتوفير فرص العمل، وهو ما يتماشى مع التوجيهات الرئاسية التي تدعو إلى تنويع الاقتصاد الوطني خارج المحروقات، وتعزيز القطاعات البديلة ذات القيمة المضافة.

فالصناعات الثقافية، من سينما وموسيقى ونشر وحرف تقليدية، أصبحت تشكّل رافدًا اقتصاديًا حقيقيًا، خاصة مع إدماج التكوين الفني والتقني كعنصر أساسي في هذا التحوّل. وقد حظي هذا الجانب باهتمام خاص، من خلال دعم مدارس التكوين، وتشجيع الاحتراف، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب للاندماج في المهن الثقافية والفنية، بما يضمن استدامة هذا المسار.

هذا الاستثمار في التكوين لا يقتصر على الجانب التقني، بل يشمل أيضًا البعد الإبداعي، بما يسمح ببناء جيل قادر على التعبير عن نفسه، والمنافسة في الفضاءات الإقليمية والدولية، في إطار رؤية تجعل من الثقافة موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن باقي القطاعات، وعنصرًا من عناصر السيادة الوطنية.

من هذا المنطلق، تتعزز فكرة القوة الناعمة كإحدى ركائز الحضور الجزائري في العالم، حيث تصبح الثقافة وسيلة للتأثير، ولصياغة صورة البلاد خارج حدودها. فالدبلوماسية الثقافية، من خلال التظاهرات الدولية، والمشاركات الفنية، وتصدير الإنتاج الإبداعي، أصبحت جزءًا من استراتيجية متكاملة تعكس طموح الجزائر في تعزيز حضورها الثقافي عالميًا.

إن إدراج عناصر من التراث الجزائري في قوائم دولية، وتنظيم مهرجانات كبرى، والمشاركة في المحافل الثقافية العالمية، كلها تعكس هذا التوجه نحو بناء حضور ثقافي فاعل، يعكس ثراء الجزائر وتنوعها، ويعزز مكانتها في الساحة الدولية، ويمنحها قدرة أكبر على التأثير الرمزي.

رافعة أساسية للتنمية

وتتشكل ملامح ما يُعرف بـ"الجزائر المنتصرة"، ليس كشعار، بل كمشروع متكامل يقوم على الاستثمار في الإنسان، وفي الثقافة كرافعة أساسية للتنمية. هذا الانتصار لا يُقاس فقط بالمؤشرات الاقتصادية، بل بقدرة المجتمع على إنتاج المعنى، وعلى الحفاظ على توازنه بين الأصالة والتجدد، وبين الانفتاح والخصوصية.

لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن الثقافة في الجزائر لم تعد مجالًا هامشيًا، بل أصبحت عنصرًا فاعلًا في رسم السياسات العمومية، وفي بناء صورة البلاد داخليًا وخارجيًا، في ظل رعاية مستمرة وتوجيهات واضحة من أعلى هرم الدولة، تؤكد أن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة استراتيجية، وأداة من أدوات البناء الوطني.

إن الإنجازات الثقافية التي شهدتها الجزائر في السنوات الماضية لا تكمن فقط في ما تحقق من قوانين ومؤسسات، بل في التحول الذي أحدثته في طريقة التفكير في الثقافة ذاتها. فقد انتقلت من كونها مجالًا للحفظ إلى فضاء للإنتاج، ومن خطاب حول الهوية إلى ممارسة تعيد تشكيلها، ومن هامش في السياسات إلى موقع في صلبها.

في هذا المسار، تتقدم الجزائر بخطى هادئة لكنها واثقة، مدعومة بإرادة سياسية واضحة، نحو بناء مشهد ثقافي أكثر تماسكًا، قادر على استيعاب تنوعه، وتحويله إلى مصدر قوّة، ضمن رؤية تجعل من الثقافة ركيزة أساسية في مشروع وطني متكامل، حيث لا يكون الانتصار حدثًا عابرًا، بل حالة مستمرة من البناء، ومسارًا مفتوحًا على المستقبل.