مكانة تراث ورموز ثورة التحرير الوطني في الجزائر

مكانة تراث ورموز ثورة التحرير الوطني في الجزائر
  • القراءات: 2290
 الدكتور موسى بودهان الدكتور موسى بودهان

الحديث في موضوع ثورتنا المجيدة ورموزها الوطنية المباركة حديث مهم وشيق، حيوي وواسع، متشعب ويثير العديد من الإشكالات أيضا، لاسيما من حيث أهمية التراث التاريخي والثقافي للثورة التحريرية المباركة ورموزها الوطنية المجيدة، كيفية الاهتمام به، تعريفه القانوني، الآليات الدستورية والقانونية المكرسة لحمايته، الميكانيزمات المؤسساتية القائمة على شؤونه، العقوبات المقررة على الجرائم المرتكبة في حق التراث الوطني، وخاتمة فيها بعض الاقتراحات المتعلقة بهذا الشأن...إلخ. مما سنتناوله عموما، ودون الغوص في جزئياته وتفاصيله، من خلال ثمان نقاط، وذلك على النحو التالي.

ب- بالنسبة لقانون المجاهد والشهيد:

لقد نص قانون المجاهد والشهيد، في بابه الخامس بمواده من 55 إلى 64، على أن تسهر الدولة على حماية تراث ورموز ومآثر ومعالم ثورة التحرير الوطني وصونهاو والحفاظ عليها من كل تشويه أو تخريب أو إتلاف.

يعهد تسيير التراث التاريخي والثقافي إلى مؤسسات مختصة، وأن توضع تحت وصاية وزير المجاهدين. وأن تكلف المؤسسة المعنية بالقيام بعملية جرد هذا التراث وتقويمه وتصنيفه. وأن تخضع إقامة المعالم التذكارية والتخليدية إلى رخصة مسبقة، يسلمها وزير المجاهدين على أساس ملف يحدد تشكيله عن طريق التنظيم. وأن يخضع لنفس الإجراءات، كل ترميم أو تغيير أو هدم أو تحويل للأماكن والمآثر والمعالم المرتبطة بثورة التحرير الوطني.

وأن يخضع إثبات أصالة النصوص والمؤلفات المسموعة والمكتوبة أو المصورة أو الفنية ذات الصلة بثورة التحرير الوطني، قبل عرضها أو نشرها، لرخصة مسبقة من وزير المجاهدين. وأن تلتزم الدولة بتعويض عادل عن الأملاك العقارية والمنقولة والوثائق عند اكتسابها أو نزع ملكيتها من الغير، طبقا للتشريع المعمول به. وأن تخضع تسمية أو إعادة تسمية المؤسسات والأماكن بمختلف أشكالها بأسماء الشهداء والمجاهدين المتوفين، أو بأحداث وتواريخ متعلقة بثورة التحرير الوطني، إلى رخصة مسبقة من وزير المجاهدين، بعد أخذ رأي المنظمة الوطنية للمجاهدين. وأن تحدد كيفيات تطبيق هذه المادة عن طريق التنظيم.

وعلى الدولة أن تحتفل بما يأتي: الأعياد الوطنية، الأيام التاريخية، الذكريات المخلدة لأحداث ثورة التحرير الوطني. وتحدد كيفيات تطبيق هذه المادة عن طريق التنظيم. وأن تعمل الدولة على أن يحتل تاريخ المقاومة الشعبية والحركة الوطنية وثورة التحرير الوطني، مكانة معتبرة في الحياة العمومية.

وأن تسهر الدولة على تدريس التاريخ الوطني وترقيته وتلقينه للأجيال الصاعدة، واعتبار مادة التاريخ إلزامية وأساسية في المنظومة الوطنية للتربية والتعليم. يعهد بتجسيد هذه المهمة إلى القطاعات المعنية، لاسيما التربية الوطنية والاتصال والثقافة والشبيبة والرياضة  والتكوين المهني والتعليم العالي والشؤون الدينية.

وأن تضمن الدولة دعم كل مشروع في مجال حماية التراث الثقافي التاريخي، وكل الأنشطة التي تهدف إلى تخليد وتمجيد رموز ومآثر ومعالم ثورة التحرير الوطني، التي تقوم بها الهيئات التمثيلية للمجاهدين وأبناء الشهداء.

وأن يحدث لدى رئيس الجمهورية مجلس أعلى لذاكرة الأمة، يكلف بالحفاظ على الذاكرة الوطنية بترقيتها وتقويمها وحمايتها، على أن تحتل المقاومة الشعبية والحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر سنة 1954، صدارة اهتمام هذا المجلس، والتي نصت على أن تحدد تشكيلته وكيفية تسييره وصلاحية عن طريق التنظيم.

ج- بالنسبة للقانون المتعلق بالأحزاب السياسية:

لقد نص قانون الأحزاب السياسية، لاسيما في مواده 3، 5 و7، بالترتيب، على ما يلي:

يجب على كل حزب سياسي أن يمتثل في جميع ممارسة جميع أنشطته للمبادئ والأهداف الآتية: احترام وتجسيد مبادئ ثورة أول نوفمبر 1954. التمسك بالديمقراطية في إطار احترام القيم الوطنية.

لا يجوز لأي حزب سياسي أن يبني تأسيسه و/ أو عمله على قاعدة و/ أو أهداف تتضمن ما يلي: الممارسات المخالفة للخلق الإسلامي والهوية الوطنية، وكذا قيم ثورة أول نوفمبر 1954 والمخلة برموز الجمهورية.

... كما يمتنع عن أي عمل بالخارج أو الداخل، يهدف إلى المساس بالدولة ورموزها ومؤسساتها ومصالحها الاقتصادية والديبلوماسية.

لا يجوز لأي حزب سياسي أن يختار لنفسه إسما أو رمزا أو علامة أخرى مميزة يملكها حزب أو منظمة، وجاء من قبله أو سبق أن ملكتها حركة مهما تكن طبيعتها، والتي كان موقفها أو عملها مخالفين لمصالح الأمة ومبادئ ثورة أول نوفمبر 1954 ومثلها.

كل ذلك إلى جانب قوانين أخرى ذات الصلة، مثل:

قانون الأرشيف الوطني. 

المرسوم الرئاسي المتعلق بشروط العلم الوطني.

المرسوم التنفيذي المحدد لصلاحيات وزير المجاهدين.

المرسوم التنفيذي المتعلق بتحديد كيفيات إقامة مقابر الشهداء والمعالم التذكارية وتصنيفها وصيانتها والمحافظة عليها.

المرسوم التنفيذي المتعلق بمتحف المجاهد.

المرسوم التنفيذي المتعلق باللجان الولائية لحماية المجاهدين وذوي الحقوق وترقيتهم، والحفاظ على التراث التاريخي والثقافي المرتبط بثورة التحرير الوطني.

- القرار المنشئ للمتحف المركزي للجيش الوطني الشعبي، والمحدد لمهامه وصلاحياته.

سادسا- الميكانيزمات المؤسساتية القائمة على شؤونه:

لمعالجة هذا الموضوع، يتوجب علينا التطرق للميكانيزمات المؤسساتية الحكومية "الرسمية"، والميكانيزمات المؤسساتية "غير الحكومية" أو "غير الرسمية"، المهتمة بالتراث التاريخي والثقافي للثورة التحريرية المباركة ورموزها الوطنية المجيدة. على أن يتم كل ذلك وغيره بالشكل التالي:

أ - الميكانيزمات المؤسساتية الحكومية "الرسمية":

ما لاشك فيه، أن الهيئات والمؤسسات الوطنية "الرسمية" أو "الحكومية" المكلفة والمهتمة بحماية التراث الوطني، بمفهومه الواسع، كثيرة ومختلفة، يمكن أن نذكر منها، على المثال لا الحصر: رئاسة الجمهورية، من خلال المديرية العامة والمركز الوطني للأرشيف وملحقاتهما، زائد مستشار رئيس الجمهورية في التاريخ، وزارة المجاهدين من خلال المتحف الوطني والمتاحف الجهوية للمجاهد وملحقاتها، والمركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، إلى جانب المديريات الولائية لحماية المجاهدين وذوي الحقوق وترقيتهم والحفاظ على التراث التاريخي والثقافي لثورة التحرير الوطني، وزارة الدفاع الوطني من خلال المحافظة السياسية للجيش الوطني الشعبي والمتحف المركزي للجيش، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من خلال مؤسساتها الجامعية المختصة في التاريخ، وزارة الاتصال من خلال المؤسسات الإعلامية التابعة لها، مثل القنوات التلفزية والإذاعية الوطنية، بما فيها القناة المختصة في التاريخ. وكذا الصحافة الوطنية الرسمية المكتوبة، إلى جانب القنوات التلفزية وكذا الصحف الخاصة.

واعتبارا لكثرة هذه الهيئات والمؤسسات، على النحو الآنف ذكره، فإننا اقتصرنا في حديثنا هنا على البعض منها فقط، ومن باب الذكر لا أكثر.

ب- الميكانيزمات المؤسساتية "غير الحكومية" أو "غير الرسمية":

خلافا لما سبق ذكره عن كون الهيئات والمؤسسات الوطنية "الرسمية" أو "الحكومية" المكلفة والمهتمة بحماية التراث ومكافحة أي مساس به، كثيرة ومختلفة.. وخلافا أيضا للجمعيات والمنظمات الأخرى التي تعج بها ساحتنا الوطنية والمحلية (حوالي 120 ألف جمعية وطنية ومحلية)، فإن الهيئات "الجمعيات والمنظمات" الوطنية "غير الرسمية" أو "غير الحكومية" المهتمة بحماية التراث ومكافحة أي مساس به، قليلة نسبيا، بحيث يمكن عدها كما يلي: إتحاد المؤرخين الجزائريين، منظمات المجاهدين، أبناء الشهداء، أبناء المجاهدين، الجمعية الوطنية لقدماء الجيش الوطني الشعبي، تنسيقية أبناء الشهداء، الجمعية الوطنية لإحياء التراث، الكشافة الإسلامية الجزائرية، جمعية أول نوفمبر لتخليد وحماية مآثر الثورة في الأوراس، جمعية التاريخ والتراث الأثري لمنطقة الأوراس، جمعية مشعل الشهيد، جمعية 11 ديسمبر، الرابطة الجزائرية للفكر والثقافة، جمعيات محلية لحماية التراث على مستوى بعض الولايات، مؤسسات الأمير عبد القادر، الشيخ المقراني، بوعمامة، عبد الحميد بن باديس، العربي التبسي، بوضياف، مولود قاسم، مؤسسات الولايات التاريخية.

ونظرا لعدم امتلاكنا- في الوقت الراهن- للمعلومات الكافية عن تنظيم وعمل، عن سير ومهام وصلاحيات هذه المؤسسات والهيئات الرسمية وغير الرسمية، على النحو الآنف ذكره، فإننا اقتصرنا هنا على ذكر بعضها ذكرا فقط، على أن نتناولها بالتفصيل لاحقا في كتيب مستقل بإذن الله تعالى.

سابعا- العقوبات المقررة على الجرائم المرتكبة في حق التراث الوطني:

في الحقيقة، يمكن القول، إن الكلام عن الجرائم المرتكبة في حق التراث الوطني وعقوباتها، هو الآخر ومن حيث الفعل والواقع، كلام طويل وعريض جدا، بسبب كثرة النصوص القانونية المتعلقة به، لذلك سنحاول اختصاره في بعض النقاط الموجزة كما يلي:

أ- من خلال القانون المتعلق بالمجاهد والشهيد:

إن أحكام قانون المجاهد والشهيد تقضي هي الأخرى بمثل هذه العقوبات، لاسيما أحكامه التالية: أحكام المادة 66 التي تقضي بأن: يعاقب على كل مساس برموز ثورة التحرير الوطني المنصوص عليها في المادة 52 من هذا القانون، طبقا لقانون العقوبات. أحكام المادة 67 التي تنص على أن: يعاقب على كل اعتداء أو تهجم يقع على المجاهد أو أرملة الشهيد عند تقلدهم للنياشين أو الأوسمة أو الشارات أو عند استظهارهم للبطاقات الدالة على صفتهم، طبقا للأحكام المنصوص عليها في التشريع المعمول به.

ب- من خلال الأمر المتضمن قانون العقوبات:

إن مواد قانون العقوبات (15)، لاسيما ما ورد في المادتين 160 مكرر، 160 مكرر 4 منه تنص على مثل هذه العقوبات.

حيث قضت الأولى (160 مكرر) بما يلي: "يعاقب بالحبس من خمس (05) إلى عشر سنوات (10) كل من قام عمدا وعلانية بتمزيق أو تشويه أو تدنيس العلم الوطني".

ونصت الثانية (م 160 مكرر 4) على الآتي: "يعاقب بالحبس من شهرين إلى خمس سنوات وبغرامة من 500 إلى 2000 دج، كل من قام عمدا بإتلاف أو هدم أو تشويه أو تخريب: نصب أو تماثيل أو لوحات أو أشياء أخرى مخصصة للمنفعة العامة أو تزيين الأماكن العمومية ومقامة أو مصونة من طرف السلطة العمومية أو بواسطة ترخيص منها. نصب أو تماثيل أو لوحات أو أية أشياء فنية موضوعة في المتاحف أو المباني المفتوحة للجمهور".

ج- من خلال القانون المتعلق بالأرشيف الوطني:

إن مواد قانون الأرشيف الوطني (16)، لاسيما مواده المعنية، التي سنستعرضها فيما يلي، تقضي هي الأخرى بذلك: المادة 25، تعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في المادة 158 من قانون العقوبات كل من أتلف أو خرب أو اختلس الوثائق العمومية أو الخاصة المحفوظة في الأرشيف أو الودائع العمومية المسلمة إلى الوديع العمومي بصفته هذه. ويعاقب وفقا للمادتين 215 و216 من قانون العقوبات كل من ارتكب تزويرا أو تزييفا في الوثائق الأرشيفية.

المادة 26، تنص على أنه إذا كان التلف أو التخريب أو الاختلاس مسهلا بواسطة إهمال الوديع العمومي، فالعقوبة المستحقة هي تلك المنصوص عليها في المادة 159 من قانون العقوبات.

المادة 27، تعاقب كل من قام عمدا أو حاول القيام بتخريب أو إتلاف الوثائق الخاصة التي تحتوي على أهمية أرشيفية بالحبس من شهرين إلى سنة (1) وبغرامة من 2000 إلى 000 .20 دج، يجوز الحكم بمصادرة الوثائق.

المادة 28، تعاقب بالحبس من شهرين إلى سنة وبغرامة من 2000 د ج إلى 000 .20 د ج، كل من خالف أو حاول مخالفة أحكام المادة 15 من هذا القانون.

كل ذلك، إلى جانب العقوبات المنصوص عليها في قوانين أخرى ذات الصلة مثل: قانون حماية التراث الثقافي(17)، قانون الجمارك (18)، قانون مكافحة التهريب (19)...

يتبع...