الشعلة التي تضيء مستقبل الجزائر
  • ملفات
  • قراءة 394 مرات
حنان.ح حنان.ح

الذكرى الـ63 لثورة الفاتح نوفمبر

الشعلة التي تضيء مستقبل الجزائر

يعدّ الحفاظ على الذاكرة انشغالا رئيسيا للجزائر التي تحيي هذه السنة الذكرى الـ63 لاندلاع ثورة نوفمبر المجيدة، طامحة لأن تبقى مبادئ الثورة البارزة في بيان أول نوفمبر، المنبع الأساسي لسياساتها وتوجّهاتها على جميع الأصعدة، ولأن تظل مصدر إلهام لكافة فئات المجتمع، فالثورة الجزائرية، رغم مرور عقود عليها، ما زالت وستبقى من أكبر الثورات التي خاضتها الانسانية تحت راية استرجاع الكرامة الإنسانية، وهي لهذا لن تتوقّف عن إبهار الجميع بقوّة شعلتها التي بدأت بـ1200 مجاهد وستستمر بالملايين من أبنائها الذين لن ينسوا بالتأكيد تضحيات الأمس ولا الأهداف المتوخاة منها.

 

ككلّ عام، نسترجع في هذه الأيام المباركة، مآثر هذا الحدث الوطني ذي الأبعاد الجهوية والعالمية، فالجزائريون الذين خاضوا الثورة ضدّ استعمار فرنسي دام أكثر من قرن، لم يفعلوا ذلك عبثا وإنّما برؤية واضحة وخلفيات متّفق عليها ولأهداف محددة، اجتمع حولها خيرة شباب الوطن، ممن ترعرعوا في ظلّ حركات سياسية وطنية وممن عايشوا أحداث 08 ماي 1945 التي أظهرت الوجه الوحشي للاستعمار الفرنسي.

وأجمعت المصادر التاريخية المكتوبة والشفوية على أنّ الإمكانيات المتوفّرة عند انطلاق العمل المسلّح كانت ضئيلة جدا، إذ لم يتجاوز عدد المجاهدين في ليلة أوّل نوفمبر 1954 (1200 مجاهد على مستوى التراب الوطني)، مسلّحين ببنادق صيد وبنادق أوتوماتيكية من مخلّفات الحرب العالمية الثانية، وبحوزتهم قنابل تقليدية وسكاكين وفؤوس وعصي.

إلاّ أنّ القرار اتّخذ ولا رجعة فيه، وبدأت عشرات العمليات (30 حسب مصادر) و(80 عملية حسب مصادر أخرى) في الليلة الأولى، لتتواصل لسبع سنوات ونصف، استشهد خلالها مليون ونصف مليون رجل وامرأة من خيرة أبناء الجزائر وتوّج باستقلال، كان الثمن باهظا، لكن الأكيد أنّ الجزائر كانت وما زالت تستحق التضحية.

ولأنّ الثورة قامت على أساس صلب، فإنّها نجحت، وأساسها الأوّل هو بيان أوّل نوفمبر 1954، أوّل وثيقة للثورة الجزائرية، والذي وجهته جبهة التحرير الوطني إلى كافة الشعب الجزائري بجميع انتماءاته مساء 31 أكتوبر 1954، حدّدت فيه قيادة الثورة مبادئها ووسائلها، ورسمت أهدافها المتمثلة في "الحرية والاستقلال" و«وضع أسس إعادة بناء الدولة الجزائرية" و«القضاء على النظام الاستعماري"، ووضّحت الجبهة في البيان الشروط السياسية التي تكفل تحقيق ذلك، بدون إراقة الدماء أو اللجوء إلى العنف، كما شرحت الظروف المأساوية للشعب الجزائري، التي دفعت به إلى حمل السلاح لتحقيق أهدافه الوطنية، مبرزة الأبعاد السياسية والتاريخية والحضارية لهذا القرار التاريخي.

فالخيار العسكري جاء بناء على معطيات وتحاليل دقيقة لوضع الجزائريين، لكن الجانب السياسي التنظيري للثورة لم يكن غائبا، لهذا تمّ تأسيس جبهة التحرير وجيش التحرير الوطنيين معا. وكشف بيان أوّل نوفمبر البرنامج السياسي للجبهة، حين أكّد أنّ الهدف المتوخى من الخيار العسكري هو تحقيق "الاستقلال الوطني" بواسطة "إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية" و«احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني".

كما رفعت الثورة لواء "التطهير السياسي بإعادة الحركة الوطنية إلى نهجها الحقيقي، والقضاء على جميع مخلّفات الفساد التي كانت عاملا هاما في تخلّفها" و«تجميع وتنظيم جميع الطاقات السليمة لدى الشعب الجزائري لتصفية النظام الاستعماري". ونلاحظ دقة اختيار المصطلحات في بيان أول نوفمبر حين يتحدث مثلا عن "النظام الاستعماري" وليس "الاستعمار".

كان ذلك على المستوى الداخلي، ومفجّرو الثورة لم يهملوا الجانب الخارجي في كفاحهم لنيل الاستقلال، فكانت لهم أهداف أهمها "تدويل القضية الجزائرية" و«تحقيق وحدة شمال إفريقيا في إطارها الطبيعي العربي والإسلامي".

ورغم إقراره باستعمال "كلّ الوسائل" في كفاحه المسلح، فإنّ بيان أول نوفمبر تحدّث عن شروط التفاوض مع السلطات الفرنسية تجنبا لإراقة الدماء، ومنها "الاعتراف بالجنسية الجزائرية بطريقة علنية ورسمية مُلغية بذلك كل الأقاويل والقرارات والقوانين التي تجعل من الجزائر أرضا فرنسية"، "فتح مفاوضات مع الممثلين المفوّضين من طرف الشعب الجزائري على أساس الاعتراف بالسيادة الجزائرية وحدة لا تتجزأ"، "خلق جو من الثقة وذلك بإطلاق سراح جميع المعتقلين ورفع كل الإجراءات الخاصة وإيقاف كل مطاردة ضد القوات المكافحة"، وفي المقابل، تعهد البيان باحترام كل المصالح الفرنسية، ثقافية كانت أو اقتصادية والمتحصل عليها بنزاهة، وكذلك الأمر بالنسبة للأشخاص والعائلات، وخيّر جميع الفرنسيين الذين يرغبون في البقاء بالجزائر بين جنسيتهم الأصلية أو الجنسية الجزائرية وتحديد الروابط بين فرنسا والجزائر التي تكون موضوع اتفاق بين القوتين الاثنتين على أساس "المساواة والاحترام المتبادل".

الأمن والتنمية والاستقرار السياسي

ومن خلال استعراض هذه الأسس التي نص عليها بيان أول نوفمبر، فإننا نسجل كم كان مفجرو الثورة بعيدي النظر، حيث مازالت هذه المبادئ تشكّل الإطار الذي تسير به الجزائر نحو استكمال استقلالها عبر حماية سيادتها السياسية والاقتصادية كذلك، وعبر حماية المكتسبات الاجتماعية للشعب.

وكان رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة، قد تحدث عن ثلاثة تحديات على الجزائر رفعها في السنوات المقبلة، حين قال في رسالة وجهها العام الماضي في ذكرى الفاتح نوفمبر للشعب، أنها أساس لتشكيل "جبهة داخلية قوية".

ويتعلق الأمر أولا بتحدي "الأمن" الذي اعتبره الرئيس أولوية على المستويين الداخلي والخارجي، معتبرا أنّه بدون أمن لا يمكن أن تحدث التنمية، فيما حدد التحدي الثاني في "التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد"، مشددا على ضرورة الحفاظ على السيادة المالية للبلاد في ظل الأزمة الراهنة، أما التحدي الثالث فيتعلّق بـ«المحافظة على الاستقرار السياسي" باسهام كل التشكيلات السياسية، لاسيما وأنّنا نعيش عام انتخابات، أولها تشريعيات ماي الماضي وثانيها محليات نوفمبر المقبلة.

الرئيس الذي أبدى تفاؤلا كبيرا لقدرة الشعب على تجاوز الأزمة الحالية والحفاظ على مكتسبات وإنجازات عرفتها المرحلة الأخيرة، اعتبر أن روح ثورة نوفمبر لن تزول وأن شعلته لن تنطفئ وأن مبادئه ستبقى ملهمة لملايين الشباب الذين سيصنعون مستقبل الجزائر. 

العدد 6344
18 تشرين2/نوفمبر 2017

العدد 6344