”المساء” تدخل دوار “يما حليمة” بأعالي جبال حمّام ملوان

منطقة حاصرها الاستعمار ودمّرها الإرهاب وهجرتها التنمية

منطقة حاصرها الاستعمار ودمّرها الإرهاب وهجرتها التنمية
  • القراءات: 1321
روبورتاج: رشيدة بلال روبورتاج: رشيدة بلال

تُعد قرية “يما حليمة” الواقعة بأعالي جبال بني ميصرا على بعد حوالي 15 كلم جنوب غرب حمّام ملوان بولاية البليدة، من القرى التاريخية التي كانت شاهدة على العديد من المعارك خلال الثورة التحريرية، غير أن تهميش السلطات لها وغياب المشاريع التنموية عنها، جعلها من القرى المنسية والمهمشة، وجعل من عملية إعمارها بعدما هجرها السكان بفعل العشرية السوداء، أمرا صعبا للغاية. وهي المنطقة التي تزخر بمساحات زراعية خصبة، وموارد مائية عذبة، ومناظر سياحية خلابة؛ بغاباتها الباسقة التي تضم أشجار الأرز النادرة، وهو ما يجعلها قطبا سياحيا هاما، غير أن قسوة الطبيعة وغياب التنمية عنها جعل منها منطقة ظل بامتياز، تنتظر نصيبها من مشاريع التنمية، ورد الاعتبار، والتثمين.

زارت “المساء” دوار “يما حليمة”، والتقت ببعض الفلاحين بالمنطقة. ونقلت أهم الانشغالات والمشاكل التي يعاني منها السكان، والتي حالت دون عودتهم إلى أرض الأجداد ومزاولة نشاطهم الفلاحي والرعوي.

من هي يما حليمة؟

لعل السؤال الأول الذي يتبادر إلى ذهن أي شخص يزور القرية، أصل التسمية؛ لماذا سميت القرية بدوار “يما حليمة”؟

حسب ما يرويه بعض الفلاحين من الذين اختاروا البقاء في المنطقة وخدمة الأرض رغم الظروف الطبيعية الصعبة خاصة في موسم الشتاء، يعود هذا الاسم لسنوات ما قبل الاحتلال الفرنسي، إلى قصة سيدة عجوز، كانت من السكان الأوائل الذين استوطنوا المنطقة من قبيلة بني “قينة”، وكانت من النسوة المعروفات بالحكمة، حيث كان السكان يزورونها للتبرك بما لديها من حكمة، وكان اسمها شائعا بين السكان، كما كانت تحظى بالكثير من التقدير والاحترام. وبعدما ماتت تم دفنها في مكان إقامتها، ومن ثم تحول المكان إلى مقبرة معروفة بمقبرة “يما حليمة”، وهي التسمية، أيضا، التي اتخذتها القبيلة، التي أصبحت، هي الأخرى، معروفة بهذه التسمية قبل الاستعمار الفرنسي.

وحسب ما جاء على لسان بعض فلاحي المنطقة، فإن سكان عرش بني قينة “استوطنوا المنطقة إبان الاحتلال الفرنسي، حيث جمعت فرنسا عددا من القبائل في سنة 1957، ومنهم عرش السباغنية، وقبيلة بوقنانة، وغيرهم من الذين استوطنوا الجبال وجمعتهم في دوار يما حليمة، حيث ظل السكان متمسكين بهذه الأرض رغم سيطرة المستعمر وتشديد الخناق عليهم. وبعد الاستقلال هجرها السكان بفعل ما تعرضوا له من تخريب وتقتيل خلال العشرية السوداء.

ما عجز عنه المستعمر تمكن منه الإرهاب!

قال محمد غربي، عضو بجمعية الذاكرة والتراث بالمنطقة، إن عرش بني ميصرا من السكان الأصليين لسكان البلدة، وهم من الأمازيغ الأوائل، الذين استوطنوا جبال منطقة البليدة ومحيطها. والاحتلال الفرنسي استغل الموقع الاستراتيجي لدوار يما حليمة، لبناء محتشد سنة 1957، جمع فيه سكان بني ميصرا من الذين استوطنوا الجبال، التي حوّلها المستعمر، آنذاك، إلى منطقة محرمة، حيث كان يمنع الخروج منها أو الدخول إليها؛ لقطع مساندتهم جيشَ التحرير الوطني.

وحسب السيد غربي، فقد كانت قرية يما حليمة تحت الحصار إبان الاحتلال الفرنسي، الذي كان يمنع عن السكان الخروج إلا بعد الحصول على ترخيص، لتجنيبهم التواصل مع المجاهدين، ومع هذا كانت المنطقة ساحة للعديد من المعارك، التي لايزال يرويها بعض الذين عايشوا الثورة. كما كانت قرية “يما حليمة” مركزا عسكريا فرنسيا، ومركزا لتعذيب سكان المنطقة، الذين رفضوا مغادرة القرية، واحتضنوا الثورة، حيث شهدت جبال وغابات المنطقة العديد من المعارك، التي لايزال بعض من عايشوا الثورة، شاهدين على وقائعها التي لم يذكرها التاريخ.

وبعد الاستقلال، بقيت قرية “يما حليمة”، حسب ما يرويه القاطنون، منطقة مأهولة بالسكان من مختلف القبائل والعروش، يستغلون خصوبة الأرض، ووفرة المياه لإنتاج أجود أنواع الخضر والفواكه الجبلية، ويجمعون مختلف أنواع الأعشاب الطبية والعطرية، ويمارسون رعي الغنم وتربية الأبقار، إلى أن جاءت العشرية السوداء سنوات التسعينات، والتي تسببت في إحراق المدرسة المتواجدة بها، وقتل الأستاذ الذي كان يشرف على تعليم أبناء الفلاحين!

وبسبب الخوف هجر السكان المنطقة، وتخلوا عن أراضيهم، واستقروا في مقطع الأزرق وحمام ملوان إلى يومنا. 

ولايزال الدوار مهجورا، يزوره بعض الفلاحين من الذين يملكون أراضي لممارسة الفلاحة أو رعي الغنم أو تربية النحل، ويغادرونها مع حلول الظلام.

منطقة ظل بامتياز عانت من التهميش

لعل أولى المشاريع التنموية التي تحتاج إليها قرية يما حليمة من أجل عودة السكان إليها وإعادة إعمارها - حسب عضو الجمعية المذكور - تعبيد الطريق؛ كون الوصول إلى القرية شاقا؛ حيث تقع في أعالي جبال بلدية حمام ملوان. ويحتاج المسلك المؤدي إليها، إلى إعادة تهيئة شاملة بسبب إتلافه؛ نتيجة العوامل الطبيعية، الأمر الذي جعل الوصول إلى القرية صعبا وشاقا، إلى جانب الإفراج عن الدعم الريفي، من أجل تمكين الفلاحين من بناء منازل بالدوار، والعودة إلى أراضيهم وخدمتها، وكذا الحصول على الدعم من أجل ممارسة بعض الأنشطة الفلاحية؛ كتربية الأبقار، وتربية النحل، مشيرا إلى أن ما يبشر بالخير بهذه القرية، أنها تنعم، اليوم، بالأمن، وهذا من العوامل المحفزة على إعادة إعمارها، خاصة أنها كانت من القرى التي تمكنت في الماضي، من تحقيق الاكتفاء الذاتي. كما كانت تغطي احتياجات بعض البلديات المجاورة، على غرار بلدية حمام ملوان، وبوفاريك، والبليدة، بما تجود به الأرض من خضر وفواكه وأعشاب عطرية وطبية.

وحسب ما جاء على لسان بعض الفلاحين، فإن كل المرافق التي تم بناؤها بعد الاستقلال كالمدرسة والمرفق الصحي، تم تخريبها بفعل العشرية السوداء. ولم تعرف القرية أي نشاط تنموي، حيث تحتاج إلى توصيل الأعمدة بكوابل الكهرباء، وكذا الربط بالغاز، علما أن العديد من الفلاحين لايزالون يعتمدون على الحطب للطبخ والتدفئة. كما تحتاج القرية إلى ربطها بوسائل النقل، التي تُعتبر غاية في الأهمية، لفك العزلة عنها، إلى جانب أهم انشغال، وهو السكن الريفي، من خلال تقديم الدعم للفلاحين لبناء سكنات ريفية، الأمر الذي يشجع على إعادة إعمار المنطقة، حيث تقرر - حسب بعض الفلاحين في إطار السكن الريفي - بناء 60 مسكنا ريفيا بالمنطقة، غير أن الجهات الوصية قامت ببناء مدرسة سنة 2014 ولم يدرس فيها أي تلميذ، وظلت عرضة للتخريب، وتخلت عن مشروع الإسكان الريفي، ما جعل من عودة الفلاحين حلما بعيد المنال.

قطب سياحي مهمل

يرى بعض المهتمين بالعمل الجمعوي على مستوى بلدية حمام ملوان، على غرار مراد سليم رئيس جمعية سياحية، أن قرية يما حليمة ومنطقة سباغنية بأعالي جبال حمام ملوان، تحتوي على العديد من المؤهلات السياحية، التي تجعل منها قطبا سياحيا بامتياز، ومكسبا لولاية البليدة، حيث يكفي فقط أن تحرص السلطات العمومية، على إعادة إعمارها بعدما هجرها السكان خلال فترة العشرية السوداء؛ من خلال إعادة بعث بعض المشاريع التنموية فيها، وبناء مختلف المرافق السكنية والصحية، وحتى المنتجعات السياحية والترفيهية؛ قصد إنعاش الفعل السياحي فيها، خاصة أنها تحوي على أشجار الأرز الأطلسي، التي لا توجد إلا بأعالي جبال الشريعة وقرية “يما حليمة”، كما أنها تحتوي على بعض الأنواع النادرة من الحيوانات؛ كالضبع الأطلسي المخطط، والثعلب الفضي، وكذا طائر الحسون الموجود بكميات قليلة بسبب صيده العشوائي، فيما تبقى المساعي جارية من أجل إعادة بعث حياة هذا الطائر بمنع صيده خلال فترة التكاثر، وهذا بالتعاون والتنسيق مع محافظة الغابات بالبليدة.

عودة الحياة إلى القرية مرهونة برغبة الفلاحين

حول المجهودات المبذولة من قبل السلطات المحلية من أجل إعادة إحياء دوار يما حليمة، تحدثت “المساء” إلى أمين حمداني نائب رئيس المجلس الشعبي البلدي ببلدية حمام ملوان، الذي أكد في تصريح خاص، أن الدوار هجره السكان بسبب العشرية السوداء، حيث طلبت السلطات المحلية من السكان بعد تجاوز هذه المرحلة، تقديم طلباتهم من أجل إعادة إعمار المنطقة.

وقدّم أغلب الفلاحين ملفات من أجل الحصول على سكنات ريفية لبناء منازل والعودة إلى القرية. ومنذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا، لم يتم إنجاز أي مشروع تنموي باستثناء المدرسة، التي تم تخريبها، وكذا المرفق الصحي، الذي أصبح مهجورا، مشيرا إلى أن بعض الفلاحين وجدوا صعوبة كبيرة في العودة إلى القرية، بعدما استقروا في مناطق أخرى باستثناء بعض الفلاحين من أصحاب الأراضي، الأمر الذي صعّب إعادة إعمار المنطقة، بسبب قلة السكان العائدين من كبار السن.

ومن جهة أخرى، أكد المتحدث أن السلطات المحلية بالمنطقة، سعت من خلال بعض البرامج التنموية، إلى توصيل بالكهرباء، وبناء مدرسة، ومرفق صحي لتشجيع الفلاحين على العودة، غير أن عدد السكان قليل، وهو محصور في فئة صغيرة من كبار السن، موضحا أن إعادة الإعمار مرهونة بالرغبة الحقيقية من المواطنين في العودة إلى أرضهم والاستقرار فيها، مشيرا في السياق، إلى أنه في الوقت الراهن، لا يوجد أي مشروع تنموي موجه لهذه القرية التي تُعد من مناطق الظل، وما على الفلاحين الراغبين في العودة، إلا تجديد طلباتهم، ليتم إيصالها إلى مصالح الولاية، حتى تتم إعادة بعث التنمية المحلية في القرية.

وعلى صعيد آخر، أوضح نائب رئيس المجلس الشعبي البلدي لبلدية حمام ملوان، أنه كمنتخب، يتمنى من الفلاحين أن يُبدوا رغبة جادة في العودة إلى قرية يما حليمة، ليتم تسطير برنامج خاص بها، لا سيما أنها منطقة زراعية خصبة، وكانت إلى وقت قريب، الممون الرئيس لبلدية حمام ملوان والبلديات المجاورة، بما تحتاج إليه من خضر وفواكه، فضلا عن أن الدولة تراهن على الريف، للدفع بعجلة التنمية.