تعليمة الوزارة الأولى تنهي فوضى الترقيات العقارية

مشاريع خارج القانون.. تجاوزات وملفات أمام العدالة

مشاريع خارج القانون.. تجاوزات وملفات أمام العدالة
رئيس الشباك الموحد ببلدية وهران، محمد بن ودان
  • القراءات: 12000
  رضوان. ق  رضوان. ق 

تشهد ولاية وهران منذ سنوات، انتشارا كبيرا لمشاريع السكن الترقوي الضخمة التي يتجاوز علوها 20 طابقا، والتي تنجَز، في الغالب، داخل أحياء سكنية راقية، وأخرى شعبية، إلى جانب إنجازها على أنقاض سكنات قديمة، وبأحياء مصنفة؛ على غرار حي الدرب، وسيدي الهواري؛ الأمر الذي أحدث فوضى كبيرة، واستياء وسط المواطنين من سكان الأحياء التي طالتها الظاهرة، والتي وصل بعضها إلى المحاكم؛ بسبب اعتراض المواطنين على عدد من المشاريع التي لا تتوافق مع معايير البناء والعمران، ولا حتى النمط الجمالي والقانوني للبنايات التي تحجب الرؤية، أو أُنجزت بين مسكنين آهلين، وغيرها من المشاكل التي خرجت عن السيطرة، وحوّلت مشاريع السكن الترقوي بوهران، إلى كابوس حقيقي، يطارد عدة عائلات بمناطق متفرقة من الولاية.

يُعد إنجاز مشاريع السكن الترقوي بولاية وهران، من الظواهر المنتشرة وبقوة منذ سنوات، والتي تفاقمت منذ حوالي 10 سنوات، على إثر التسهيلات التي وُضعت لإنجاز الترقيات العقارية، ومساهمة الخواص في القضاء على مشكل السكن، إلى جانب مجهودات الدولة؛ حيث تمكن عدد من المرقين العقاريين من إنجاز عمارات في مناطق متفرقة من الولاية، خاصة ببلديتي وهران وبئر الجير، اللتين تحولتا إلى نموذج في مجال البناء والتعمير بالجزائر. غير أنه مقابل ذلك، تنتشر بولاية وهران عدة مشاريع بمناطق سكنية كبيرة، ومناطق راقية، كانت تعرف إنجاز سكنات محدودة الطوابق، وبنماذج عمرانية جميلة، لا تتناسب مع النمط التعميري للمنطقة. وقد وقفت "المساء" في تحقيق ميداني، على بعض النماذج التي تحولت إلى كابوس لدى سكان عدة مناطق، خاصة ببلدية بئر الجير، التي تُعد أهم منطقة عقارية تنتشر بها ظاهرة الترقيات العقارية.

ويوضح المواطنون في هذا الشأن، أن بعض المشاريع المنجَزة والمنتهية أُنجزت بالقرب من سكنات لا يتعدى علوها الطابقين بدون احترام النموذج العمراني للمنطقة، ولا القوانين العمرانية؛ حيث لجأ الكثيرون إلى العدالة والبلدية للاعتراض على إنجازها، فيما تبقى الظاهرة منتشرة وبقوة ببلدية بئر الجير، وسط رفض واسع من المواطنين. وببلدية وهران الوضع لا يختلف عن بلدية بئر الجير، ويتعداها بإنجاز بنايات شاهقة من طوابق تتجاوز 20 طابقا وسط أحياء سكنية قديمة؛ على غرار حي الحمري، ومديوني، والبدر، والأحياء القديمة؛ كسيدي الهواري، والدرب رغم وجود مناطق مصنفة بحيّي سيدي الهواري والدرب. ويطالب المواطنون، في هذا الإطار، بتوقيف هذه الظاهرة، التي أتت على كل العقارات، إلى جانب انعدام البعد الجمالي في إنجاز بعض البنايات التي تفتقد للرؤية الجمالية في الإنجاز، فيما تبقى الظاهرة في توسع؛ حيث يكاد لا يخلو حي من عمارة في طور الإنجاز؛ ما تَسبب في مشاكل كبيرة للمواطنين.

وأضافوا أن إنجاز مثل هذه العمارات بشكل واسع، أصبح يؤثر، أيضا، على تمدرس التلاميذ، ويُحدث ضغطا في المؤسسات التعليمية القريبة من مواقع إنجاز المشاريع؛ إذ يجد مديرو المؤسسات التعليمية، سنويا، أنفسهم أمام أعداد إضافية لتلاميذ من أبناء السكان الجدد للعمارات الشاهقة، إلى جانب عمليات الحفر لتمديد القنوات، والتي لا تتم صيانتها في الغالب، لتبقى الشوارع ممتلئة بالحفر، ومستنقعات المياه الناتجة عن تسربها.

ممثلة اتحاد المرقين العقاريّينسجلنا فوضى ونعمل على توعية المرقين

أكدت ممثلة اتحاد المرقين العقاريين شمسة سهام في ردها على سؤال "المساء" بخصوص ظاهرة فوضى الترقيات العقارية، أن الجمعية تسجل فوضى في مجال الترقيات العقارية بولاية وهران، بشهادة الجميع من سكان الولاية، وحتى القادمين من خارج الولاية، الذين يرون بأنفسهم الفوضى المنتشرة بعدة مناطق عمرانية. وتعمل الجمعية، حاليا حسب المتحدثة، "مع المرقين العقاريين المنخرطين والمعروفين منذ سنوات بوهران وبمنطقة الغرب الجزائري، على تنظيم القطاع، والتحسيس والتوعية؛ حيث لا تضم الجمعية حاليا، سوى المرقين العقاريين، الذين يقدمون الإضافة، ويحترمون القانون".

وأضافت السيدة شمسة أن "الهدف من إنشاء الجمعية يصب في تطوير وترقية صورة المرقي العقاري"، موضحة أنها تقوم بعدة نشاطات مع المرقين العقاريين، وتحسّسهم بأهمية احترام القوانين، واحترام النمط العمراني للمناطق التي تنجَز بها الترقيات العقارية؛ بما يجعلها متناسقة، وتتوافق مع جمالية الأحياء السكنية، التي تقام فوقها هذه المشاريع. كما ساهمت الجمعية، حسب المتحدثة، في بعض النشاطات؛ على غرار غرس المنطقة المجاورة للملعب الأولمبي وتشجيرها؛ في مبادرة لانخراط المرقين العقاريين في الحياة اليومية للمواطن، وتقديم الإضافة.

مرقٍ عقاري: نطالب بدفاتر شروط وتوفير العقار الخاص بالترقية العقارية

قال مرق عقاري خاص رفض ذكر اسمه، في تصريح لـ "المساء"، "لا يجب تحميل المرقي العقاري وحده المسؤولية. كما لا يجب تحميل الإدارة كامل المسؤولية، بل يجب العمل على تنظيم القطاع بتدخل الإدارة، ووضع مخطط عمل ومراقبة للمناطق التي تقام فوقها المشاريع الترقوية؛ على غرار الأحياء السكنية"؛ إذ يتوجب على الإدارة، حسبه، وضع مناطق تمنع فوقها بناء الترقيات العقارية، والتوجه نحو إنشاء مناطق كبيرة، خاصة بإنجاز الترقيات العقارية على شكل تجمعات سكنية كبيرة، توفر فيها كامل الشروط والضروريات؛ من مؤسسات تعليمية، وفضاءات ترفيه وتسلية، والتي تبقى على عاتق الدولة، كما هو متعارف عليه، وفرض دفتر شروط يحترمه الجميع.

وأضاف المتحدث أنه سجل شخصيا، وجود مرقين يقومون بإنجاز فيلات في نفس الموقع الذي تنجَز فوقه عمارات سكنية بعدة طوابق، وذلك، أيضا، بسبب قلة العقارات الصالحة للبناء مقابل وجود طلب على السكن الترقوي في بعض المناطق المحددة من ولاية وهران، مشيرا إلى أن من حق المرقي العقاري إنجاز السكن، والاستثمار؛ "ما يجعلنا ندعو، مجددا، إلى تدخل المسؤولين بالتشاور مع جميع المتدخلين، والإسراع في العملية، خاصة ما تعلق بالمناطق المسموح فيها البناء، والمناطق محددة الطوابق، والسماح للمرقين بالتأكد من طبيعة المنطقة قبل الشروع في البناء..."، كما قال. وأوضح محدث "المساء" أن الكثير من المرقين يلجأون بالنظر إلى غلاء العقارات ومواد البناء والتجهيز، إلى إنجاز عمارات بعدة طوابق، لتحقيق ربح وعائدات؛ إذ لا يمكنهم على ضوء الغلاء المسجل حاليا، بناء عمارات من 4 أو 5 طوابق لا تحقق فائدة مالية.

رئيس الشباك الموحدرفضنا عشرات الملفات والقانون ضبط فوضى المشاريع

كشف رئيس الشباك الموحد ببلدية وهران، محمد بن ودان، أن المشرّع الجزائري قد ضبط المشاريع المنجزة ضمن برنامج السكن الترقوي، وهي القوانين التي دُعمت بتعليمات وإجراءات جديدة لضبط العملية، بعد الفوضى التي سُجلت خلال السنوات الأخيرة، والتي تجاوزت الحدود بعد الشكاوى والقضايا التي حُولت إلى العدالة. وتأتي تعليمة الوزير الأول في هذا الصدد، ضمن الإجراءات المتخذة والخاصة بالعلو؛ حيث تم منع إنجاز البنايات داخل الأحياء الراقية، والأحياء الشعبية، والتي تتواجد بها سكنات لا يرتفع علوها عن 3 طوابق، وهي التعليمية التي جاءت لتضع حدا لظاهرة البناء داخل النسيج العمراني، وبالأحياء العمرانية التي تنتشر بها المنازل محدودة العلو؛ حيث كان يتم سابقا إنجاز عمارات سكنية بعلو يتجاوز 10 طوابق داخل أحياء سكنية محدودة العلو؛ ما يتسبب في مشاكل وراء عدة قضايا أمام العدالة.

وأوضح المتحدث أن القوانين السابقة فعالة، ولايزال معمولا بها، حيث جاءت تعليمة الوزير الأول لتشديد العملية، مضيفا أنه سجل مباشرة بعد تعيينه على رأس الشباك الموحد، تجاوزات كبيرة، توجد أغلبها في أروقة المحاكم، والتي تخص قيام جيران المشروع بإيداع شكاوى، أو قيام مصالح البلديات والولاية وشرطة العمران، بإيداع شكاوى ضد مرقين قاموا بتجاوزات؛ ما دفع إلى إعادة النظر في التشديد في معالجة الملفات. ويطالَب، حاليا، بتقرير الزيارة من قبل المصالح التقنية للمندوبيات البلدية، ضمن الملف الإداري؛ للاعتماد عليه في الكشف عن طبيعة المنطقة، التي سيتم فيها إنجاز المشروع السكني. وذكر أنه يضطر في بعض الأحيان، للقيام بزيارة للموقع، والتحقق من التقارير المقدمة لتفادي منح رخصة في منطقة محددة الطوابق. وقد تمكن خلال سنة 2022 من تجنب الشكاوى والقضايا أمام العدالة ما عدا بعض الشكاوى المحدودة التي لا تعتمد على معطيات قانونية. كما يتم الاعتماد على مخططات شغل الأراضي، والمخطط المدير للعمران في منح الرخصة، وهو ما يعطي اللجنة صورة واضحة عن طبيعة المنطقة العمرانية، والإمكانيات العمرانية المتاحة لإنجاز ترقية عقارية.

وتبقى هذه المخططات ـ حسبه ـ بحاجة إلى إعادة الدراسة من جديد، في وقت أُنهي معظمها بعد انقضاء سنوات فعاليتها القانونية والعمرانية سنة 2018؛ الأمر الذي يستوجب دعوة المسؤولين إلى إطلاق دراسات تحيينية للمخططات العمرانية.  وكشف بن ودان أن الموافقة على إنجاز ترقية عقارية معنية بها مصالح البلديات، ومديرية التعمير والبناء، والحماية المدنية، ومديرية توزيع الكهرباء والغاز، والموارد المائية والمحافظة العقارية، حيث تتحمل مصالح العمران الولائية، المسؤولية الكبيرة في منح التراخيص. وقال في هذا السياق: "رفضنا عدة قرارات صدرت عن مديرية البناء خاصة ما تعلق بالعلو، وقمنا بإنقاص الطوابق في المشاريع بعد زيارتنا مواقع الإنجاز، والتي مست 6 ترقيات عقارية تم فيها إنقاص بين طابقين و3 طوابق، وهي عملية دورية نقوم بها بالتنسيق مع مختلف المديريات المعنية".

إضافة طوابق وتعديلات بعد إنهاء الأشغال... فراغ قانوني أم تحايل؟

ذهب عدد كبير من المواطنين ممن التقت بهم "المساء"، للتأكيد على أن جل المرقين العقاريين يقومون بعد انتهاء أشغال إنجاز بنايتهم الشاهقة، ببناء طابقين إلى 3 طوابق إضافية، وفتح نوافذ في تحدّ للقانون، حسب وصفهم، فيما يلجأ المواطنون مجددا، للعدالة؛ للطعن في عمليات البناء، والمطالبة بتوقيفها. وأكد آخرون أن جل الإضافات في عدد الطوابق التي بنيت، لم يتم وقفها أو هدمها، متسائلين عن سبب ذلك. وللوقوف على الظاهرة، كشف رئيس الشباك الموحد، أن عددا كبيرا من المرقين قاموا بذلك فعلا، مشيرا إلى أن الشباك الموحد يدخل في هذه الحالة؛ لمنح رخصة البناء للمرقي العقاري. ومن المفروض قيام المصالح التقنية بمراقبة المشروع من بدايته إلى غاية انتهائه. وقد قام الوالي، في هذا الصدد، بتأسيس لجنة خاصة بمراقبة مشاريع الترقية العقارية.

وصدرت تعليمة جديدة من قبل الوزير الأول شهر فيفري 2022، حملت رقم القانون 22-55 الذي يتحدث عن التجاوزات في البناء التي حدثت في المشاريع المنتهية قبل تاريخ 2 فيفري 2022، والتي لا تشمل المشاريع المنجزة بعد التاريخ المذكور، حيث أمر المسؤول التنفيذي بتسوية وضعية الترقيات العقارية المخالفة. وتم إيداع ملف لدى اللجنة المكلفة بذلك، والتي تقوم بدراسته، وزيارة الموقع، وتحديد التجاوزات. وقد حدد القانون نوعية المخالفات التي تمس البناية، حيث يتم الهدم في حال التعدي على أملاك الدولة، أو مساحات خضراء، أو توسعات على حساب الفضاءات العمومية والأرصفة. وفي حال موافقة اللجنة يمكن دفع غرامة مالية ومصاريف جديدة، ليتم منح رخصة إضافية.