رغم الظروف المناخية القاسية

مستقبل واعد لشجرة الأرقان بتندوف

مستقبل واعد لشجرة الأرقان بتندوف
  • 121
ربورتاج: لفقير علي سالم ربورتاج: لفقير علي سالم

بمناسبة اليوم العالمي لشجرة "الأرقان" المصادف لـ10 ماي من كل سنة الذي أقرته منظمة الأمم المتحدة كيوم عالمي لهذه الشجرة؛ باعتبارها تراثا ثقافيا لا ماديا للإنسانية قاطبة، ومصدرا للتنمية المستدامة للمحيط الحيوي. وانطلاقا من هذه الأهمية التي تحتلها هذه الشجرة المعمّرة بالجزائر، تبقى محتفظة بمكانتها العريقة بمناطق الجنوب، الى جانب انفرادها بدورها التنموي في الحفاظ على التوازن البيئي، وتماسك التربة، والوقاية من زحف الرمال. 

شجرة "الأرقان" من الأشجار العتيقة المعمرة بصحاري تندوف الشاسعة. كما تُعد من الأشجار النادرة، والمقاومة للجفاف، حيث تتواجد بكثرة في عدة مناطق بتندوف، منها منطقة "طويرف بوعام"، ومنطقة "مركالة"، ومنطقة "تركانت"، حسبما كشف بعض البدو الرحل المتواجدين بضفاف الأودية الجافة، وبالمناطق التي تتواجد بها تربة صخرية أو رملية، تكون قريبة من المياه الجوفية، وتمتد مساحتها في تلك المناطق بين ارتفاع 254 و634 متر فوق سطح البحر، وغالبا في شمال غرب ولاية تندوف.

تجارب ناجحة لغرس "الأرقان" رغم صعوبة المناخ

تنمو شجرة "الأرقان" على ضفاف الأودية. وقد نجحت جهود توطين الشجرة وزراعتها حسب المكلفين بقطاع الغابات بالولاية. 

ومن بين التجارب الناجحة في استصلاح هذه الشجرة وغرس بذورها، نذكر تجربة المستثمر الفلاحي مولاي إدريس زعاف، الذي استطاع قهر الطبيعة، وتحدي قساوتها ومناخها؛ إذ تمكن منذ سنة 2017 من دخول عالم "الأرقان" بمنطقة "وادي أمهية" التي تبعد عن مدينة تندوف بـ 18 كلم، من خلال غرس نحو 100 شجيرة بمرافقة محافظة الغابات بتندوف. ومنذ ذلك التاريخ اكتسب المستثمر، حسب تصريحاته، تجربة تقنية أهّلته فيما بعد لغرس نحو 3 آلاف شجيرة مع استعمال نظام السقي بالتقطير. وتم استخدام التقنيات الحديثة بالتنسيق مع الجامعة. وهناك تجارب فعلية لزراعة وتطوير شجرة الأرقان بتندوف، إذ بدأت السلطات المعنية بتنفيذ برامج ومشاريع لزيادة عدد الأشجار، ودعم انتشارها. 

وأوضح المزارع زعاف أن البداية كانت سنة 2016 بغرس 100 شجيرة رغم قساوة المناخ، وقلة الإمكانيات، إلا أن الإرادة تغلبت على ذلك. كما تمكن من إدخال تقنية السقي بالتقطير. وفي سنة 2023 تمكن المستثمر زعاف، حسب قوله، من تحقيق رقم قياسي في غرس 1500 شجيرة من "الأرقان" في صحراء جافة.

المرأة الريفية رقم صعب في المعادلة

تمكنت المرأة الريفية بتندوف من افتكاك الصدارة، وتحقيق ذاتها ضمن التجربة المحلية في زراعة شجرة "الأرقان"، واستخلاص زيوتها. ومن أبرز النماذج النسوية الناجحة نذكر التعاونية النسوية لاستخراج زيت "الأرقان"، التي برزت منذ سنة 2025، حيث تم توفير آلات عصر باردة بتمويل من هيئة "ثقة" التركية بتيميمون. 

وخلال مسيرة تحذوها إرادة قوية، استطاعت التعاونية تسويق منتوجها عبر منصات التواصل الاجتماعي "الإنترنت"، ومنصات " أوريد".

وتحدثت إحدى النساء الحرفيات عن كيفية تحويل العوائق الى دروس للنجاح. ومن أبرز التحديات في ظل قلة البذور الجيدة، إنشاء بنك بذور محلي بجامعة أدرار. 

ولتجاوز طول فترة الانتظار للحصول على الثمار، تم القيام، تقول الحرفية، بزراعة مصاحبة للخضروات بين الأشجار؛ لتحسين الدخل من جهة. ومن جهة أخرى، تم تكوين فلاحين بالمعاهد المتخصصة لاكتساب الخبرة والمهارات، وتبادل الآراء؛ لتحقيق أفضل النتائج.

فرص استثمارية محلية لغرس شجرة "الأرقان"

وحسب مصادر ذات صلة بعملية غرس شجرة "الأرقان" محليا، فإن عائد الهكتار الواحد بعد 10 سنوات، يصل الى ألف لتر من زيت "الأرقان" سنويا؛ بقيمة 300 ألف دج للتر تقريبا، الى جانب توفير 5 مناصب عمل دائمة، و20 منصبا موسميا لكل 10 هكتارات، بالإضافة الى إمكانية التصدير الى أوربا، ودول الخليج تحت علامة" أرقان الجزائر". 

إرادة جزائرية لغرس "الأرقان" في صحراء شاسعة

تتواجد شجرة "الأرقان" عموما، في الشمال الغربي من تندوف، على بعد 110كلم عن مقر الولاية. وتتربع بتندوف على مساحة إجمالية تقدر بـ 672.41 هكتار.

وحسب تعداد لمحافظة الغابات بالولاية، فإن عدد الأشجار المغروسة بلغ نحو 5257 شجيرة موزعة على عدة مناطق، منها منطقة "طويرف بوعام" على مساحة تقدر بـ 649.06 هكتار، وبها نحو 4717 شجيرة، وبمنطقة "مركالة" التي تتربع على مساحة تصل الى 7.25 هكتارات، فيوجد بها حوالي 240 شجيرة، وبوادي "تاركانت" 16.08 هكتارا، وبها 300 شجيرة، فيما أحصت مصالح الغابات، أيضا، 10 آلاف شجرة سنة 2025 مبعثرة، حسبما كشف رئيس تعاونية "تاركانت" للزيوت النباتية.

وقد تمكنت الدولة من 2003 الى غاية 2026 من زرع كميات كبيرة من شجرة "الأرقان" بمناطق متفرقة من الوطن، بدءا من ولاية تندوف 1500 شجرة. وهي أكبر تجربة على المستوى الوطني، إضافة الى ولاية أدرار التي أحصت غرس 200 شجرة منذ سنة 2010، بنسبة نجاح وصلت الى 80 بالمائة بعد 5 سنوات. أما بولاية معسكر فقد حقق مشروع "وادي الأرقان" الجامعي، نجاحا معتبرا، وصل الى 90 بالمائة في ظرف 45 يوما. وبولاية النعامة تبقى منطقة مقرار، أيضا، ضمن التجارب الناجحة وطنيا.  

برامج أعطت ثمارها لتثمين "الأرقان" بتندوف

من أبرز البرامج الناجحة تلك التي قامت بها محافظة الغابات، المتمثلة في إطلاق عمليات لإنشاء مشاتل لإنتاج شتلات على مدار سنوات من 2003 الى غاية 2022، حيث تم غرس نحو ألف شجيرة، وتوزيع حوالي 480 شجيرة على الفلاحين عبر أنحاء الولاية، إضافة الى إنشاء مركز لتنمية شجرة "الأرقان" في مشتلة "وادي الجز". 

وحسب محافظة الغابات، فإن هذا المشروع يهدف الى حماية الغابات الطبيعية، وإجراء أعمال تجريبية في تربية "الأرقان"، مع تقديم شتلات مجانا للمواطنين؛ لترسيخ تقاليد المحافظة على الشجرة.

مؤسسة "مركالة بلوس" نموذج ناجح في استخلاص زيت "الأرقان"

تمثل مؤسسة "مركالة بلوس" أحد أبرز النماذج الناجحة محليا في استخراج زيت "الأرقان" باستعمال الطرق التقليدية. وهي مؤسسة ناشئة للحرفي عويش عبد الله المتخصص في الزيوت النباتية، حيث بدأ نشاطه في هذا المجال منذ سنة 2001 الى يومنا هذا، محققا نتائج إيجابية.

مسار حافل بالنشاطات

سعت التعاونية في مجال اختصاصها رغم قلة الإمكانيات وحداثة التجربة، بكل إرادة؛ من أجل إبراز المخزون الغابي لشجرة "الأرقان"، حيث تمكن رئيس التعاونية من المشاركة في العديد من التظاهرات المحلية والوطنية. وتم افتكاك جائزة في المنتوجات المصغرة جدا في المعرض الوطني بقصر المعارض، والمنظم من قبل الوكالة الوطنية لتسيير القرض المصغر، ووزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمصغرة، إضافة الى المشاركة في المعرض الإفريقي للتجارة البينية، المنظم من قبل رئاسة الجمهورية كمؤسسة ناشئة، ممثلة لوكالة القرض المصغر بتندوف. 

كما كان للتعاونية الحظ في المشاركة في لقاء رئيس الجمهورية بالمتعاملين الاقتصاديين المشاركين في الطبعة الرابعة لمعرض التجارة البينية الإفريقية بالمركز الدولي للمؤتمرات بالعاصمة، إضافة الى المشاركة في المعرض الوطني للصناعة التقليدية والحرف، المنظم من قبل وزارة السياحة والصناعة التقليدية.

    

آفاق تطوير زراعة شجرة الأرقان بتندوف

تأتي تندوف على غرار عدة ولايات من الوطن، كمستغانم وأدرار وتيميون والنعامة والشلف والمنيعة ومعسكر والمسيلة وسعيد، لتسجل حضورها الفعال في مجال تثمين شجرة "الأرقان" في المجال الزراعي، والسعي الى زراعة الشجرة في مجالها الطبيعي بولاية تندوف، وتثمين زيتها المستخلص من ثمارها كمنتجات لمواد التجميل والصيدلة، وتكثيف الجهود؛ قصد تسويقها على المستوى المحلي، والإفريقي.

وأشار الحرفي عويش عبد الله الى دعم الدولة لهذه المبادرات، الرامية الى ترقية شجرة "الأرقان" وطنيا، ومنها تعليمة رئيس الجمهورية، الصادرة عن مجلس الوزراء المنعقد في تاريخ 31 جانفي 2022؛ حيث أسدى تعليمات بزراعة وتطوير شجرة "الأرقان" ، وتثمينها في مجالها الطبيعي وخارجه. 

وأبرز المستثمر الشاب عبد الله زريبيع أهمية هذه الشجرة، مؤكدا أنّ لها مستقبلا واعدا في الجزائر، حيث ستساهم في الاقتصاد الوطني خارج المحروقات.

إنشاء مشاتل واسعة لغرس شجرة "الأرقان"

وفي نفس السياق، تقوم محافظة الغابات لولاية تندوف بتجسيد عمليات واسعة، ترمي إلى تطوير وتنمية شجرة "الأرقان" بالمنطقة، ومن بينها إنجاز العديد من المشاتل، وغرس نحو 1000 شجيرة ما بين سنتي 2003 و2022، وتوزيع زهاء 4580 شجيرة على الفلاحين عبر المحيطات الفلاحية بالولاية. 

كما استفاد قطاع الغابات في إطار عملية إعادة الاعتبار لشجرة "الأرقان" ضمن الصندوق الوطني للتنمية الريفية بعنوان " مكافحة التصحر وتنمية الاقتصاد الرعوي والسهوب "، من غلاف مالي قدره 93 مليون دج، وُجه لغرس 50 هكتارا بالأشجار الغابية، وتجهيز ينابيع المياه بمضخات ميكانيكية، وأخرى مستعملة لطاقتي الشمس والرياح، بالإضافة إلى جمع بذور النباتات الرعوية، خاصة منها صنف "الأرقان".

وتم، أيضا، ضمن نفس البرنامج إنجاز مشتلة (على مساحة 300 متر مربع) لإنتاج بذور النباتات الرعوية، والأشجار والشجيرات العلفية والغابية، والأشجار المثمرة المقاومة للجفاف بمنطقة "طويرف بوعام"، ومشتلة مماثلة بمنطقة "وادي الجز".

كمية الثمار المجموعة

كشف عبد الله زريبيع، أحد المستثمرين القدامى في شجرة "الأرقان" ورئيس تعاونية حرفية في المجال، أنّ كيلوغراما واحدا من بذرة "الأرقان" يجمع من 35 الى 43 كلغ من الثمرة الصلبة حسب حجم الثمرة. 

وبطريقة حسابية، أفاد رئيس التعاونية، حسب تجربته، بأن هذا يعني أن جمع 3 كلغ من البذرة يساوي معدل 149 كلغ من الثمار. كما إن 3 كلغ من البذرة المجموعة يتم عصرها في آلة عصر الزيوت الصغيرة، لتتحصل على 1 لتر من زيت "الأرقان" الأصلي. 

وكشف المستثمر زريبيع عن التأطير المخصص للعناية بهذه الشجرة، لا سيما استخلاص الزيوت من ثمارها، مشيرا الى أنّ هناك 5 نساء حرفيات ذوات خبرة في مجال استخلاص الزيت، وهن تابعات لتعاونية "وادي تار قانت" للزيوت النباتية الطبيعية بتندوف.

ما يجب معرفته بخصوص شجرة "الأرقان"

من بين خصائص وفوائد شجرة "الأرقان" التي بدأت تشق طريقها نحو الشهرة والعالمية، المساعدة على تثبيت التربة، ومكافحة زحف الرمال، حيث تمتد جذورها الى عمق 200 متر في الأرض. كما تُعد من الأشجار التي تتحمل الجفاف، فيما يتراوح سعر زيت شجرة "الأرقان" العالمي، بين 300 و400 دولار للتر الواحد، نقلا عن المجلس الدولي للزيت.

مديرية الصناعة التقليدية مساهم فعال في ترقية وتطوير الشجرة

تسعى مديرية الصناعة التقليدية والحرف بتندوف ضمن مهامها في مجال تثمين الموروث الغابي على غرار الموروث الحرفي، الى المساهمة في مشروع تطوير شجرة "الأرقان" على مستوى الولاية؛ من خلال تكثيف دورات تكوينية للحرفيين حول آليات تطوير هذه الشجرة العتيقة، ضمن مقاربة استراتيجية لتثمين الموارد الطبيعية المحلية، ومكافحة التصحر، الى جانب المساهمة بالخبرة في استخلاص زيت "الأرقان" من قبل حرفيات مختصات في هذا المجال، الى جانب حملات غرس مكثفة بالشراكة مع محافظة الغابات؛ لضمان استدامة هذا المورد الأساسي.

ومن أبرز جهود غرفة الصناعة التقليدية والحرف بتندوف، حسب رئيستها فاطمة تركي، نذكر انطلاق مشاريع لغرس مساحات واسعة بنحو 50 هكتارا سنة 2025. كما تعقد الغرفة دورات تكوينية وتدريبية لفائدة الحرفيين، والمرأة الريفية؛ لتعلُّم تقنيات استخراج زيت "الأرقان".

وقد نجحت المرأة الريفية في ذلك، وحققت نتائج ملموسة. كما تم توقيع اتفاقيات شراكة وتعاون بين الغرفة ومحافظة الغابات، لتكوين حرفيين، ودمجهم في اقتصاد المنتجات.

وهذه الجهود مجتمعة جزءٌ من برنامج وطني لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق الصحراوية، حيث يُعد زيت الأرقان منتوجا تقليديا عالي القيمة.