جدل لم يفصل فيه بعد... إلحاق الابتدائيات بالوصاية أم إنشاء ديوان متخصص؟
  • القراءات: 696
روبورتاج: رشيد كعبوب  روبورتاج: رشيد كعبوب 

"المساء" تفتح ملف تسيير المدارس من طرف البلديات

جدل لم يفصل فيه بعد... إلحاق الابتدائيات بالوصاية أم إنشاء ديوان متخصص؟

تجمع الأسرة التربوية على أن بقاء تسيير الهياكل المدرسية على عاتق المجالس البلدية، قد لا يفي بالغرض المطلوب، ولا يساهم في توفير تكفل تام بالتلاميذ وأسرة التعليم عموما، ويكاد يكون عاملا من عوامل تدهور القطاع في بعض المناطق، خاصة النائية منها، والبعيدة عن أعين المجالس البلدية، التي تتجه بوصلتها هذه الأيام نحو الاهتمام بالانتخابات المحلية، وما يترتب عنه ربما، من تركيز على خدمة الحملة أكثر من الاهتمام بمشاكل القطاع.

إذا خيرنا أهل القطاع في الطور الابتدائي على بقاء تسيير المدارس الابتدائية بيد البلديات، أو إلحاقها بوزارة التربية الوطنية، لكانت النسبة توشك أن تكون مائة بالمائة.. هكذا صرح أساتذة الطور الابتدائي، الذين تحدثت إليهم "المساء" بعدة ولايات، متأسفين عن واقع التكفل بالهياكل التربوية، التي يرونها غير مريحة، ولا تشجع على العملية التربوية والتحصيل العلمي، بالنظر إلى التكفل المحتشم من طرف المجالس البلدية، التي تخصص ميزانية غير كافية لتسيير الهياكل التربية، وينطلي سوء التسيير في المجالس البلدية، وما تتخلله من انسدادات على التكفل بوضعية المتمدرسين والأسرة التربوية عموما.

في هذا الاستطلاع، يطرح المعلمون جملة من النقائص والمشاكل التي تنغص يومياتهم، وتؤثر سلبا على سير عملهم.

يتأسف الأستاذ فراحي ابراهيم، معلم بإحدى مدارس ولاية باتنة، عن الوضعية التي آل إليها تسيير الابتدائيات، ويطرح العديد من النقائص التي تقع مسؤوليها على عاتق البلدية، منها عدم توفير العمال بالقدر الكافي من حراس وعمال النظافة وعمال المطاعم، مما يضطر مدير المدرسة إلى البحث عن عمال، في إطار الشبكة الاجتماعية، بأجر لا يتعدى 5 آلاف دينار شهريا، وإن وجد- يضيف الأستاذ فراحي ـ فقد يتغاضى على بعض التصرفات، مثل السرقة التي تطال وجبات التلاميذ، وإذا غادر العامل المنصب، يحمل رئيس البلدية مدير المدرسة مسؤولية تعويضه.

وفي شق التجهيز المكتبي ومواد الصيانة، فالأمور لا تسير ـ حسب محدثناـ بأريحية، فالبلديات تقوم بإبرام صفقات "شكلية" قد تمنح لمن لا يوفرون سلعا وخدمات، حسب دفتر الشروط، خاصة إذا كانت الميزانية ضعيفة، وهنا إذا تكلم مدير المدرسة وانتقد نوعية ما يوفره الممون، فإنه يصبح متهما بإثارة البلبلة، لتضيع بذلك حقوق المتمدرسين.

بشأن تسيير المطاعم المدرسية، يرى محدثنا أن العجز واضح، لاسيما بمدارس المناطق النائية، (مناطق الظل)، حيث يسجل انعدام الترميمات في جل المدارس، وعدم توفير التدفئة في معظم المدارس والتذبذب في توفير مادة المازوت، رغم أن الدولة وفرت الجانب المادي للتكفل بالتدفئة في مدارس الوطن، والمؤسف، حسبه، تسجيل سوء معاملة بعض رؤساء البلديات لمديري المدارس، حينما يلحون على توفير ما يجب توفيره.

المعلمون: إسناد المدارس للبلديات خطأ يجب تداركه وهذه مقترحاتنا

للقضاء على هذه النقائص ومخلفات سوء التسيير البلدية، تنتظر الأسرة التربوية إعادة النظر في تسيير هذه الهياكل، وإلحاقها بوزارة التربية، حيث يقترح الأساتذة تخصيص ميزانية محترمة كفيلة بسد احتياجات المدرسة الابتدائية، إلى جانب توفير عمال تابعين لوزارة التربية، وتعيين مسير مالي خاص بكل مدرسة، يتكفل بالعمليات المالية، كالتجهيزات وتسيير المطعم المدرسي، يعمل عمل المقتصد في المتوسطات والثانويات، يقول الأستاذ ابراهيم فراحي.

أما الأستاذ "أمين. ك"، معلم بإحدى بلديات ولاية المدية، الذي يطرح التوتر الحاصل بين مديري المدارس ورؤساء البلديات أو الأمناء العامين، بسبب مشاكل القطاع، والذي قال؛ إنه "من الأحسن أن يعود تسيير المدراس لوزارة التربية"، ويرى أنه "لا يوجد حضن أكثر دفئا من حضن الوصاية، التي تقوم بتسجيل احتياجاتها من الموارد البشرية سنويا، وفق الخريطة المدرسية والقوانين الضابطة لها".

أما الأستاذ عمر بكيري، أحد أقدم المعلمين بشرق ولاية المدية، فذكر لنا أن مدير المدرسة الذي يزجر في كثير الأوقات من لدن مسؤولي البلديات، بل وحتى من طرف العمال العاديين بالبلديات، من أمين المخزن، مشيرا إلى أن مطلب المديرين والأساتذة، في هذا الشأن، "أن تتخلص المدارس الابتدائية من هيمنة السلطات المحلية واستقلالها بنفسها"، فمن غير المعقول، حسبه، أن يتوسل مدير مدرسة للحصول على علبة ورق أو مكنسة أو قارورة ماء "جافيل".

من جهته، يرى الأستاذ كمال سعادي، أن الحل يكمن في استحداث ديوان وطني لتسيير الهياكل المدرسية تابع لوزارة التربية، من حيث الميزانية والدعم البشري من الحارس إلى عامل النظافة والمطعم والصيانة، وكذلك إرجاع الوصاية على المنشآت (المدارس والسكنات وكل التجهيزات) للوزارة الوصية، معتبرا إسناد الهياكل المدرسية للبلديات أكبر خطأ انجرت عنه "كوارث تسييرية"، سواء من حيث شح ميزانية البلدية المخصصة لتسيير المدرسة، التي يترتب عنها رداءة الخدمات، كالإطعام والنقل والتدفئة ومواد التطهير وصيانة المنشآت، بل ويضيف "إن أغلبية السكنات الوظيفية يسكنها متقاعدون من زمن العشرية السوداء".

"أميار" البلديات الفقيرة: العين بصيرة واليد قصيرة

إذا كانت الأسرة التربوية تشتكي نقص التكفل بالتلاميذ والأساتذة، فإن للمجالس البلدية رأي آخر، وتبرير يرونه منطقيا، من حيث الواقع المعاش، بعيدا عن القوانين التي توصي بضرورة التكفل التام بالعملية التربوية، وفي هذا الإطار، يؤكد بعض "الأميار" أن القوانين لا تفرق بين بلديات فقيرة وأخرى مرتاحة ماليا، إذ ليس هناك معايير مضبوطة وميزانيات محددة من طرف البلديات، تراعي عدد التلاميذ والمؤطرين التربويين والعمال عموما، فهي توصي بتخصيص نسبة معينة قد لا تلبي كل الاحتياجات المطلوبة، لذلك صار مطلب إسناد تسيير المدارس لمديريات التربية التي تخصص ميزانيات مدروسة، تراعي فيها حجم المؤسسات التربوية، وليس نسبة الاقتطاع من الميزانية، مثلما هو الحال بالنسبة للبلديات.

وفي رأي بعض "الأميار"، فإن البلديات المرتاحة ماليا لا يطرح بها مشكل التكفل بتاتا، ومثال ذلك بالعاصمة، على غرار بلديات الدار البيضاء والمحمدية وسيدي امحمد، وكذا وادي السمار وغيرها، بينما تواجه بلديات أخرى بحواشي ولاية الجزائر عجزا ماليا، يحول دون توفير كل المستلزمات، خاصة ببلديات الولايات الداخلية ومناطق الظل، التي استفادت من دعم الدولة، لكن ذلك لا يجدي نفعا، لأن الأمر لا يتعلق فقط بنفقات التجهيز، بل يتعداه لنفقات التسيير، التي تشكل هاجسا كبيرا لدى الأسرة التربوية، حتى بالنسبة للبلديات المرتاحة ماليا، مثلما أكد لنا عيسى بورابية، رئيس بلدية الرحمانية، غرب العاصمة، مشيرا إلى أن الأمر يطرح بالنسبة للمدارس الجديدة التي تعجز في شأنها البلديات على توظيف عمال يسهرون على حراستها وتنظيفها.    

قال عمر زتيلي، رئيس بلدية القصبة، إن المؤسسات التربوية التابعة لإقليمه لا تواجه أي مشكل من حيث التكفل، لكنه يعترف بأن هناك بلديات أخرى تضم عددا معتبرا من المدارس، تعاني من قلة الإمكانيات المطلوبة في تسيير المدارس.

وما أدلى به المدرسون ومديرو المدارس، خير دليل على أن البلديات لا تستطيع ضمان تسيير لائق لهذه المرافق التربوية، مؤكدين أن هناك مدارس (بعيدة عن أعين المسؤولين) تواجه نقص الإمكانيات، وزاد وضعيتها تعقيدا مخلفات وباء "كورونا"، التي تتطلب نفقات إضافية تقع على عاتق البلديات، لضمان التمدرس واحترام البروتوكول الصحي. 

هذه اقتراحات النقابات لحل مشكل التسيير

لم يخف مسعود بوديبة، المكلف بالإعلام لدى المجلس الوطني المستقل لأسلاك التربية "كنابست"، في اتصال مع "المساء"، جهود منظمته في التطرق إلى هذا الملف، في كل المناسبات، لكن يبدو -حسب محدثنا- أن الوصاية لا تزال تتهرب وتريد إبعاد مسؤولية وعبء تسيير المدراس الابتدائية عن إدارتها.

يضيف السيد بوديبة، أنه رغم أن المدرسة جزء من السيادة الوطنية، إلا أن أمر تسيير هياكلها متروك للبلديات، وهي في أغلبها فقيرة لا تقوى على توفير كل المتطلبات الضرورية، فضلا عن أن صلاحيات "الأميار" والمجالس محدودة، سواء من حيث توظيف العمال وضمان مرتباتهم، أو صيانة وتجهيز المدارس، التي تصطدم بضعف التخصيصات المالية الموجهة لهذا القطاع الحساس.

كما أكد ممثل "كنابست" أن بقاء تسيير المدارس على عاتق البلديات، يبقي على مشكل غياب مبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ، في إشارة إلى أن تلاميذ البلديات الميسورة يبقون أحسن حالا من زملائهم في البلديات الفقيرة، وفي مناطق الظل.

كما أكد لنا محمد حميدات، الأمين العام للنقابة الوطنية المستقلة لأساتذة التعليم الابتدائي، أن أغلب المنظمات والنقابات تطالب بسحب عملية التسيير من البلديات، لأن ذلك أجدى، حسب رأيها، والأمر متعلق بالجانب المالي، الذي يمكن أن لا تتوفر عليه الجماعات المحلية. 

من جهته، يطرح رئيس المنظمة الوطنية لأولياء التلاميذ، علي بن زينة، أن حلا آخر لمشكل نقص التكفل الذي يبقى - في رأيه- مطروحا، ما دامت الأمور موكلة للجماعات المحلية، مشيرا إلى أن المشكل لن يزول نهائيا إلا بتوفير إطار قانوني وهيئة خاصة، تتمثل في إنشاء ديوان وطني لتسيير الخدمات المدرسية، تعهد إليه كل الأشغال من إطعام وتجهيز وصيانة وترميم، وهو المقترح الذي تقدمت به منظمة أولياء التلاميذ، حسب رئيسها، الذي أكد أن هذا المقترح رحب به مختلف الشركاء الاجتماعيين في قطاع التربية، كونه سيضع حدا للإهمال وسوء التسيير، والتلاعب بأموال القطاع.

وقد استبعد محدثنا أن تقبل وزارة التربية الوطنية بمقترح إلحاق المدارس بإدارتها، وحسبه، فإن تسييرها لقرابة 10 آلاف مؤسسة بين ثانويات ومتوسطات، يعد عبئا كبيرا، فكيف إذا أضيف لها تسيير 19 ألف مؤسسة ابتدائية، مؤكدا أنه لا يوجد أحسن من إنشاء مؤسسات عمومية اقتصادية ذات طابع تجاري وصناعي، لها استقلالية مالية، وتخضع لمراقبة وزارة المالية من حيث الحسابات والتسيير.

النصوص القانونية المنظمة للعلاقة بين الابتدائية والبلدية

تعرف المدرسة بكونها مؤسسة عمومية تستقبل الأطفال الذين بلغوا سن التمدرس القانونية (6 سنوات)، ليتابعوا بها التعليم الابتدائي الذي تبلغ مدته 5 سنوات، والمدرسة الابتدائية تنشأ بقرار محلي، وتخضع إداريا وتربويا لوزارة التربية الوطنية، أما بناؤها وتجهيزها وصيانتها وضمان حراستها وأمنها، فهو من صلاحيات البلدية، طبقا للقوانين السارية، وسيأتي ذكرها لاحقا.

يسير المدرسة الابتدائية مدير، يوظف عن طريق المسابقة، من بين معلمي التعليم الابتدائي وأساتذة التعليم الابتدائي المستوفون للشروط القانونية (الأقدمية)، والذين تابعوا بنجاح تكوينا بأحد المعاهد الجهوية لتكوين مستخدمي التربية، لمدة سنة دراسية.

المرسوم 81-377 المؤرخ في 26 ديسمبر1981، والمحدد لاختصاصات البلدية والولاية في قطاع التربية، يوضح بدقة، مهام ومسؤوليات البلدية والولاية في المؤسسات التربوية والمطاعم المدرسية، خاصة ما تعلق منها بتوفير التجهيزات اللازمة، من تدفئة وطباشير وطاولات وكراس وهاتف، والتزود بالماء والكهرباء والإصلاحات والترميمات وحراسة المؤسس وغيرها.

يتضمن هذا القرار، لاسيما في المادة 3 و4 منه، المصاريف الخاصة بالتسيير العادي للمؤسسات المدرسية التابعة للتعليم الابتدائي، والتي حسب القرار، تكون على حساب ميزانية التسيير للدولة، كما أنه يتعين على البلديات أن تقيد في ميزانيتها وبعنوان المصاريف الحتمية، جميع التكاليف الخاصة بكل من التدفئة والإنارة وتزويد المحلات المدرسية بالماء الصالح للشرب، صيانة المحلات المدرسية والمساكن، حراسة المدرسة، التزويد بالحبر والطباشير والدفاتر النظامية.

وأي مشكلة أو قصور في هاته الجوانب، يتطلب من المدير أن يتدخل ويراسل رئيس البلدية بشكل مباشر، ويرسل نسخة من إرساليته لمفتش المقاطعة من باب الإعلام فقط، أما وزارة التربية ممثلة في مديرية التربية للولاية، فيقتصر دورها على التسيير الإداري والبيداغوجي فقط.

كما يفصل الفصل الثالث من القانون رقم 90- 08 المؤرخ في 07 أفريل 1990، والمتعلق بالبلدية (الجريدة الرسمية رقم 15 الصادرة في 11 أفريل 1990، لا سيما المواد 97 و98 و99، علاقة المدرسة بالبلدية، بشكل واضح، فالمادة 97 تؤكد على أن اختصاص البلدية، هو إنجاز مؤسسات التعليم الابتدائي طبقا للمقاييس الوطنية والخريطة المدرسية وتقوم بصيانة هذه المؤسسات، كما تشجع النقل المدرسي من خلال المادة 98، وتبادر باتخاذ أي إجراء من شأنه تشجيع التعليم ما قبل المدرسي (التحضيري والحضانة)، وتعمل على ترقيته، حسب المادة 99.