عاصمة "الزيبان" تحتضن اليوم الوطني للمنتوج في نوفمبر القادم
توقع إنتاج أكثر من 4 ملايين قنطار من التمور ببسكرة
- 230
روبورتاج: نورالدين العابد
توقع مدير المصالح الفلاحية لولاية بسكرة، حبيب بوسري، إنتاج أكثر من 4 ملايين قنطار من التمور بمختلف أصنافها، لاسيما مع توفر كل الظروف المواتية لإنجاح عملية الجني وقطف المحصول.
معلنا عن افتتاح سوق الجملة للتمور ببلدية الحاجب، وسط تنظيم محكم من طرف السلطات المحلية، والذي يشهد إقبالا معتبرا للتجار المحليين، الذين عبروا عن ارتياحهم لتوفر الأمن، مؤكدين، أن هذا الفضاء التجاري المتجدد كل سنة، يوفر منتوجا ذي جودة عالية، وبأسعار تنافسية.
لا يأتي موسم التمور بولاية بسكرة، كغيره من المواسم الفلاحية، إذ تبدأ العراجين في التحول تدريجيا من الاخضرار إلى ألوانها الذهبية، وتشرع حبات التمر في بلوغ مراحل النضج، لتتحول واحات الزيبان إلى ورشة كبيرة مفتوحة على الشمس، والانتظار والعمل. موسم يبدأ مبكرا مع البواكير، ويتواصل على امتداد أسابيع، قبل أن تبلغ الحركة ذروتها مع دخول مختلف أصناف التمور مرحلة الجني والتسويق.
يحمل هذا الموسم، بدوره، مؤشرات إيجابية، إذ تتجه التوقعات إلى إنتاج يفوق 4 ملايين قنطار من مختلف أصناف التمور بولاية بسكرة، في ظل توسع المساحات المغروسة، ودخول واحات نخيل جديدة مرحلة الإنتاج، إلى جانب تحسن المردود في عدد من المناطق المنتجة.
تأتي هذه التوقعات، في وقت بدأت بعض الأصناف المبكرة تجد طريقها إلى الأسواق، لاسيما تمر "لمنقر" المعروف محليا أيضا بالغرس في بداية نضجه، والذي يشكل كل سنة، إشارة مبكرة إلى انطلاق موسم التمور في عاصمة الزيبان. علما أن السوق الشعبي ببلدية طولقة، المعروف بـ"رحبة الزناجة"، يعرف حركة دؤوبة هذه الأيام، أين يعرف الكثير من الشباب بواكير "دقلة نور"، وبعض الأصناف الأخرى، فضلا عن وفرة فاكهة التين التي عرفت ارتفاع المحصول بنوعية جيدة جدا، وتباع بحوالي 200 كيلوغرام.
موسم يبدأ من البواكير
في أسواق بسكرة، لا يحتاج المتابع إلى كثير من الوقت، ليكتشف أن موسم التمور قد بدأ فعليا، فصناديق البواكير تظهر تدريجيا، والطلب عليها يكون مرتفعا في بدايات الموسم، قبل أن تتوسع دائرة العرض، مع تقدم النضج في مختلف مناطق الولاية.
وقد سجلت أسعار "المنقر" في بداية تسويقه، خلال جويلية الماضي، مستويات مرتفعة نسبيا، وصلت في بعض نقاط البيع إلى نحو 500 دينار للكيلوغرام، وهو أمر ارتبط أساسا بمحدودية العرض في تلك الفترة، قبل أن تتراجع الأسعار مع دخول كميات أكبر إلى الأسواق.
لكن "لمنقر"، ليس سوى البداية. فالموسم الحقيقي للتمور في بسكرة يتسع ليشمل عشرات الأصناف، وعلى رأسها "دقلة نور"، التي تمثل العلامة الأبرز للمنتوج المحلي، إلى جانب الغرس والدقلة البيضاء و"المشدقلة"... وغيرها من الأصناف التي تختلف خصائصها ومواعيد نضجها وطرق تسويقها.
وهكذا، فإن الحديث عن إنتاج يتجاوز 4 ملايين قنطار، لا يتعلق بصنف واحد، وإنما بثروة فلاحية متنوعة، تشكل أحد أهم أعمدة النشاط الزراعي والاقتصادي في الولاية.
"دقلة نور"... عنوان الجودة
تبقى "دقلة نور"، في مقدمة المشهد. فهذا الصنف الذي ارتبط اسمه تاريخيا بواحات الزيبان، لا يمثل مجرد منتوج فلاحي بالنسبة لسكان المنطقة فقط، بل جزء من هوية اقتصادية واجتماعية متجذرة.
تشير معطيات، إلى أن إنتاج "دقلة نور" وحدها، بلغ في أحد المواسم المتوقعة نحو 2.4 مليون قنطار، أي ما يعادل 60 بالمائة من إجمالي الإنتاج المتوقع آنذاك. كما كانت التوقعات، تشير إلى أكثر من 600 ألف قنطار من الغرس، وأكثر من مليون قنطار من أصناف أخرى، من بينها الدقلة البيضاء.
تكشف هذه الأرقام، عن المكانة التي تحتلها "دقلة نور" داخل خارطة الإنتاج المحلي، غير أن قوة شعبة التمور في بسكرة، لا تكمن في صنف واحد فقط، وإنما في التنوع الكبير الذي يسمح بتمديد موسم التسويق، وتلبية أذواق مختلفة في الأسواق الوطنية والخارجية.
ارتفاع عدد النخيل وتطور في الإنتاج
وراء الأرقام الكبيرة، آلاف المستثمرات والحقول، وعمل يومي يبدأ قبل طلوع الشمس، ولا ينتهي بانتهاء عملية الجني، فالواحة بالنسبة للفلاح ليست مجرد مجموعة من أشجار النخيل، وإنما منظومة دقيقة تتطلب المتابعة طوال السنة، من خلال خدمة النخلة، التلقيح، متابعة العراجين، مقاومة الآفات، حماية الثمار، ثم الجني والفرز والتوضيب والتخزين.
وتشير معطيات حديثة، إلى أن عدد النخيل في الولاية تجاوز 4.2 ملايين نخلة، مع استمرار توسع الشعبة ودخول أعداد جديدة من النخيل مرحلة الإنتاج. كما أصبحت قدرات التخزين والتبريد، أكثر أهمية في المحافظة على المنتوج، وتمكين الفلاح من تسويق محصوله في الوقت المناسب.
هنا تكمن إحدى التحولات، التي عرفتها الشعبة خلال السنوات الأخيرة. فالفلاح لم يعد ينظر إلى الإنتاج فقط، بل أصبح التخزين والتوضيب والحفاظ على الجودة، جزءا أساسيا من العملية الاقتصادية.
مكافحة الآفات... معركة موازية
في مقابل التفاؤل بوفرة الإنتاج، تبقى حماية المحصول من الآفات، واحدة من أكبر التحديات التي تواجه منتجي التمور ببسكرة، ومن أبرز هذه الآفات "البوفروة"، التي يمكن أن تؤثر على جودة الثمار، إذا لم تتم مكافحتها في الوقت المناسب. وقد شهدت السنوات الماضية، عمليات واسعة لمعالجة أشجار النخيل، حيث تحدثت المصالح الفلاحية في مواسم سابقة، عن معالجة مئات الآلاف من النخيل، فيما أشارت معطيات موسم 2025، إلى معالجة أكثر من مليوني نخلة ضمن عمليات استباقية لحماية المحصول.
وتكتسي المعالجة الوقائية، أهمية خاصة في منطقة تعتمد بشكل كبير على إنتاج التمور، لأن خسارة الجودة لا تعني فقط انخفاض كمية المحصول، وإنما قد تعني أيضا، فقدان جزء من القيمة التجارية للمنتوج.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية لا تنتهي عند الوصول إلى رقم أربعة ملايين قنطار، بل تبدأ بعدها مرحلة أخرى، تخص كيفية المحافظة على هذه الكمية، وضمان جودتها، وتوفير لها شروط التخزين والتوضيب والتسويق.
الأمطار والحرارة... معادلة الموسم
يبقى المناخ، بدوره، عاملا حاسما في تحديد شكل الموسم. فالتمرة تحتاج إلى ظروف ملائمة خلال مراحل نموها ونضجها، وأي تغيرات مناخية حادة، يمكن أن تنعكس على الجودة أو موعد النضج أو المردود. وقد أشار منتجون في موسم سابق، إلى أن تساقط الأمطار في مرحلة النضج، ساهم في تحسين نوعية الثمار وتنظيفها، بينما ساعدت بعض الممارسات، في عملية الحماية والنضج، مثل تغليف العراجين لحماية المحصول من المخاطر الطبيعية. كما تحدث منتجون، عن جودة جيدة للثمار نتيجة النضج التدريجي، في ظروف مناخية ملائمة.
في المقابل، تظل الحرارة المرتفعة، هاجسا دائما بالنسبة للفلاح، خصوصا عندما تتزامن مع مراحل حساسة من نمو الثمار. وبذلك، فإن موسم التمور في بسكرة، هو في النهاية نتيجة تفاعل معقد بين عوامل كثيرة، منها عدد النخيل، مستوى الخدمة، توفر المياه، الظروف المناخية، مكافحة الآفات، الخبرة الفلاحية، ثم ظروف الجني والتخزين والتسويق.
من الواحة إلى السوق
بعد أن كانت عملية جني التمور، تعني بالنسبة للفلاح، نهاية العمل الأساسي، أصبح المشهد اليوم أكثر تعقيدا، فالمنتوج يحتاج إلى الفرز، التصنيف والتوضيب، ثم التخزين أو التوجه مباشرة إلى السوق. وكل مرحلة تؤثر في القيمة النهائية للتمر.
وأصبحت غرف التبريد والتخزين عاملا مهما بالنسبة للمنتجين، خصوصا أن التحكم في توقيت طرح المنتوج، يمكن أن يساهم في تفادي انهيار الأسعار، نتيجة ضخ كميات كبيرة في وقت واحد. وتشير معطيات في هذا الصدد، إلى أن قدرات التخزين بالولاية، تطورت بشكل ملحوظ، وأن عددا متزايدا من الفلاحين، أصبح يمتلك غرف تبريد، وهو ما يساعد على المحافظة على المنتوج وتسويقه في الوقت المناسب. غير أن تطوير هذه السلسلة، يبقى ضروريا، خاصة في مجال التوضيب والتحويل والتسويق الخارجي، حتى لا تبقى القيمة المضافة للمنتوج، مرتبطة فقط ببيع التمر في شكله الأولي.
التصدير... رهان يتجاوز حدود الولاية
ولأن بسكرة، تنتج كميات كبيرة وعديدة من التمور ذات الجودة العالية، فإن مستقبل الشعبة، لا يمكن فصله عن الأسواق الخارجية، حيث استطاعت "دقلة نور" الجزائرية، خلال السنوات الماضية، أن تفرض حضورها في عدد من الأسواق الدولية، غير أن المنافسة الخارجية أصبحت أكثر صعوبة، خصوصا مع ارتفاع متطلبات الجودة والسلامة الصحية والتوضيب والنقل.
ومن هنا، فإن الوصول إلى إنتاج يفوق4 ملايين قنطار، يطرح سؤالا أكبر من مجرد كمية الإنتاج، فكيف يمكن تحويل الوفرة إلى قيمة اقتصادية أكبر؟
فالمنتوج الكبير، يحتاج إلى أسواق كبيرة، والأسواق تحتاج إلى تنظيم، جودة، توضيب محترف، وقدرة على احترام شروط التصدير، إلى جانب البحث عن أسواق جديدة.
الفلاح... الحلقة الأساسية
وراء كل قنطار من التمور، توجد قصة فلاح قضى أشهرا في متابعة نخيله. وفي واحات بسكرة، لا تزال المعرفة التقليدية حاضرة بقوة، لكنها تتقاطع اليوم، مع تقنيات حديثة في خدمة النخيل والمكافحة والتخزين.
وأصبح الفلاح الذي كان يراقب النخلة بخبرته المتوارثة اليوم، يتعامل أيضا مع معطيات فنية، وأساليب حديثة لحماية الثمار، ووسائل تخزين أكثر تطورا، وسوق تتغير أسعاره بسرعة، حيث تمثل هذه الخبرة المتراكمة، أحد أهم أسرار استمرار شعبة التمور في الولاية، وقدرتها على تحقيق مستويات إنتاج مرتفعة.
الرهان على ما بعد 4 ملايين قنطار
قد يكون رقم 4 ملايين قنطار، عنوانا جذابا للموسم، لكنه في الحقيقة، لا يمثل سوى وجه واحد من قصة التمور في بسكرة. فالولاية لا تواجه تحدي رفع الإنتاج فقط، وإنما تواجه تحدي الحفاظ على الجودة، وتحسين المردود، وتطوير التخزين، وتنظيم التسويق، ورفع القيمة المضافة، وتوسيع حضور المنتوج في الأسواق الخارجية.
كما أن التوسع المستمر في غراسة النخيل، يعني أن كميات الإنتاج يمكن أن تعرف منحى تصاعديا، خلال السنوات القادمة، إذا تواصلت عمليات تجديد وتوسيع المساحات، وتحسين التقنيات الزراعية. وهنا تتضح أهمية النظرة إلى التمور، باعتبارها شعبة اقتصادية متكاملة، وليس مجرد محصول موسمي.
موسم ينتظر موعد الجني
يُواصل الفلاحون في واحات بسكرة، مراقبة عراجينهم، في انتظار اللحظة التي تصبح فيها الثمرة جاهزة للجني. فالألوان تتغير تدريجيا، والأسواق تستقبل البواكير، والحركة تزداد يوما بعد يوم. ومن"المنقر" الذي يعلن بداية الموسم، إلى "دقلة نور"، التي تتصدر المشهد، ثم مختلف الأصناف الأخرى، تتحرك عجلة واحدة من أكبر الشعب الفلاحية في الجزائر.
وإذا تأكدت التوقعات المتعلقة بتجاوز أربعة ملايين قنطار، فإن بسكرة ستكون أمام موسم جديد من الوفرة، لكنه سيكون أيضا أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تحويل هذه الوفرة إلى ثروة مستديمة، تعود بالنفع على الفلاح والمستهلك والاقتصاد المحلي والوطني.
ففي هذه الأرض، التي اختارت النخلة منذ قرون، يبدو أن قصة التمر لا تزال مفتوحة على فصول جديدة، فكل موسم ينتهي بآلاف الأطنان من المحصول، لكنه يبدأ في الوقت نفسه، موسم آخر من العمل والتطوير والبحث عن أسواق جديدة.
وهكذا تبقى بسكرة في قلب "الزيبان"، منطقة ترتبط بالنخلة، كما يرتبط الإنسان بذاكرته، نخلة تمنح ثمارها، والفلاح يمنحها جهده، والواحة تمنح الجميع حكاية تتجدد كل عام.
مدير المصالح الفلاحية لولاية بسكرة:
عاصمة الزيبان تحتل المرتبة الأولى وطنياً في إنتاج التمور
أكد مدير المصالح الفلاحية لولاية بسكرة، حبيب بوسري، احتلال عاصمة الزيبان، المرتبة الأولى وطنياً في إنتاج التمور، من حيث المساحة والكمية والنوعية، خاصة "دقلة نور"، وأشار إلى توقع تجاوز إنتاج التمور هذا الموسم، 4 ملايين قنطار، مع تراجع الأمراض، لاسيما داء بوفروة، بفضل الظروف المناخية الملائمة.
كشف السيد بوسري حبيب، عن تنظيم اليوم الوطني للتمور بولاية بسكرة، خلال شهر نوفمبر المقبل، بحضور وزيري الفلاحة والتجارة، لمناقشة إشكالات التسويق، مشيرا إلى استفادة أكثر من 13 ألف مستثمرة فلاحية بولاية بسكرة، من الربط بالكهرباء الفلاحية، ما يعزز -حسبه- مكانة الولاية وطنياً في هذا المجال، وأكد مواصلة عملية تسوية الأراضي الفلاحية وتسوية وضعيات الملكية، بما يسمح بتمكين المستغلين الفعليين من الوثائق القانونية، وإنشاء مستثمرات جديدة.
ولفت المسؤول، إلى تسجيل ارتفاع كمية الحبوب المجمعة بحوالي 100 ألف قنطار، مقارنة بالموسم الماضي، مشيرا إلى تقليص المساحات المخصصة لـ"الفريك" و"المرمز" من 19 ألفا إلى 9 آلاف هكتار، وتوجيه المساحات المحررة نحو إنتاج وتجميع الحبوب الإستراتيجية، مؤكدا نجاح المخازن الجوارية في تخفيف الضغط على الفلاحين، وضمان تخزين المحاصيل وفق شروط تقنية ملائمة.
وأفاد، بأن مصالح الفلاحة تمكنت من تطوير عملية تكثير البذور بالمناطق الجنوبية، بالنظر إلى توفر السقي الكلي، والحفاظ على الأصناف المتأقلمة مع الظروف المناخية، مشيرا إلى ارتفاع نسبة الفلاحين، الذين يقتنون البذور المعالجة من التعاونية إلى 26 بالمئة.
كما أكد، قبول نحو99 بالمئة من طلبات رخص حفر الآبار، مع تبسيط الإجراءات وتحويل عملية الإيداع إلى مستوى الأمانة العامة للولاية، مشيرا إلى مواصلة برامج فتح المسالك الفلاحية، وإحياء مشاريع حفر الآبار القديمة، وتجهيزها بمعدات الضخ، وتطرف المسؤول أيضا، إلى استفادة الفلاحين المدانين من طرف بنك "بدر"، من تسهيلات تشمل التنازل عن 90 بالمئة من الفوائد، وإعادة جدولة الديون، بهدف تشجيعهم على تسليم محاصيلهم للتعاونيات.
وخلص إلى التأكيد على عملية التحضير لإطلاق قافلة فلاحية جوارية تجوب مختلف الدوائر، بمشاركة البنك والتعاونية ومديرية الري ومختلف المتدخلين، للتكفل بانشغالات الفلاحين ميدانياً.