ترقيع شباك الصيد حرفة مهددة بالزوال
  • القراءات: 167
حنان سالمي حنان سالمي

"المساء" تسبر أغوار موانئ بومرداس

ترقيع شباك الصيد حرفة مهددة بالزوال

شباب يشتكون من البطالة ويرفضون مهن البحر

تشهد حرفة ترقيع شباك الصيد، عزوفا كبيرا عن تعلمها من طرف الشباب؛ ما جعلها مهددة بالاندثار والزوال رغم أهميتها في نشاط الصيد البحري؛ إذ يرفض الشباب الإقبال عليها، حسبما كشف عنه لـ "المساء" عدد من الحرفيين بميناء زموري البحري ببومرداس، موضحين أن مقابل قرابة 100 قارب صيد سردين، هناك حوالي 30 مرقعا لشباك صيد، وهو ما اعتبروه عددا غير كاف بالنظر إلى حاجة القطاع إلى وسيلة الصيد هذه. تحصي ولاية بومرداس 3 موانئ للصيد البحري تجمع كل المهن المرتبطة بالقطاع، والتي من شأنها تقوية ما يسمى بالاقتصاد الأزرق، لا سيما ما تعلق باستحداث مناصب شغل وامتصاص البطالة محليا، بالموازاة مع وجود منطقة نشاطات في مهن الصيد البحري، تُعد الأولى من نوعها في الجزائر، إضافة إلى عدد من المشاريع الاستثمارية المتعلقة أساسا بتربية المائيات، وبناء وصيانة وإصلاح السفن، فيما تسجل، بالمقابل، الولاية تراجع الاهتمام ببعض المهن المرتبطة بهذا القطاع، على غرار حرفة ترقيع شباك الصيد. وتشير المعطيات إلى أنها مهددة بالزوال بسبب عزوف الشباب عن تعلّمها.

مهارة فائقة... وأجر يوميّ بـ 3 آلاف دج

يقول الحرفي خياط الشباك عيسى كرشو، الذي التقته "المساء" بميناء زموري البحري بصدد ترقيع شباك صيد بمهارة فائقة، إنه قضى في هذه الحرفة 34 سنة، عايش خلالها معظم التغيرات التي شهدها الميناء ومهنة الصيد البحري عموما، مضيفا أن حرفة ترقيع شباك الصيد تعد من الحرف الأساسية المرتبطة بصيد الأسماك؛ فالشباك تتعرض للتمزق إما بسبب الصخور أو بسبب أنواع من الأسماك؛ لذلك يسجَّل ترقيع الشباك بصفة يومية طيلة موسم الصيد. غير أنها حرفة، حسبما قال، "تسجل منذ سنوات، انحصارا في عدد الراغبين في تعلمها بسبب عزوف الأجيال الجديدة عن هذه الحرفة رغم أن الأجر اليومي الذي تدرّه، يصل إلى 3 آلاف دج". وأرجع محدثنا أسباب ذلك إلى الجهد العضلي الذي تتطلبه هذه الحرفة لترقيع أمتار من شباك الصيد في اليوم، لمدة قد تصل إلى 6 ساعات تحت أشعة الشمس، وفي ظل كل الظروف المناخية، حيث يفتقد الميناء للمخابئ التي قد يلجأ إليها الحرفي من أجل إتمام عمله. كما إن غياب الإنارة يقلل فرص العمل فجرا أو عند الغروب.

مهنة ذات آفاق واعدة

وفي هذا الصدد، يقول "إبراهيم كرشو"، وهو حرفي في ترقيع شباك الصيد، كان هو الآخر بصدد ترقيع شباك صيد يوم زيارة "المساء"، يقول: "إن هذه الحرفة متعبة للغاية بسبب بقاء الحرفي عرضة لكل عوامل الطقس في سيبل إنهاء عمله". وفهمنا من حديثه أن مهن البحر كلها متعبة؛ لكونها مبنية على الجهد العضلي؛ حيث يعمل ميكانيكيا للسفن من السادسة مساء حتى السادسة صباحا من اليوم الموالي، ويلجأ في النهار إلى ترقيع الشباك كمصدر دخل إضافي. ويؤكد عبد الحميد، حرفيّ آخر في المهنة، أنه تعلّم ترقيع شباك الصيد منذ 5 سنوات فقط؛ من أجل تعزيز دخله المادي، ملفتا إلى أن بعض شباك الصيد يتطلب الترقيع، وأخرى تتطلب الخياطة كلية بسبب تعرضها للتمزق. كما أكد أنه يقوم، يوميا، بترقيع أو خياطة ما بين 10 إلى 15 مترا من الشباك.

متعاملون يبحثون عن عمال... والشباب يشتكون من البطالة

ومن الأسباب التي تقف وراء عزوف الشباب عن تعلم حرفة ترقيع شباك الصيد، أشار محدثونا إلى عوامل تتعلق بالتأمين الاجتماعي لفئة الصيادين، ومنظومة التقاعد، وإمكانية تصنيف هذه الحرفة ضمن المهن الشاقة، التي يتقاعد، بموجبها، العامل قبل بلوغ 32 سنة عملا. ويتحدث عمي عيسى عن حرفته في ترقيع شباك الصيد، فيقول: "تعلمت هذه الحرفة منذ الصغر؛ باعتبار أن كل من لا يتعلم حرفة ترقيع الشباك لا يركب البحر، ولا يتمنى أن يصبح بحّارا أبدا"، مضيفا أنه تعلّم الحرفة طواعية من أجل ترقيع شباك الصيد الخاص بهم، وعمل، خلالها، بعد سنوات بحارا في سفن الغير، لينتهي به المطاف "رايس" سفينته الخاصة "النورس" لصيد السردين. وأضاف أن تعامله اليومي مع البحر، علّمه الصبر، والتعاطي مع الأمور بهدوء. كما أنه يشعر بالأسف على الشباب الذين يتحججون بانعدام فرص التشغيل، في الوقت الذي تتوفر بالميناء فرص للعمل، على غرار حرفة خياطة وترقيع شباك الصيد. كما أشار عمي عيسى إلى مشكل تقطع شباك الصيد بصفة يومية؛ إما بسبب الصخور، أو بسبب بعض أنواع الأسماك التي لا تصمد في وجهها هذه الشباك. وأمام هذا الوضع فإن الميناء يسجل يوميا، وجود حرفيين منكبّين على الترقيع والخياطة، غير أن عددهم في تناقص كبير؛ فمقابل قرابة 100 قارب صيد سردين هناك 30 حرفي ترقيع الشباك، وهذا لا يكفي، حسب محدث "المساء".

غرفة الصيد توجّه نداء إلى الشباب

وجهت غرفة الصيد البحري وتربية المائيات ببومرداس، مؤخرا عبر صفحتها على صفحة التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، نداء إلى الشباب الراغبين في تعلم حرفة ترميم وترقيع شباك الصيد وتربية المائيات التي وصفتها بأنها "مهددة بالزوال؛ إذ تعرف عزوفا من قبل الشباب، وبقيت تمارَس من قبل البحارة المتقاعدين"، مشيرة إلى أنها حرفة ذات مستقبل واعد، خاصة مع مشاريع تربية المائيات البحرية المبرمجة في الولاية، التي توظف مرممي الشباك بأجر شهري، وكذا منطقة النشاطات بزموري البحري، التي ستعرف انطلاق مشاريع لصناعة شباك الصيد البحري، ناهيك عن عشرات سفن الصيد بموانئ الولاية التي تحتاج إلى مرممي الشباك. والسبيل إلى هذه الحرفة - يضيف المنشور ـ هو التكوين لا سيما بوجود معهد وطني متخصص في مهن الصيد البحري كائن بزموري البحري، غير أن التحدي الحقيقي المطروح هنا، هو مدى تجسيد المشاريع الاستثمارية الحقيقية في الاقتصاد الأزرق، مع تذليل الصعوبات أمامها بما يفتح المجال واسعا للتشغيل؛ فالواقع، اليوم، يشير إلى أن بعض مواسم التكوين في مجال ترقيع شباك الصيد، لم تسجل أي إقبال، أمام غياب التشغيل بسبب ضعف تجسيد المشاريع، علما أن أغلب المتخرجين في دورات سابقة نساء، يستحيل عليهن ممارسة نشاطهن في الموانئ.