الوضع خطير.. والحل في تشخيص دقيق
  • القراءات: 945
حنان سالمي حنان سالمي

حوادث المرور تحوّل الطرقات إلى "مقبرة مفتوحة"

الوضع خطير.. والحل في تشخيص دقيق

دعا مختصون في السلامة المرورية، الجهات المعنية، إلى إجراء تشخيص دقيق ومستعجل وفق منهجية علمية صحيحة، لإشكالية حوادث المرور التي تزداد نسبتها، مخلفة أكثر من 4 آلاف قتيل سنويا، ومآسي على الصعيد الاجتماعي، وإرهاقا ماليا متواصلا على الصعيد الاقتصادي، معتبرين أن استمرار الوضع على حاله، سيفتح الباب واسعا لحصد المزيد من الأرواح.

شكّل موضوع حوادث المرور ومآسي الطرقات بالنظر إلى خطورتها وحساسيتها، محور العديد من اللقاءات والندوات والأيام الدراسية المنظمة، مؤخرا، ببومرداس، بهدف التحسيس بأهمية التقيد بقانون المرور للحفاظ على الأرواح. ويبقى "إرهاب الطرقات" إشكالية مستعصية الحل، مثلما يرى ذلك الخبراء؛ لعدة أسباب، لعل أهمها العامل البشري المتسبب في فقدان الأرواح أو إحداث إعاقات دائمة، إلا أن أسبابا أخرى قد تكون خفية، تُعد السبب المباشر في ارتفاع حوادث المرور، وهي أشد خطورة، تتلخص تحديدا في العوامل النفسية؛ كالقلق والضغط والنرفزة والعدوانية أيضا.

الضغط النفسي وراء... مآسي الطرقات

وفي السياق، يرى الأستاذ علال حداد، مختص نفساني، أن طرقات الجزائر تحولت في السنوات الأخيرة، إلى "مقبرة جماعية"، مبديا أسفه الشديد لغياب الوعي بخطورة الوضع؛ بدليل تفاقم نسبة الحوادث سنة تلو أخرى. ويقر المختص بوجود عدوانية واندفاعية كبيرة على الطرقات بسبب السائق نفسه؛ ما يؤدي به إلى القيام بتجاوزات خطيرة، مرجعا ذلك إلى الحالة النفسية للسائق. كما قال في معرض تحليله لإشكالية تفاقم حوادث المرور، "إن الفرد مصاب بعقدة الأنا، التي تجعله يظن أنه صاحب الطريق المطلق، وتخوّل له سلك أي طريق ليصل إلى هدفه، وهذا أمر خطير جدا؛ بدليل الأرقام التي تؤكد في كل مرة، أن العامل البشري يتسبب في مآسي الطرقات ما بين 80 إلى 90 بالمائة!". ويضيف الأستاذ علال حداد، أن ذلك ينطبق بشكل كبير، على السائقين الشباب، وعلى سائقي حافلات النقل الجماعي، ومركبات الوزن الثقيل. كما أشار إلى سلبية الركاب أيضا، ممن يطلبون من السائق إنزالهم في نقطة معيّنة رغم المنع وخطورة ذلك على مستعملي الطريق ككل، وهم بذلك يتسببون في ضغط آخر على السائق. كما أن هناك بعض الراجلين الذين يقطعون الطريق عشوائيا، ويمشون منشغلين بالهواتف الذكية... وكلها عوامل تزيد من أخطاء وخطورة وقوع حوادث السير.

ومن جهته، يعتقد الدكتور ناهي مراد أستاذ محاضر بجامعة "مولود معمري" بولاية تيزي وزو ورئيس جمعية الوقاية من حوادث المرور "مكتب تيزي وزو"، يعتقد أن التعمق في أسباب حوادث المرور، أثبت أنها نفسية بالدرجة الأولى، وعلى رأسها القلق، فقطع 100 كلم في 7 ساعات بسبب الازدحام على سبيل المثال، وغياب المساحات الخضراء عن الطرقات، وقلة فضاءات الراحة، أو حتى وجود محطات تقدم خدمات دون المستوى، كلها عبارة عن عوامل تسبب عصبية للسائق، الذي وبصفة لا إرادية، يريد إخراج تلك الطاقة السلبية، فيجد الطريق المخرج الوحيد أمامه، للقيام بتصرفات إما عدوانية أو بالإفراط في السرعة. وأظهرت دراسة أجريت مؤخرا على عينة من 100 سائق أجرة، أن الضغط النفسي من بين أهم الأسباب المؤدية إلى حوادث المرور من هذه الفئة من السائقين، لا سيما أصحاب المركبات الثقيلة. كما إن مراودة أفكار سلبية السائقَ تجعله في حال عدم تناسق بينه وبين السيارة، التي تكون عبارة عن ردة فعل هذا السائق، الذي قد يقودها بسرعة مفرطة، تؤدي به في الأخير إلى حادث مرور، ناهيك عن سائقين تحت ضغط دواء مسكّن أو مخدر؛ ما يؤكد، في الأخير، فرضية أن الأسباب النفسية هي أخطر بكثير من الأسباب التقنية المتعلقة بالمركبات أو حال الطرقات.

الأسباب الخفية.. والحلول الواقعية

يرى الأستاذ مراد ناهي أن التوعية بالسلامة المرورية، هي قضية مجتمع بكامله لا جهة دون أخرى، داعيا إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات الرّدعية التي من شأنها تهذيب سلوك مستعملي المركبات والطرقات، بانتهاج خطط على المدى البعيد؛ كالاهتمام بتربية النشء، وتعليمهم الإلمام بقواعد المرور، وبث ثقافة احترامها والالتزام بها، ولكن أيضا الاهتمام بإجراء تشخيص دقيق لإشكالية حوادث المرور.

وأوضح المختص الذي له العديد من المؤلفات في هذا الشأن، أن الوضعية المرورية في الجزائر "انفلتت من يد السلطات"، ودليله في ذلك ازدياد نسب الحوادث سنة تلو أخرى بصفة مأساوية. ويشرح طرحه هذا بقوله: "إن التدخل لدراسة واقع الحال على إثر حادث مروري في مجتمعنا، كثيرا ما يلقي اللوم على ما هو ظاهري فقط، بدون البحث بشكل معمق، عن الأسباب. والمتعارف عليه أنه إن تم تشخيص مرض ما بشكل خاطئ، فإن العلاج سيكون خاطئا بشكل حتمي، وهذا ما يحدث في الجزائر منذ 1971؛ تاريخ وضع أول قانون للمرور"، معتبرا أن معالجة ظاهرة حوادث المرور لا بد لها من منهجية علمية صحيحة، تؤدي إلى نتائج صحيحة وحل حقيقي للإشكال. وإذا لم يتم ـ حسبه ـ التدخل لمعالجة الخلل الحقيقي لتشخيص علمي صحيح ودقيق، فإن الحالة ستبقى كما هي، متأسفا لصرف الجزائر منذ عقود، الكثير من الأموال، وتضييعها الكثير من الوقت، وخسارة آلاف الأشخاص بسبب إرهاب الطرقات؛ إذ كان من الممكن جدا - لو عاشوا - أن يكونوا أرباب أسر ومنتجين ومساهمين في التنمية والتقدم الاقتصادي للوطن، على حد تعبيره. "ولم نجد الحل بعد؛ لذلك أنا أعتقد ان الخلل يكمن في أننا لم نقم بالتشخيص الصحيح. وإن استمرت الحال على ما هي عليه الآن وبقيت السلطات تنفق الكثير من الأموال بسبب هذا أو ذاك، فبعد عقود من الآن سنبقى نسجل منحى متصاعدا لحوادث المرور، وبشكل مماثل بكل أسف!".

وفي المقابل، تحدّث الأستاذ ناهي عما أسماها الأسباب الخفية وراء حوادث المرور، وهي نفسية بالدرجة الأولى، مقرّا بوجود أسباب تقنية وأخرى تتعلق بالمركبات، وبالمحيط، تبقى غير دقيقة بشكل كبير، حيث لفت إلى إجرائه شخصيا في إطار دراسة أكاديمية، دراسة مقارنة لحوادث المرور بين الجزائر وألمانيا التي تملك أجود شبكة طرق عبر العالم، ومركبات ذات جودة تقنية عالية، أثبتت أن العامل البشري هو المتسبب الرئيس في حوادث المرور بنسبة 68 ٪، والنسبة الباقية موزعة بين عاملي المحيط، والطريق. أما في الجزائر، فإن الإحصائيات تضع العامل البشري في الصدارة بقرابة 90 ٪، فيما توزّع النسب الباقية على باقي العوامل، وهي نسب وأرقام غير دقيقة. والخلل ـ حسب المختص ـ يكمن في المنهجية التي أدت إلى دراسة واستنتاج هذه النسب؛ ما أدى إلى رفع نداء إلى السلطات المعنية، بإعادة النظر في هذه المسألة برمتها، لحفظ الأرواح والأموال والاقتصاد على حد سواء.

واقع مر.. وإحصائيات صادمة

ومن جهة أخرى، أشار رئيس خلية الاتصال والعلاقات العامة بأمن ولاية بومرداس، محافظ الشرطة كريمو تواتي، إلى أن مصالح الشرطة تسجل بصفة ملحوظة، حوادث السير بإقليم الاختصاص لأسباب متفاوتة، حصرها، في المقام الأول، في العنصر البشري، متحدثا، بالخصوص، عن سائقي مركبات النقل الجماعي أو الحافلات ممن يتنافسون فيما بينهم أحيانا، من أجل زيادة مدخولهم اليومي ولو على حساب حياة  الآخرين!

وأكد محافظ الشرطة أن عمليات تحسيس وتوعية هؤلاء السائقين، بينت في أكثر من مناسبة، أن سائق الحافلة يعترف بذلك، ثم يحصر السبب في كونه مجرد عامل عند صاحب الحافلة الحقيقي، وأنه كسائق لديه نسبة عمل يومية معيّنة، لا بد له من تحقيقها، حتى ينال أجرة محترمة ليعيل أسرته، متجاهلا أن هذا الأمر قد يكلفه حياته وحياة الآخرين.

كما تحدّث المسؤول عن سائقي المركبات النفعية أو الشاحنات، موضحا أن نسبة الحوادث بينهم، مرتفعة بعض الشيء؛ إذ سُجل مؤخرا 15 حادث مرور بين هذه الفئة في مدة شهر واحد، ملفتا في الأخير، إلى أن المسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف سواء الأسرة، والمدرسة، والمسجد، ومنظومة التكوين، وغيرهم من أجل حماية المجتمع.

كما سجلت مصالح الحماية المدنية خلال 6 أشهر الأولى من السنة الجارية 2021، ما يصل إلى 6 حوادث بين سائقي مركبات النقل الجماعي، بينما سجلت 118 حادث مرور بين سائقي الشاحنات، "وهي أرقام مخيفة، تنبئ بوضع خطير!"، يقول، من جهته، مسؤول الاتصال بنفس المديرية ملازم أول حسين بوشاشية، الذي قال إن المسؤولية مشتركة، يتقاسمها الجميع. وتحدّث، بالمقابل، عن رغبة المواطنين بشكل عفوي، في تقديم المساعدة فور وقوع حادث، "وذلك يعيق أحيانا" (حسبه) "وصول سيارة الإسعاف بسبب الازدحام"، إلى جانب هرولة الكثيرين لتصوير هذه الحوادث، ومشاركة نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما "فايسبوك"؛ في ظاهرة سلبية، تسيء إلى الضحايا وذويهم.