بالرغم من محاولات فرنسا وأدها في المهد

الثورة نجحت في تحقيق أهدافها بصمود شعبها وحنكة قادتها

الثورة نجحت في تحقيق أهدافها بصمود شعبها وحنكة قادتها
  • 4532
زولا سومر زولا سومر
مرّت الثورة وخاصة في مراحلها الأولى بعدة هزات وصعوبات كادت أن تعصف بها، لولا حنكة قادتها الذين واجهوا كل مؤامرات وسياسات الاستعمار الرامية لإخمادها، لأنهم وضعوا صوب أعينهم هدفا واحدا وهو الصمود والتضحية إلى غاية تحقيق الحرية. وبالرغم من قوة الاحتلال الفرنسي والأسلحة المتطورة التي كان يملكها وجيشه المتدرب فإن الثورة تمكنت بفضل إرادة رجالها ونسائها وانضباطهم واتحادهم ولو بوسائل بسيطة وشبه منعدمة من إيجاد حلول لهذه العراقيل وسجلوا أسماءهم بأحرف من ذهب، في كل المحطات التاريخية التي كان نجاحها بمثابة "نوفمبر جديد" يعطي في كل مرة دفعا قويا للثورة التي أسمعت صوتها في كل العالم وكانت رمزا وقدوة لكل الحركات التحررية.
أفاد السيد محمد لحسن زغيدي أستاذ مختص في التاريخ بأن الثورة واجهت عدة صعوبات، خاصة في الأيام والأشهر الأولى لاندلاعها. حيث لخص هذه العراقيل في قلة الإمكانيات المادية والعدد البشري المحدود للمجاهدين والثوار والسلاح شبه المفقود الذي اعتمد على بنادق الصيد مقابل الطائرات والدبابات التي كان يملكها العدو الفرنسي، وكذا التمويل الذي لم يكن يعتمد آنذاك سوى على المواطن من سكان الأرياف، ناهيك عن التنقل المحسوب لقادة الثورة والمجاهدين لشرح أهداف الثورة بسبب الحصار المفروض عليهم. بالإضافة إلى انحصار الثورة في بدايتها في منطقة الأرواس التي طبق عليها حصار مطلق من جميع الجوانب من طرف قوات العدو التي أرادت القضاء على الثورة في بدايتها وأوهمت الرأي العام العالمي بأنها مجرد تمرد لجماعات إرهابية خارجة عن القانون لأنها لم تريد الاعتراف بمطلب شعب يريد استرجاع حقه وأرضه بتحقيق الاستقلال والحرية.
وعمل العدو الفرنسي منذ انطلاق الثورة كل ما بوسعه وضاعف جهوده بتطبيق نظرية "وأد الثورة في المهد" أي القضاء عليها قبل أن يلتف حولها الشعب وقبل أن تتوسع. حيث لم يتوان في إلحاقها بضربات موجعة تمثلت في مضاعفة القمع والتعذيب والقتل، ليبلغ عدد الشهداء مستويات قياسية في ظرف شهرين فقط من اندلاعها، إذ كانت فرنسا تنتهج سياسة التخويف ظنا منها أن ارتفاع حصيلة الشهداء سيخيف الجزائريين أو يبعدهم عن هدفهم في نيل الاستقلال.
وفي هذا السياق، ذكر السيد زغيدي في حديث جمعه بـ"المساء"، بأن سياسة "وأد الثورة في المهد" كبدتها خسائر بشرية عظيمة بعد شهرين فقط من اندلاعها بعد استشهاد ديدوش مراد قائد الولاية التاريخية الثانية في 1 جانفي 1955 والقبض على قائد الأوراس مصطفى بن بولعيد في الحدود التونسية الليبية وكذا القبض على قائد الولاية التاريخية الرابعة رابح بيطاط ثم استشهاد نائبه الأول سويداني بوجمعة.
وبهذا لم يبق من القادة النوفمبريين الذين فجروا الثورة سوى اثنين من خمسة، وهما العربي بن مهيدي وكريم بلقاسم. الأمر الذي شجع فرنسا ورفع من معنويات قادتها وجيشها ظنا منهم بأن الثورة سائرة للانهيار والوأد بعد أن فقدت من تبناها وفجرها في الميدان، خاصة باستشهاد ديدوش مراد والقبض على بن بولعيد وبيطاط.
لكن الثورة وبفضل عزيمة وعظمة رجالها وإيمانهم بفكرة أن "الحرية تؤخذ ولا تعطى" وبفضل التخطيط السديد الذي برمجته قبل اندلاعها تغلبت على هذه الصعوبات لأن أعضاءها الستة عندما بدأوا في تحديد المناطق التاريخية الثورية اتفقوا على تعيين مجموعة من النواب تجاوز عددهم أربعة نواب لكل قائد حتى ينوبوا عليه في حالة استشهاده دون تسجيل أي شرخ أو فراغ أو اضطراب في تسير الأمور ما من شأنه أن يؤثر على سير الثورة، حيث كان شعار "الولاء للثورة وليس للشخص" عاملا أساسيا لنجاحها من خلال عدم تقديس الفرد أو المسؤول وعدم تركيز الصلاحيات والسلطات في يد واحدة، حيث كانت "المسؤولية جماعية والقرار اجماعيا" منذ اندلاع الثورة إلى غاية الاستقلال.
كما يجمع المؤرخون وأساتذة التاريخ بأن الطاعة والانضباط كانا القاسم المشترك لنجاح الثورة وحلا للصعاب التي واجهتها.
ومن بين الحلول التي لجأ إليها قادة الثورة لإنقاذها وتجسيد الأهداف التي اندلعت من أجلها والمسطرة في بيان 1 نوفمبر 1954 هي تكثيف النشاط الميداني والضربات الموجعة الخاطفة التي قام بها جيش التحرير الوطني الذي تدرب منذ عهد المنظمة السرية على نوع من الحرب وهي حرب العصابات التي تعد حربا سريعة وخاطفة ومضبوطة في الزمان ومحدودة في عدد الأفراد، تلحق الضرر بالعدو وتأتي بالغنائم التي تحتاجها الثورة من تموين عسكري.

20 أوت الحل العسكري السياسي الذي مهد لنجاح الثورة

وكانت هجمات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955، التي قادها مهندس الثورة زيغود يوسف بمثابة الحل السياسي والعسكري الميداني الذي أعطى نفسا جديدا ودفعا قويا للثورة، حيث دفع المناطق الأخرى للثورة واحتضنها الشعب في كل الولايات بعد خروجها من السر إلى العلن، الأمر الذي اسمع صوتها داخل وخارج الوطن واكسبها نجاحا دبلوماسيا كبيرا أدخلها أروقة الأمم المتحدة بعد ذلك بفضل العمل الجبار الذي قام به قادة الثورة الذين تنقلوا إلى هناك وتمكنوا من إقناع الوفود المشاركة بعدالة القضية الجزائرية.
ومهدت هجمات 20 أوت لنتائج ونجاحات لم تكن في الحسبان ولم يكن أحد يحلم بها بما فيهم قادة الثورة أنفسهم.
وبعد سنة 1955 بدأت الثورة تتصاعد وأخذت منحى إيجابيا في التنظيم العام الشامل في سنة 1956 بعد أن عرفت تنظيم الفئات التي التحقت بها من مجتمع مدني، الطلبة، العمال، التجار، الأحزاب السياسية، جمعية العلماء المسلمين، النخبة الجزائرية، أعضاء اللجنة المركزية لحركة انتصار الحريات الديمقراطية، وحتى الليبراليين من الأوروبيين الذين ساندوا الثورة وأمنوا بشرعيتها.
وهنا اتضح الخيط الأبيض من الخط الأسود وجاء مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956 الذي كان نوفمبرا سياسيا بامتياز، يقول الأستاذ زغيدي، لأنه نظم الثورة وأطرها ونظم جيش وجبهة التحرير الوطنيين وحدد الخريطة الجزائرية الحالية بحدودها الوطنية والدولية.
كما نجح المؤتمر في تحديد المسؤوليات فيما بين قادة الثورة وأسس المجالس الوطنية للتسيير، حيث تولد عنه مشروع «الدولة الجزائرية المعاصرة».

مؤتمر الصومام أدخل العالم
 في حرب باردة

وأدى هذا التطور والنجاح إلى تحقيق تطورات أخرى على كل الأصعدة في مختلف المجالات ومكن الثورة من أن تصبح الحقيقة والقضية الإنسانية التي تشغل كل الرأي العام العالمي بل أدخلت الدول الكبرى في حرب باردة بسبب اختلاف الآراء والانقسام بين مؤيد للثورة ومعارض لها من حلفاء فرنسا.
وتمكنت الثورة بفضل تحكمها في زمام أمورها والانضباط بين كل فئاتها المنضوية تحت هرم السلطة من القاعدة إلى القمة والذين كانت تسيرهم مبادئ واضحة من تحقيق أهدافها. وهو ما تبين من خلال التأييد الدولي والمساندة للقضية الجزائرية في دورات منظمة الأمم المتحدة والدليل على ذلك الدورة 15 للمنظمة التي أصدرت القرار 15 – 14 بعد مظاهرات 11 ديسمبر 1960 الذي مكن الثورة من الوصول إلى الحل المشرف والمقبول وهو اتفاقية ايفيان التي توجت باستقلال الجزائر بعد 132 سنة من الاحتلال والظلم و7 سنوات ونصف من الثورة دفعت الجزائر خلالها مليونا ونصف مليون شهيد من أبنائها البررة الذين ضحوا بحياتهم في سبيل أن ينعم جيل اليوم بالحرية ويحيى الوطن الذي يبقى أغلى مكسب يجب الحفاظ عليه وحمايته والدفاع عنه في كل الظروف مهما اقتضى الأمر.