أجواء روحانية وعائلية في رمضان بونة

نكهة "الجاري" تجمع الأهل وإبريق النحاس يُزيّن المائدة

نكهة "الجاري" تجمع الأهل وإبريق النحاس يُزيّن المائدة
  • 81
سميرة عوام سميرة عوام

تستقبل مدينة عنابة، شهر رمضان المبارك، بأجواء استثنائية، تمزج بين قدسية الشعائر وحلاوة التقاليد المتوارَثة التي تناقلتها الأجيال عن الجدات، اللواتي تركن بصمتهن حاضرة في كل المناسبات الدينية، إذ تتحول "بونة" العتيقة لدى ثبوت رؤية هلال رمضان، إلى خلية نحل لا تهدأ؛ حيث تنفض المدينة عنها غبار الرتابة، لتلبس حلةً من النور، والسكينة. وتفوح من أزقتها الضيقة في "بلاص دارم" و«لاكولون" روائح التوابل المنبعثة من المطابخ العامرة. وتتزيّن شوارعها الكبرى بحركة دؤوبة لا تنقطع، تعكس حيوية المجتمع العنابي، وتعلُّقه الشديد بـ "اللمة" العائلية، وقيم الخير، والتكافل.

تبدأ التحضيرات الحقيقية في عنابة قبل حلول شهر رمضان بأيام قليلة، حيث تسود حالة من النشاط والحيوية الكبيرة داخل البيوت العنابية. وتطلق العائلات العنابية حملات تنظيف شاملة لا تترك زاوية إلا وطالتها؛ فيتم تبييض الجدران، وتغيير الستائر، وتجهيز المطابخ لتكون في أبهى حلة لاستقبال الشهر الفضيل.

لكن العلامة الفارقة في هذا الاستعداد هي صينية النحاس العنابية. فمن التقاليد الراسخة التي لم تستطع الحداثة زحزحتها، حرص العائلات على إخراج أواني وصواني النحاس العتيقة التي ورثتها الأمهات عن الجدات، وأخذها إلى حرفيّي "النحاسين" المختصين في قلب المدينة القديمة قبل أسبوع من رمضان. هناك، تحت ضربات المطارق الخفيفة، يتم تلميعها، وإعادة بريقها الذهبي والأحمر، لتبدو كأنها صُنعت للتوّ؛ فلا تكتمل سهرة رمضان ولا يحلو طعم الشاي إلا بلمعان النحاس، الذي يعكس أضواء الفوانيس، ووهج القلوب المجتمعة حوله.

المطبخ العنابي.. سيمفونية "الجاري" وسر "البريكة" والدولمة

مع اقتراب موعد الإفطار وتحديداً حين تبدأ الشمس في الميل نحو الغروب خلف جبال "إيدوغ"، تتزين الموائد العنابية بأطباق مختلفة، يأتي على رأس هذه القائمة طبق "الجاري" (شوربة الفريك بلحم الغنم)، الذي يُعد "سلطان" المائدة بلا منازع. يُطبخ الجاري العنابي بعناية فائقة، حيث يتم اختيار "الفريك" بعناية. ويُطهى مع قطع لحم الغنم الطرية، على نار هادئة لتتجانس المكونات. وفي اللمسات الأخيرة تُضاف إليه "الرشة" السحرية من النعناع الجاف، وحبات الفلفل الأخضر الحار، ليعبق برائحته الزكية التي تميز شوارع بونة، قُبيل المغرب؛ حيث تفوح كل البيوت بنكهته المميزة.

وبجانب "الجاري" يبرز "البوراك العنابي" أو "البريكة" الشهيرة التي بلغت سمعتها. وذاع صيتها داخل وخارج الوطن. ورغم بساطة مكوناتها من عجينة "الديول" والبطاطا المهروسة والمعدنوس واللحم المفروم والجبن، إلا أن سرها الحقيقي يكمن في مهارة "التطبيق" ، وفي تلك "البيضة المروبة" (نصف الناضجة) التي تتوسط الحبة وتنفجر طعماً مع أول قمة. كما يجد الرجال متعة خاصة في دخول المطبخ لحظات قبل الأذان لإعداد "البريكة" بأنفسهم، في طقسٍ رجالي، يتفاخرون فيه بمدى إتقانهم، لقليها، لتخرج مقرمشة، وذهبية.

وتتفنن ربات البيوت في إعداد طبق "الدولمة بالزيتون" . ويُتوَّج الإفطار دائماً بـ "المرقة الحلوة" أو "الطاجين الحلو" ، المكوَّن من البرقوق المجفف، والزبيب، والمشمش، والمزيَّن بقطع "شباح الصفراء" المصنوعة من اللوز، والبيض، ونكهة ماء الزهر. كل هذه الأطباق تُرافقها "كسرة المطلوع" المنفوخة و«خبز الكوشة" المزيَّن بالسانوج.

تشجيع الصغار.. احتفالية "الصيام الأول" لغرس قيم الصبر والجلَد

يمثل اليوم الأول من رمضان، محطة مفصلية في حياة الأطفال العنابيين الذين يقررون خوض تجربة الصيام لأول مرة. وتحرص العائلة العنابية، والأم، على وجه الخصوص، على تحويل هذا اليوم إلى ذكرى جميلة لدى الطفل؛ حيث تحرص على التشجيع والدعم؛ إذ تُزيَّن طاولة الصغير بأشهى ما اختاره من حلويات وفواكه. ويجلس في المائدة مع الصائمين كنوع من التكريم. هذا الطقس الجميل ليس تدريب الطفل على الصيام فقط، بل يدخل ضمن تقاليد العائلات العريقة لتعليم الصغار قوة التحمل والصبر في مواجهة العطش، والجوع. 

المساجد في رمضان.. حملات تضامنية لتزيين بيوت الله بالأنوار

تكتسي مساجد عنابة العريقة من "جامع الباي" إلى مسجد أبو مرووان الشريف والمساجد الحديثة في الأحياء الجديدة، حلة فريدة من نوعها مع حلول الشهر الفضيل. فقبل رمضان بأيام ينطلق الجيران والشباب المتطوعون في حملات نظافة وتزيين واسعة، حيث يتم غسل الزرابي، وتعطير الأركان بالبخور، وتغيير المصابيح، وتُعلَّق الفوانيس الملونة عشية الشهر، لتعلَن عن قدوم ليالي الرحمة.

وتتحول هذه المساجد إلى ملجأ روحي، وملاذات آمنة للسكينة والوقار. المآذن، بدورها، تتنافس في الجمال، حيث تتزين بمختلف الألوان، وتصدح بصوت المآذن، تملأ فضاء المدينة طمأنينة وسكينة. ولا يقتصر الحضور في المساجد على كبار السن، بل تخصَّص صفوف منظمة للصغار لتعلم قيم الالتزام والهدوء في بيوت الله. أما النسوة فلهن نصيبٌ وافر من هذه الأجواء؛ فبعد الانتهاء من ترتيب المطبخ وغسل الصحون وتصفيفها، يتجهن لأداء صلاة التراويح مع المشاركة في حلقات الذكر.

«سوق الحطاب" و"مارشي الحوت" بوصلة الحياة اليومية

تُعد الأسواق الشعبية في عنابة القلب النابض الذي يضخ الحياة في شرايين المدينة طوال النهار. ويظل "سوق الحطاب" رفقة "مارشي الحوت" (السوق المركزي)، البوصلة الحقيقية التي يقيس من خلالها كل صائم، مؤشر احتياجاته اليومية، وقدرته الشرائية. وفي سوق الحطاب حيث تمتزج الأصوات بروائح الخضر الطازجة، تجد الطوابير الطويلة الصائمين لاقتناء "الدبشة" والمعدنوس والديول واللحوم بأسعار تناسب جيوب الزوالي. أما "مارشي الحوت" فله رمزية تاريخية وثقافية خاصة؛ فهو وجهة المثقفين والفنانين وأبناء العائلات العريقة. هذا السوق يحمل في أركانه حنين الماضي الجميل، حيث كانت قفف "الحلفة" المنسوجة يدوياً هي الرفيق الدائم لشيوخ المالوف العنابي. وفي ممراته حيث كان يتبضع الراحل حمدي بناني والشيخ الكرد وغيرهم من قامات الفن، وسط نغمات المالوف، التي مازالت تصدح من المذاييع القديمة في الدكاكين حتى اليوم. 

المقاهي الشعبية.. قِبلة الصائمين وملاذ الأصدقاء

بمجرد انتهاء وجبة الإفطار وأداء صلاة العشاء والتراويح، تبدأ مرحلة ثانية من حياة المدينة. تلجأ جموع الصائمين إلى المقاهي الشعبية، التي تمثل جزءاً حيوياً لا يتجزأ من ثقافة رمضان في عنابة. وتتميز المقاهي العنابية بديكوراتها التي تجمع بين العراقة والحداثة العصرية؛ فالمقاهي القديمة في أحياء مثل "لاكولون" و«بلاص دارم" تحتفظ بنكهة الماضي، بطاولاتها الخشبية، وصور أعلام المدينة، وشيوخ الفن المعلقة على جدرانها. هناك، يرتشف رواد هذه المقاهي القهوة العربية المقطرة، والشاي بالنعناع. ويناقشون أخبار الساعة في أجواء يسودها الود، والاحترام.

سهرات الأحياء العتيقة وسحر "قلب اللوز" البوني

مع انتهاء صلاة التراويح تظهر حركية المدينة. تفتح المحلات التجارية أبوابها على مصراعيها. وتمتلئ الشوارع والساحات بالعائلات والشباب. الحافلات والسيارات تنقل الأفواج المتجهة نحو وسط المدينة، أو المراكز التجارية لشراء كسوة العيد، في حركة تبضع صاخبة وجميلة، تتواصل وتشتد كلما اقتربت الأيام الأخيرة من الشهر.

وفي الأحياء العتيقة تبرز نكهة السهرات العنابية الخالصة؛ حيث تتسابق المحلات والدكاكين القديمة في "لاكولون" والمدينة القديمة، لتقديم أشهى حلويات "قلب اللوز" المنكّهة بماء الزهر المقطر، والتي تجذب رائحتها المارة من مسافات بعيدة. تُوضع هذه الحلويات المرشقة بحبات اللوز، إلى جانب الزلابية، والمقروض، وحلوى الترك، فوق صواني النحاس اللامعة. ويجتمع الأهل والجيران في الحوش الكبير " للبيوت العتيقة، يتبادلون "البوقالات" والألغاز، وسط نغمات المالوف، التي تعطي السهرة طابعاً أندلسياً رفيعاً.