عيد الفطر.. يوم الجائزة

عيد الفطر.. يوم الجائزة

ليس يومٌ أحب إلى العبد الطائع من يوم يرى فيه أثر طاعته وعبادته، وقد قَبِلها الله - عز وجل - وضاعف له فيها الأجر، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. ولا شكَّ أن شهر رمضان شهر تتضاعَف فيه الأجور كما وكيفًا، فيَفرح المؤمن حين يرى عظيم ما قدَّم، كما قال - عليه الصلاة والسلام - في الحديث المتَّفق عليه: (كل عمل ابن آدم يُضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يَدَعُ شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه).

ومن هذا الحديث، نتأمل في أن الجائزة لها وجهان، وجه في الدنيا فيفرح الصائم، لأنه وافق طاعة ربه بنفس سخيَّة زكية راضية، ويفرح لأنه أتم طاعة مفروضة، ويَفرح لأن الله رفع عنه مشقَّة التكليف بالصيام يوم العيد، ويَفرح لأن الله أباح له ما كان قد حرَّمه عليه في شهر الصيام، ويفرح لأنه أدخل السرور على مسلم محتاج صبيحة يوم الفطر، كلها أفراح وجوائز في الدنيا يَستشعِرها كل مسلم طائع يوم الفطر، لذلك نرى أن سلف هذه الأمة سمَّوا يوم الفطر بيوم الجائزة، فهو حقا يوم مشهود لا ينبغي لمسلم التفريط في حضوره بتضييعه بنوم أو غيره، بل نرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر حتى الحُيَّض بالحضور واعتزال المصلى، ليشهدوا الخير الذي يعمُّ جميع الوافدين لينالوا ما ينالون من غنيمة مع بقية إخوانهم.

فهذه هي فرحة الصائم الأولى: (فرحة عند فطره)، لكنَّ الأهم هو الفرح في الموقف الطويل واليوم العظيم، يوم القيامة، وهي الفرحة الثانية المقصودة: (وفرحة عند لقاء ربه)، وتأمل معي وجه الفرح لتعيش تلك الحقيقة العجيبة في أهمية الصيام، فحين يقف الناس بين يدَي ربِّ العزة - جل وعلا - في يوم الدِّين ويوم القصاص، (يقتصُّ الخلق بعضهم من بعض حتى الجمَّاء مِن القَرْناء، وحتى الذرَّة من الذرَّة)، كما صح عنه - عليه الصلاة والسلام - وعن البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا خلص المؤمنون من النار حُبِسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصُّون مظالم كانت بينهم فى الدنيا)، فتحصل المقاصَّة في الحسنات، في يوم لا درهم فيه ولا دينار، والحساب في الاقتصاص بالحسنات، وهنا سنرى جميعًا المفلس الذي تحدَّث عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - والذي يأتي بحسنات كثيرة مثل الجبال فتذهب هنا وهناك من أجل القصاص، كونه سبَّ فلانًا أو آذى فلانًا، أو ظلم فلانًا، فتتناثر الحسنات يَمنةً ويَسرةً، وهذا مشهد يصوِّره لنا النبي - صلى الله عليه وسلم، وهنا تأتي فرحة الصائم، ويُعطى جائزته في الموقف يوم أن يرى تلك الحسنة التي لا تتعرَّض لنظام المقاصَّة، إنها حسنة الصوم التي لا تخضع مطلقًا للقصاص، ولا يستطيع أحد المساس بها، ولن تذهب في ميزان الآخَرين فهي خالصة لصاحبها مدَّخرةٌ له، وهذا مفهوم قول المولى - عز وجل - في الحديث القدسي السابق: (قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به)، فالصومُ عبادة لله وحده بخصوصية مختلفة، وهي غير خاضعة للقصاص، فليس هناك فرحة ولا جائزة يتلقاها الصائم مثل تلك الفرحة، يوم أن يرى حسنة الصوم صامِدةً لا تُفتِّتها مطالب الآخَرين، فحريٌّ بمن أساء وظلم وآذَى أن يَستكثِر من الحسنات، وأن يجعل للصوم حظًّا أوفر من أعماله، فلعلَّ النجاة يوم القيامة تأتي من باب الصوم.

وهنا نفهم حقيقة الفرحتين للصائم، فالأولى يوم العيد والثانية يوم القصاص، فاللهم اجعلنا من أولئك الذين يفرحون بصيامهم مرتين.

فضل إحياء ليلة العيد

ذكر الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه الوسيط في فقه الشافعية سنن العيد فذكر منها إحياء ليلته بالعبادة. واستدل على ذلك بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم - من أحياء ليلة العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب قال ابن الصلاح: إحياء ليلتي العيد جاء فيه ما ذكر.

أما الشافعي فنقله موقوفا على أبي الدرداء، ولفظه: من قام ليلتي العيدين لله محتسبا، لم يمت قلبه حين تموت القلوب، قال الإمام الشافعي ـ رحمه الله -: وبلغنا أنه كان يقال: الدعاء يستجاب في خمس ليال: في ليلة الجمعة وليلة الأضحى وليلة الفطر وأول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان.

وقد روى حديث إحياء ليلتي العيد غير الشافعي مرفوعا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي أمامة الباهلي، وإسناده موقوفا ومرفوعا ضعيف. لكن أهل العلم يتساهلون في أحاديث فضائل الأعمال.

قال ابن الصلاح: ويوم تموت القلوب هو يوم القيامة، إذا غمرها الخوف لعظمة الهول. وذكر الصيدلاني: إنه لم يرد شيء من الفضائل مثل هذا، لأن ما أضيف إلى القلب أعظم لقوله تعالى فإنه آثم قلبه.

والحديث يحث على قيام ليلتي العيد في طاعة الله عز وجل وشكره، والثناء عليه وتعظيمه، ويحصل هذا الثواب لمن أحيا بعض هاتين الليلتين أو معظمهما وقد خص من يحيي هاتين الليلتين بهذه الصفة العظيمة، وهذا الأجر الجزيل، بحيث يظل قلبه حيا بينما تموت كثير من القلوب؛ لأنه أحيا هاتين الليليتين في طاعة، بينما غفل غيره عن ذلك، أو أحياهما فيما يغضب الله، أو يسخطه.

وذلك لأن المؤمن لا ينسى الله عز وجل في أي وقت، وأنه إنما يفرح بفضل الله تعالى ورحمته، ويسعد بإتمام نعمة الله عليه، وتوفيق إياه لما يرضي ربه قال الله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ. (يونس: 58) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: للصائم فرحتان: فرحة يوم فطره وفرحة يوم لقاء ربه.

إقرأ أيضا..

تثمين الموارد الوطنية والحفاظ على الطابع الاجتماعي
14 أكتوير 2019
رئيس الدولة يبرز مزايا المشاريع المصادق عليها في مجلس الوزراء

تثمين الموارد الوطنية والحفاظ على الطابع الاجتماعي

تعزيز الإطار القانوني لمحاربة الفساد وكافة أشكال الإجرام
14 أكتوير 2019
مشروع قانون الإجراءات الجزائية

تعزيز الإطار القانوني لمحاربة الفساد وكافة أشكال الإجرام

بن صالح يؤكد الحرص الدائم على سيادة الدولة
14 أكتوير 2019
المصادقة على مشروع قانون المحروقات

بن صالح يؤكد الحرص الدائم على سيادة الدولة

العدد 6925
14 أكتوير 2019

العدد 6925