هذا الزمن لا هو زمن الرواية ولا هو زمن الشعر
الشاعر عزوز عقيل
  • القراءات: 893

الشاعر وصاحب الصالون الثقافي عزوز عقيل لـ"المساء"

هذا الزمن لا هو زمن الرواية ولا هو زمن الشعر

❊ نملك ما يمكن أن ننافس به الآخر.. كفانا تبعية!

تحدّث الشاعر عزوز عقيل في حوار خص به "المساء"، عن جهوده لتحويل فكرة "صالون بايزيد عقيل الثقافي" إلى مؤسسة ثقافية جادة، تشمل عدة أنشطة ثقافية ومشاريع هامة، من بينها الموقع الثقافي، والمجلة الإلكترونية، اللذان تم تجسيدهما ميدانيا، مضيفا أنه يبذل رفقة طاقم العمل، مجهودا جبارا لتحويل المجلة الإلكترونية إلى ورقية، كما أنهم بصدد إنشاء دار نشر باسم الصالون الثقافي.

نحن بصدد تحويل فكرة صالون بايزيد عقيل الثقافي إلى مؤسسة ثقافية جادة

حدثنا عن تجربتك في إنشاء صالون ثقافي في عين وسارة.

❊❊ في التاسع عشر من شهر سبتمبر الموافق لعام ألفين واثنين تم تأسيس صالون بايزيد عقيل برئاسة الشاعر الجزائري عزوز عقيل. الفكرة جاءت بعد دراسة عميقة للوضع الثقافي الذي كان يعرف جمودا كبيرا، وفي غياب كلي للنشاطات الثقافية على مستوى المؤسسات الرسمية.

سمي الصالون باسم والدي بايزيد عقيل؛ لأن النشاطات كانت تُعقد في بيت ورثه الشاعر عن أبيه. ووفاء لذكرى الوالد تمت تسمية الصالون باسمه. جاءت الفكرة كبديل للجمعيات الثقافية التي أصبحت مُسيّسة، وللابتعاد عن التحكم في توجهات الإبداع، والمحافظة على حريته. وتم تأسيس الصالون كتقليد للصالونات القديمة بداية من صالون سكينة بنت الحسين، الذي كانت تجتمع فيه النساء لتبادل الشؤون الدينية والثقافية، مرورا بالصالون الثقافي الغالب عليه الطابع السياسي، الذي كانت تديره ناضلي هانم. وكان من بين المشاركين في صالون ناضلي هانم الكاتب الكبير قاسم أمين، الذي كان قبل حضوره الصالون، من المتهجمين على المرأة المصرية. ولكن بفضل صالون ناضلي هانم ألّف كتابا بعنوان (تحرير المرأة)، ثم صالون "مي زيادة" الذي كان أشهر صالون أدبي في القرن العشرين، فصالون العقاد، وغيرها من الصالونات الأدبية آنذاك.

أما في العصر الحديث فهناك عدة صالونات أدبية موزعة هنا وهناك، ولكنها تبقى مقتصرة على مدن معيّنة. وفي هذا حاول صالون بايزيد عقيل أن يستفيد من التجارب المتنوعة للصالونات الأدبية؛ من خلال تجاوزه حدود المدينة إلى حدود الوطن، ليعرّف بنشاطاته خارج المجال الوطني، ويكون عربيا. وقد تم صياغة بيان معنوي، يتضمن عدة بنود يلتزم بها المبدع معنويا؛ لأن صالون بايزيد عقيل هو فضاء حر لا يلتزم بقوانين الجمعيات، ولكن يلتزم بروابط معنوية أخوية، وبالكلمة العذبة الجميلة الحرة في فضاء حر. وجاء بيان التأسيس كما يلي: "هكذا بدون استئذان تقتلنا الرتابة والروتين، ونقف صوبه متأملين في حسرة بدون أن نحاول، على الأقل، أن نهرب من طريقه؛ فالمنافذ كلها أُغلقت.

ولأننا نبحث عن الأكسجين، فقط نريد أن نتنفس في زمن ثاني أكسيد الكربون، ولأننا نحترق هذا قدرنا، لم نختره طواعية، ولكننا مجبَرون؛ لذا فنحن نسعى دائما جاهدين، للبحث عن كوة للضوء، نطل بها على العالم في زمن الموت المجاني أيضا والتهميش المعلن، نسعى جاهدين من خلال صالون  بايزيد عقيل الثقافي، لأن نشعر، على الأقل، أننا هنا نصنع فضاء مفتوحا للكلمة العذبة، الكلمة الجميلة، بعيدا عن كل المزايدات والمساومات. هذا الفضاء الذي نتمناه أن يكون مفتوحا للكل، يفتح أحضانه لمـحترفي الكلمة بعيدا عن المؤسسات العرجاء وجمعيات اللاجدوى، ليكون انطلاقة نحو الفرح القادم، نحو الحلم الآتي، الصالون بكم أيها المبصرون في ظلام الآخرين، أنتم الذين تنيرون هذا الدرب المفروش بأشواكهم، كونوا دائما مع الذات".

كما تطرق البيان المعنوي لمجموعة من الأهداف التي أُسس من أجلها الصالون، ولخّصها البيان في سبعة أهداف رئيسة، وهي: سعي صالون بايزيد عقيل الثقافي، لربط العلاقات الأخوية والأدبية وتعميقها. وفتح صفحات خاصة بمبدعي الصالون في الجرائد الوطنية. وكسر الرتابة والروتين من خلال اللقاء الشهري. وفتح موقع للصالون الثقافي على شبكة الأنترنت. ومناقشة مختلف القضايا الثقافية. وإقامة أمسيات أدبية وثقافية. ودراسة إمكانية الطبع المشترك أو تقديم مجموعات للطبع بمساهمة أعضاء الصالون.

وقد عقد الصالون إلى حد الساعة، العديد من الجلسات. ففي ما يخص الجلسة الأولى قرأ فيها أدباء من داخل المدينة، الكثير من القصائد الشعرية والقصص القصيرة. أما من خارجها فقد تدخلت هاتفيا كل من الشاعرة الجزائرية زهرة بلعاليا، والقاصة فايزة زيتوني،  والأديب جمال فوغالي، والقاصة الجزائرية زهرة بوسكين الفائزة بجائزة سعاد الصباح، والشاعر الجزائري عبد الرحمان بوزربة وغيرهم. كما عرف صالون بايزيد عقيل الثقافي، اتصالات من خارج الوطن، متمثلة في الشاعرة والقاصة الأدبية الجزائرية المقيمة بالإمارات العربية جنات بومنجل، التي كان تواجدها ضمن الصالون نكهة أخرى، أضفت على مبدعي الصالون حلاوة أخرى.

وكرّم الصالون العديد من الوجوه الثقافية. كما كرم موقع شظايا أدبية بشهادة شرفية نظرا للخدمات الجليلة التي يقوم بها الأديب القطري خلف سلطاني بمعية الأديبة جنات بومنجل. ووثق الصالون كل الجلسات الأدبية بالصور المرئية والسمعية البصرية، وهو الآن يملك أرشيفا زاخرا، يتنوع بين الصور والفيديوهات لمختلف الجلسات الأدبية.

لا نريد أن نتسرع ونصدر عددا أو عددين من مجلة الصالون الثقافي، ثم نتوقف!

أين وصلت آخر التدابير لتحويل الصالون الثقافي إلى مؤسسة ثقافية تشمل دارا للنشر؟

❊❊ فعلا، نحن بصدد تحويل فكرة صالون بايزيد عقيل الثقافي إلى مؤسسة ثقافية جادة، تشمل عدة أنشطة ثقافية ومشاريع جادة، من بينها الموقع الثقافي، والمجلة الإلكترونية. وهذا الفعل قد تم تجسيده ميدانيا. ونحن الآن نبذل مجهودا جبارا على تحويل المجلة إلى مجلة ورقية، وبصدد إنشاء دار نشر باسم الصالون الثقافي. ونحن الآن بصدد البحث عن مقر يتناسب مع طموحاتنا لإقامة النشاطات. ويتسع لدار النشر والعرض لمطبوعات الصالون، إضافة إلى قناة الصالون، وهو عبارة عن أستوديو للتصوير من أجل توثيق نشاطات الصالون صوتا وصورة، ولكن الأمر ليس بالصورة السهلة التي كنا نتوقعها، خاصة ونحن بحاجة إلى مصممين وموزعين. ولكن ما يميزنا أننا نسير بخطى متزنة ومدروسة. وعلى هذا أعمل مع الشاعر الدكتور عيسى ماروك، على دراسة الأمر من كل زواياه؛ لأننا عهدنا أنفسنا على النجاح، وهذا ما نسعى ونصبو إليه في ظل غياب شبه كلي للنشاطات الثقافية على المستوى الوطني.

مجلة الصالون الثقافي الإلكترونية ستتحول إلى ورقية

هل واجهتك صعوبات في تأسيس مجلة "الصالون الثقافي"؟ ومتى ستصبح ورقية؟

❊❊ بالتأكيد، إن كل عمل في بداياته تشوبه الكثير من المشاكل والعراقيل، وأولها كان العائق المادي، والبشري أيضا، خاصة في ظل مدينة يصعب فيها عليك أن تجد مصمما جادا للمواقع أو للمجلة الإلكترونية نظرا لافتقاد المدينة (عين وسارة) مثل هذه المبادرات، ولكن العزيمة كانت أكبر، فانطلقنا بداية بالموقع الإلكتروني الصالون الثقافي، ومن خلاله المجلة الإلكترونية الصالون الثقافي، التي خصصنا لها زاوية في الموقع، يمكن القارئ أن يتصفحها من خلال الموقع قبل أن تتحول إلى مجلة ورقية. وبالمناسبة، أشكر دار بن زيد، الذي أبدى مساعدته في طبع العدد الأول مجانا من المجلة، ولكن تريثنا قليلا لأننا فكرنا كثيرا ولم نكن نسعى لطبع عدد أو عددين، ثم نتوقف. حاولنا أن تكون استراتيجيتنا متواصلة؛ لأن التسرع سيصيب الكثير من المبادرات الأخرى بالفشل.

من خلال عضويتي في المكتب الوطني لاتحاد الكتّاب الجزائريين، تعرفت على الكثير من المبدعين

أنت عضو في المكتب الوطني لاتحاد الكتّاب الجزائريين، ماذا أضفت للاتحاد؟ وماذا أضاف الاتحاد للمسيرة الأدبية لعزوز؟

❊❊ سأبدأ من الشق الثاني ماذا أضاف الاتحاد لي؟ لقد أضاف لي الكثير، وهو التعرف على الكثير من الكتّاب والمبدعين من مختلف ربوع الوطن. ولقد التمسنا الكثير من الجماليات والإبداع عند هؤلاء الشباب الذين سعدت بمعرفتهم، هذا أولا. وثانيا، عرفت من خلال الاتحاد الكثير من الكتّاب والشعراء من خارج الوطن. وزرت العديد من الدول في إطار تمثيل الجزائر خارج الوطن. ولقد تشرفت أنني كنت رئيسا للوفد الجزائري في مهرجان الجواهري بالعراق، وكذلك في دولة الإمارات العربية المتحدة، هذا إلى جانب التعرف على الكثير من القامات الجزائرية؛ من خلال نشاطات الاتحاد الأسبوعية، أو من خلال ضيف الشهر، الذي كنا نكرم كل شهر شخصية من الشخصيات التي ساهمت في إثراء الحركة الثقافية والإبداعية في الجزائر. ولقد كرمنا الكثيرين بداية من واسيني الأعرج، وأمين الزاوي، والعيد بن عروس، وعلاوة جروة وهبي، وبشير مفتي، وغيرهم من الذين ساهموا في الإبداع. أما الجانب المهم في كل هذا، أننا أعدنا الاتحاد إلى جهة من خلال إدارتي جناح الاتحاد بالمعرض الدولي للكتاب. 

نحضّر لملتقى أدبي عن طريق الوسائط الاجتماعية لمدة ثلاثة أيام

أعلنت في حوار سابق مع "المساء"، عن تنظيم مسابقة شهرية تخصص كل شهر لمجال معيّن، هل تحقق ذلك ميدانيا؟

❊❊ في الحقيقة أعلنت عن المسابقة الأولى الشهرية، لكن التفاعل لم يكن بالمستوى المطلوب؛ لأن الجائزة لم تكن مادية، ولذلك الكثير أو معظم الأدباء والشعراء منهم، أصبحت لا تغريهم الجوائز الأدبية والدروع بقدر ما يهمهم الجانب المادي. وأنا لا أنقص من قيمتهم هنا، بل أعطيهم كل الحق، ولكن في الوقت الذي يعزف هؤلاء عن مسابقات أدبية جزائرية، تستهويهم مسابقات خارجية فيسبوكية رغم أنهم لا يعرفون من نظم هذه الجوائز، ويرضون بتنويه فقط، وبالجائزة العاشرة، وهلم سخفا.

الأمر العجيب الذي لاحظته من خلال مساري الإبداعي والمجال الثقافي، أن الجزائريين منبهرون بغيرنا رغم أننا نملك من الطاقات الإبداعية وأساتذة الجامعات وغيرهم من المثقفين، ما نضاهي به أيا كان، ولكن العقدة المشرقية مازالت مسيطرة على الكثير منا، ولذا وجب أن نمنح أنفسنا ثقة أكبر؛ لأننا نملك ما يمكن أن ننافس به الآخر، وكفانا تبعية!

هل للصالون الثقافي نشاطات مشتركة مع صالونات عربية وجزائرية؟

❊❊ في الحقيقة لنا فكرة النشاط المشترك مع صالون الواحة الأدبي بدولة مصر الشقيقة الذي يرأسه الشاعر والناقد إبراهيم النحاس. وقد برمجنا النشاط، لكن لظروف الكورونا بقي النشاط مؤجلا؛ لأننا لم نرد أن نعقّد الأمر أكثر مما هو معقد، فصحة مبدعينا أولى من النشاط الثقافي، لكن يبقى الأمر معلقا. وإن شاء الله بعد تحسن الأمور لنا عدة مشاريع ثقافية مع صالونات ومنتديات عربية بمصر وتونس والعراق. ولقد نزلت ضيفا على عدة منتديات وصالونات أدبية خارج الوطن ممثلا للجزائر عن طريق الوسائط الاجتماعية. وكان لهذا النشاط نجاحه الدؤوب. ومن خلال هذه التجربة نحن نحضّر لملتقى أدبي عن طريق الوسائط الاجتماعية لمدة ثلاثة أيام، يتضمن عدة مداخلات وقراءات أدبية شعرية وقصصية، على أن يكون البث مباشرا، ويشمل عددا كبيرا من الشعراء من داخل الوطن وخارجه. ونسعى لأن تكون عدة دول مشاركة في هذا الملتقى، ولعله يكون التجربة الأولى من خلال الجانب التواصلي.

اختلاف وتعدد الأجناس الأدبية وتنوع وسائل الاتصال، أنقصت من قيمة الشعر

نشرت العديد من الدواوين الشعرية، هل تؤمن بقدرة الشعر في التغيير؛ سواء على مستوى الفرد أو المجتمع؟ 

❊❊ أكيد، الشعر إن لم يكن رسالة فما جدواه؟! ورسالة الشعر منذ القديم، كانت فعالة؛ فكم من القصائد التي أوقفت حروبا! وكم من قصيدة صالحت بين أقوام! وكانت القبائل تحتفي بميلاد الشاعر، ولكن أعتقد أننا في زمننا هذا مع اختلاف وسائل التواصل، قد أثر كثيرا في هذه الرسالة، فقديما كان الشعر وسيلة من وسائل التواصل الجميلة، وكان يحمل في مضمونه العديد من القيم الاجتماعية والأخلاقية، لكن في عصرنا هذا، اختلاف وتعدد الأجناس الأدبية وتنوع وسائل الاتصال، أنقص من قيمة الشعر على جميع المستويات حتى على مستوى القراءة الفاحصة والعميقة، أصبح الوقت محصورا في الوسائل الاجتماعية للتواصل الجديد، ولذلك غالبا ما نعاني من أن الزمن الآن أصبح زمن الرواية، وفي الحقيقية أن هذا الزمن لا هو زمن الرواية ولا هو زمن الشعر؛ أصبح قراء الشعر يُعدون على الأصابع. ومن خلال مقارنة بسيطة بين الذي كان يطبع سابقا والذي يطبع الآن، نجد الاختلاف شاسعا؛ هناك الكثير من الشعراء لا يطبعون من دواوينهم أكثر من خمسين نسخة عكس الفترة السابقة؛ حيث كانت المطابع لا تطبع أقل من ثلاثة آلاف نسخة، والأمر ليس مقصورا على الشعر، بل كل الأصناف الإبداعية.

تراجعت مقروئية الشعر، وكذا الدراسات الأكاديمية التي تهتم به؛ الشاعر هو الناطق بكل القيم الإنسانية

تراجع الشعر أمام الرواية، حتى إن هناك دُور نشر تتجنب نشر الدواوين؛ ما قولك في ذلك؟

❊❊بالفعل، الكثير من دور النشر تراجعت عن نشر الشعر؛ بحجة أن الشعر أصبح غير مقروء، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها وليس هذا فقط، بل الكثير من الشعراء هجروا الشعر، وتوجهوا لكتابة الرواية بنفس الحجة، ولكن في الحقيقة هناك قضية أخرى ساهمت في هذا، وهي أن الدراسات الأكاديمية أصبحت لا تتناول الشعر؛ بحجة صعوبة تحليله. واتجه الجميع إلى التحليل السردي نظرا لاستسهاله. وإضافة إلى ذلك؛ أي أنك قد تجد دراسة جاهزة تعتمد عليه وتغيير التسميات فقط، وهذا ما جعل الرواية مدروسة بشكل أكثر على مستوى الجامعات الجزائرية، هذا ما جعل الكثير من الشعراء يهجرون الشعر لهذا السبب، والسبب الثاني أن المقروئية تراجعت كثيرا.

الشاعر هو الناطق بكل قيم الإنسانية

ما تقييمك للساحة الشعرية الجزائرية في الوقت الراهن؟

❊❊ الساحة الشعرية الجزائرية عبر كل مراحلها، مرت بهزات شعرية مختلفة، مرورا بكل عشرية، كان الشعر فيها يعرف بعض المرتفعات والمنخفضات، ولكن في مرحلة الثمانينات عرف قيمة ازدهار. وعُرف أيضا باختلاف التجارب الشعرية، فظهرت أسماء عديدة مازالت تتسيد المشهد إلى حد الآن، ولكن هذا لا ينفي وجود بعض الأسماء التي ظهرت مؤخرا، أنها تحمل الكثير من الرؤى الشعرية المتنوعة، وتجارب تكاد تكون مختلفة عن الأسماء السابقة، وهذا ما يبشر بمرحلة شعرية متدفقة خاصة مع العودة إلى القصيدة العمودية. وتحضرني عدة أسماء استطاعت أن تشكل من القصيدة العمودية نموذجا للاختلاف، وهو ما يفسر فوز العديد منهم في مسابقات مختلفة؛ سواء على المستوى الوطني أو العربي.

ومن خلال المسابقة الشعرية الوطنية لصالون بايزيد عقيل الثقافي، كان لنا تجربة اكتشاف العديد من الأسماء الشعرية في مختلف ربوع الوطن، تتميز بالجودة والتمييز، فقط يجب فتح الفضاءات لمثل هذه الطاقات الإبداعية الشابة، وأن لا يبقى الأمر محصورا في أسماء كرس لها الإعلام الجزائري، فنجدها في كل المناسبات متسيدة للمشهد، ولكنها في حقيقة الأمر، لا تمثل شيئا أمام الطاقات الجديدة. أنا لا أطلب ركن هؤلاء على الهامش؛ فلا بد من الاستفادة من تجاربهم الإبداعية، ولكن يجب أن يعطَى هؤلاء الشباب فرصتهم أيضا في هذا الجانب.

قريبا سيصدر لي الجزءان الثاني والثالث لـ "مبدعات عربيات"

ساهمت في تأسيس العديد من النوادي والجمعيات، هل يعود ذلك إلى إيمانك بدور المجتمع المدني في إحياء الثقافة؟

❊❊ يعود ذلك إلى سنة 1994، حينما أسست أول ناد أدبي في عين وسارة، وكان تحت تسمية نادي وسارة للإبداع. وكان يضم نخبة من شعراء وأدباء المنطقة آنذاك. وقد أقمنا العديد من النشاطات الأدبية والثقافية التي كانت فاتحة للإبداع في المدينة. وبعدها بسنتين حينما عُينت مديرا للمركز الثقافي بعين وسارة، استمر النادي تحت نفس التسمية. وقد عرف أزهى فترة على مستوى الإبداع؛ حيث كانت عين وسارة محجا لكل المبدعين، ليس على مستوى المدينة فقط، بل على المستوى الوطني كذلك. واستضفنا الكثير من المبدعين من خارج المدينة. وبعد عودتي إلى التعليم، وبالضبط في سنة 2002، بادرت بتأسيس أول صالون ثقافي في الجزائر. ومازال إلى حد الساعة يقوم بنشاطاته رغم أننا لا نملك الإمكانيات بخلاف الإرادة التي أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه، ونحن مستمرين مادام القلب مستمرا بالنبض.

 فوزك بالعديد من الجوائز، هل أثر في مسيرتك الأدبية، أم أنه مجرد إضافة لا غير؟

❊❊ الأمر هنا يجب النظر إليه من زاويتين مختلفتين؛ الزاوية الأولى؛ فعلا أن هذه الجوائز تؤثر على المستوى الإبداعي؛ لأن الشاعر الذي يظفر بمثل هذه الجوائز يكون في مواجهة القارئ والإعلام، وبالتالي هو أمام محك الجودة والرداءة؛ إما أنه يثبت أنه في مستوى هذه الجوائز التي نالها، وإما أنها تكون وابلا عليه. ولكن الشاعر الحقيقي هو الذي يعرف كيف يستفيد من هذه الجوائز. ويجب عليه أن يكون في مستوى هذه الجائزة؛ لأنه سيكون أمام قارئ جديد أيضا، يتتبع هذه الأعمال بشكل مختلف؛ ولذا فهي تُعتبر إضافة؛ لأنك بذلك تكسب قراء جددا، وتحمّلك أيضا مسؤولية الحفاظ على المستوى الذي ظهرت به، بل العكس، هذه الجوائز تدفعك إلى المزيد من الإبداع والتميز للحفاظ، على الأقل، على المستوى الذي عرفك به القراء.

كيف تعرّف الشاعر؛ هل هو ذاك الرومانسي الذي يفيض حبا ورقة، أم أنه ذلك الثائر الذي يتصف بالعنفوان والقوة؟

❊❊ الشاعر هو كل هؤلاء؛ هو ذاك الرومانسي الذي يعرف كيف يتعامل مع الآخرين حبا وتدفقا وعطاء، هو صاحب ذاك الإحساس المرهف والنبيل الذي يتأثر بالأشياء الجميلة ويتأثر لانحناء وردة، لكل دمعة طفل، لكل ابتسامة جميلة، وهو أيضا ذلك الثائر الذي يثور لقضايا مجتمعه العربي والإنساني، هو الذي يقف ثائرا لكل ما يمس عقيدته ودينه وإنسانيته، وبالتالي فهو الناطق بكل قيم الإنسانية. ولا يمكننا أن نعزل الشاعر عن قضايا أمته ومجتمعه أو عن قضاياه الإنسانية؛ فلا يجب أن يكون رومانسيا في قضية تتعلق بالقضية الفلسطينية وهو يرى أطفال غزة يُحرقون بنيران اليهود، ولا يمكنه أن يكون ثائرا في قضية تتعلق بإحساسه الجميل.

هل أنت مع النشر الإلكتروني؟

❊❊ أنا مع النشر بكل أنواعه؛ سواء كان نشرا ورقيا أو نشر إلكترونيا. وقد قلت في عدة حوارات سابقة، إن النشر الورقي يساهم في انتشار الإبداع الجميل بخلاف النشر الإلكتروني، الذي يساهم كثيرا في انتشار الاسم، وهذا يعود إلى أن الوسائل الإلكترونية والتواجد على مستواها، يساعد في نشر الاسم أكثر من الإبداع بخلاف النشر الورقي، الذي يُفرض على القارئ، أو يتفاعل مع العمل الإبداعي أكثر من الأسماء، خاصة أن التكنولوجيا أصبحت متفرعة، فلا يمكننا أن نجلس أمام الجهاز للقراءة لمدة أطول، ثم إن القراءات الإلكترونية هي فاقدة للتركيز بخلاف الورق، ولذا قلت إن على المبدع أن يتعامل معهما معا، وبالتالي هو يحقق الأمرين معا؛ القراءة الجادة لأعماله، ويساهم في نشر أعماله لكسب المزيد من القراء.

متى يصدر الجزء الثاني والثالث لكتابك "مبدعات عربيات"؟

❊❊ بالنسبة لكتاب "مبدعات عربيات" فقد صدر الجزء الأول من الكتاب في مصر الشقيقة، وهو يضم مجموعة من الحوارات الإبداعية لعدد كبير من المبدعات العربيات. وقد ضم الجزء الأول أكثر من عشرة دول عربية. وأنا بصدد التحضير للجزء الثاني، الذي يشمل أيضا مبدعات من باقي الدول العربية التي لم يشملها الجزء الأول، وهو تقريبا جاهز. أما الجزء الثالث فهو مخصص للمبدعات الجزائريات، وهو بصدد التحضير؛ إذ حاورت الكثير من المبدعات الجزائريات كالشاعرة زهرة بالعاليا، والأديبة زهرة بوسكين، والشاعرة نصيرة محمدي، والشاعرة نورة تومي، وغيرهن من المبدعات الجزائريات اللواتي أقدم لهن الشكر من خلال هذا اللقاء، على التعاون والتفهم. وسيصدر الجزء الثاني والثالث معا في مصر بحول الله، على أن أقوم بإصدار الأجزاء الثلاثة في الجزائر قريبا؛ لتمكين الطالب الجزائري من التعرف على مختلف المبدعات الجزائريات.

بناتي ترعرعن في جو أدبي باعتبار أن والدتهن أيضا أديبة

هل يهتم عزوز رفقة زوجته الكاتبة راقية بقعة، بتلقين بناتهما حب الأدب؟

❊❊ الحمد لله، بناتي كان لهن حظ كبير لأنهن يعشن في جو أدبي، باعتبار التقارب الفكري بيني وبين والدتهن. ومن حسن حظي وحظهن أنه ترك أثرا كبيرا في حياتنا، وساهم مساهمة كبيرة في خلق قاعدة محبة صلبة بيننا. أضف إلى ذلك أن بناتي ولدن في صالون بايزيد عقيل الثقافي. وقد حضرن كل النشاطات الثقافية التي أقامها الصالون؛ فكن يستمتعن بسماع الشعر من مختلف الأدباء المهمين على المستوى الوطني والعربي، إضافة إلى هذا، أنني فتحت لهن مجال المشاركة في الصالون؛ فابنتي الكبرى زينب بيلسان، ساهمت في تنشيط جلستين من جلسات الصالون، وكانت في السادسة من عمرها. أتذكر أن الشاعر الفلسطيني المرحوم نازك ضمرة، أبدى إعجابه الكبير بطريقتها يوم استقبلته زينب في جلسة من جلسات الصالون.

كما شاركت كل من رينادا ولوتس في قراءة قصائد الكثير من الشعراء على مستوى الصالون؛ مما فتح لهن المجال لحفظ الكثير من القصائد لشعراء كثر، وأصبحن في هذه السن يفرقن بين القصيدة العمودية والقصيدة الحرة أيضا؛ امتلكن ناصية القراءة الجيدة. أما على مستوى الكتابة فلهن محاولات عدة في الكتابة. وهذا الأمر جاء هكذا تلقائيا بدون ممارسة أي سلطة عليهن، ربما من الجو العائلي؛ فهن يملكن مكتبة خاصة بهن، تحتوي على الكثير الكثير من قصص الأطفال، إضافة إلى كون والدتهن روائية وقاصة وناقدة. وقد سبق لها نشر مجموعتين قصصيتين ورواية "صولجان الذاكرة"، إضافة إلى كتاب نقدي "مسرح الطفل في الجزائر، التجربة والآفاق"، وهذه العوامل مشتركة، ساهمت في خلق جو خاص بهن.