نأمل تبني الحكومات العربية مشاريع التراث
مؤسس ومدير "المهرجان العربي لفيلم التراث" إسلام عز العرب
  • القراءات: 978
حاورته: وردة زرقين حاورته: وردة زرقين

مؤسس ومدير "المهرجان العربي لفيلم التراث" إسلام عز العرب لـ "المساء":

نأمل تبني الحكومات العربية مشاريع التراث

يُعتبر التراث هوية ووثيقة صادقة للشعوب، وهي قضية تشغل الفكر العربي بشكل عام؛ للحفاظ عليه، وصونه، والاهتمام بنشره. ولا يتحقق ذلك إلا من خلال توثيقه. ومن بين الوسائل التي تساهم في صونه "المهرجان العربي لفيلم التراث"، الذي يهدف إلى التحسيس بالهوية العربية، من خلال فيلم التراث.  "المساء" تواصلت مع الأستاذ الأكاديمي والمخرج والمتخصص في مجال السينما والتراث ومؤسس ومدير "المهرجان " الدكتور إسلام عز العرب، فكان هذا الحوار.

بداية، نود أن نقرب القارئ من مساركم.

❊❊ أنا مخرج سينمائي، حاصل على شهادة دكتوراه في فلسفة الفنون، وعضو هيئة تدريس بأكاديمية الفنون. قدمت الكثير من الأبحاث العلمية في المؤتمرات والملتقيات الدولية، وساهمت في طرح رؤى متطورة في مجالي السينما والتراث. ومن خلال مشواري الفني قمت بإخراج وإنتاج العديد من البرامج والأفلام الوثائقية والروائية القصيرة. كما نظمت الكثير من المعارض الفنية للتصوير الفوتوغرافي، ناهيك عن مشاركتي في العديد من المهرجانات السينمائية الدولية. وتحصلت على شهادات تقدير في المحافل الثقافية والفنية.

كيف جاءت فكرة تأسيس "المهرجان العربي لفيلم التراث"؟

❊❊ لقد بدأت فكرة إقامة مهرجان سينمائي عربي لفيلم التراث، تراودني مع بدء العمل كعضو هيئة تدريس بأكاديمية الفنون. وظلت الفكرة قائمة إلى غاية انطلاق الدورة الأولى من "المهرجان العربي لفيلم التراث" بتشجيع ورعاية مؤسسة عصمت يحيي للثقافة والفنون والتنمية. ويأتي المهرجان ليحقق نقلة نوعية بالنسبة للمهرجانات الفنية والإبداعية، فهو أول مهرجان يحمل المقومات الثقافية والفنية، إضافة إلى المقومات العلمية التي يتميز بها المهرجان.

والحقيقة أنه لم يكن هناك مصطلح يُعرف باسم "فيلم التراث" إلا من خلال انطلاق "المهرجان العربي لفيلم التراث" الذي بُنِي على أسس علمية وأكاديمية. وقد أصّلت لهذا المصطلح من خلال أحد أبحاثي العلمية، لذا تُعد تجربة "المهرجان العربي لفيلم التراث" الأولى من نوعها؛ حيث تجمع بين الجانب التطبيقي من خلال الجانب التنظيري والعلمي. وقد حققنا ـ بحمد الله ـ نجاحا كبيرا، كانت له أصداء عالية، بلغت آفاق الدول العربية.

حسب رأيي، فإن أحسن وسيلة للحفاظ على التراث الشفوي، الكتاب؛ فهل تؤمنون بأن الحفاظ على التراث بصفة عامة وتوثيقه، يتم من خلال الأفلام؟

❊❊ أؤمن بأن الحفاظ على التراث وتوثيقه وصونه يتحقق من خلال هذه النوعية من الأفلام؛ لذا فإن "المهرجان العربي لفيلم التراث" يُعد أحد أهم الروافد التي تتماشى مع الاهتمام العالمي بالتراث السمعي والبصري، ولحرصي الدائم على تسليط الضوء على صناعة فيلم التراث، هو دعم وتشجيع المواهب. وقد تحقق هذا من خلال المهرجان في الدورتين السابقتين، وصولا إلى الدورة الحالية.

الهدف من المهرجان هو تشجيع شباب مخرجين نحو صناعة فيلم التراث؛ على ماذا يعتمد المخرج في بنائه؟

❊❊ يعتمد مخرج الفيلم الوثائقي الذي يهدف إلى حفظ التراث وتوثيقه وصونه، بشكل عام، على تقديم صورة واقعية عن المجتمعات بتراثها وحضارتها ومعالمها، وغير ذلك؛ بمعنى أنه يعتمد اعتمادا أساسيا على الواقع الميداني، ويأخذ مادته من الواقع مباشرة، ويتحرى الرصد الحيادي والموضوعي المبنيّ على معلومات موثوقة المصدر، وكذا الشهادات الحية بطريقة موضوعية لأشخاص حقيقيين، ولا يقوم بتجسيدها ممثلون.

إذن كما جاء في حديثكم، فيلم التراث هو وثيقة صادقة؛ هل ترون أن هؤلاء الشباب ممن قدّموا أعمالهم، أبدعوا، بشكل أو بآخر، في حفظ التراث؟

❊❊ بالطبع أبدعوا. حينما ينجذب ذهن المخرجين الشباب ويتجه نحو اكتشاف تراث بلادهم ليرصدوه بعدساتهم ورؤاهم لينتجوا لنا كنوزا تراثية سينمائية تجمع بين الإبداع وترسيخ فكرة الهوية المجتمعية، كما تدفعهم لاكتشاف القيم المجتمعية والكنوز البشرية، وكانت رؤيتي منذ بداية طرح فكرة المهرجان أن يكون بمثابة أداة للعصف الذهني للمحترفين والشباب المخرجين والمصورين، فجاء فيلم التراث الخاص بالرسوم المتحركة، ليصبح هؤلاء الشباب ـ الشباب المخرجين ـ حلقة وصل بين فكرة المهرجان وتأصيل الهوية، وبين جذب الأطفال؛ بهدف نشر أهمية التراث والحفاظ عليه من جهة. ومن جهة أخرى، اتباع الأسلوب الجاذب لهم كأطفال، لنجني ثمار الفكرة العميقة التي يحملها المهرجان، وهو تواصل الأجيال، وتعريفهم بهوية مجتمعاتهم وما تختزنه من كنوز برؤاهم وأفكارهم.

"المهرجان العربي لفيلم التراث" أحد أهم المهرجانات في الوطن العربي، هل تنتظرون نتيجة مرضية في صناعة الأفلام باعتباره مرجعا علميا؟

❊❊ لقد كانت قناعتي بأن مهرجانا لفيلم التراث ليس مهرجانا سينمائيا عاديا، إنما هو، في المقام الأول، رسالة هادفة. وإن من أهم مقومات نجاح العمل، إيجاد الارتباط بينه وبين الجماهير، وكذلك المبدعين المشاركين. وبالفعل، منذ انطلاق الإعلان عن المهرجان بدأ المبدعون من المخرجين، يرسلون الأعمال المشاركة بالمهرجان. والرائع أن الأفلام حتى الآن، على قدر عال من الإبداع الفني والمحتوى المتميز، ثم أغلب الأفلام كان إنتاجها، خصيصا، للمشاركة في المهرجان. واللافت للنظر في الدورة الثالثة للمهرجان العربي لفيلم التراث، أنها جذبت مبدعين من المحترفين. كما شملت خريجي كليات الفنون التطبيقية والإعلام، وبمقياس الخبرات، فكل منهم، حسب قدر خبرته، أبدع، ليكون الناتج مجموعة من الأفلام، تُعد مرجعا علميا، يمكن الاستعانة به للمختصين في مجال السينما والتراث.

هل تسعون إلى العمل على إقامة جسور للتعاون وإبرام اتفاقيات مع مهرجانات أخرى في الدول العربية؟

❊❊ بالتأكيد؛ التعاون المثمر بين المهرجانات على مستوى الدول العربية، يسعدنا، لكن، بالطبع، للعمل التعاوني. ومن وجهة نظري، فإن الضوابط والمقومات لا بد أن تتوفر فيه، فـ "المهرجان العربي لفيلم التراث" في دورتيه السابقتين وكذلك دورته المرتقبة، يسعى نحو الكيف والجودة في كل ما يخص المهرجان، فنجد جميع لجان المهرجان تتميز بالتنوع الدولي؛ فنجاح المهرجان من خلال القائمين عليه، بداية من إدارته واللجان المشكّلة المتمثلة في لجنة الانتقاء، ولجنة تحكيم الأفلام، ولجنة تحكيم الفوتوغرافيا، جميعهم أعضاء هيئة تدريس أكاديميون، ولهم نجاحات واضحة في مجال السينما والتراث على المستوى الأكاديمي والفني، التي سوف تنعكس على اختيار الأفلام المشاركة. وعندما تتوفر تلك المقومات في أي مهرجان عربي، حتما سيكون التعاون مثمرا.

الدورة الثالثة من المهرجان على الأبواب، هل هناك إقبال كبير من المخرجين العرب على المشاركة في المهرجان؟

❊❊ بالتأكيد، هناك تنوع دولي في المشاركة؛ لأن قضية التراث تشغل الفكر العربي بشكل عام، فنجد مشاركات من مصر والجزائر وسوريا والعراق والمغرب وتونس وليبيا وسلطنة عمان والأردن والكويت والسعودية والإمارات، ومازال جاريا استقبال المشاركات. وتُعد قضية التراث العربي وحفظه وصونه والاهتمام بنشره، دورا مهمّا للمخرجين بكافة الدول العربية. وسوف يظهر هذا التنوع الدولي جليا في الأعمال المشاركة؛ سواء فيلم التراث الوثائقي، أو فيلم التراث رسوم متحركة، أو الصورة الفوتوغرافية.

بماذا يتميز برنامج الدورة الثالثة للمهرجان؟ وهل هناك مفاجآت؟

❊❊ أهم ما يميز "المهرجان العربي لفيلم التراث" أنه يسعى للتميز، وأن تأتي كل دورة بجديد. والدورة الثالثة تتميز بإضافة فيلم التراث رسوم متحركة، وبذلك تزداد دائرة جمهور المهرجان لتصل إلى الأطفال، مع التأكيد على أن هذا النوع من الأفلام يجذب الكبار والصغار. أما بخصوص المفاجآت، فبالفعل هناك مفاجأة في ما يخص الجوائز المقدمة، وسوف يُعلن عنها قبل انطلاق فعاليات المهرجان مباشرة.

من أهداف المهرجان التحسيس بالهوية العربية من خلال فيلم التراث، كيف ذلك؟

❊❊ الاهتمام بالثقافة وتوعية الشعوب بهويتها أصبح الشغل الشاغل للإدارات العربية، ولذلك فإن ترسيخ الهوية العربية ودعم القوة الناعمة المتمثلة في الفنون بكل أشكالها وتوجيهها نحو الاهتمام بتناول موضوعات التراث، أصبح ملحوظا؛ من خلال الرجوع إلى عادات المجتمعات وتقاليدها، وتسليط الضوء عليها بالأعمال السينمائية، المتمثلة في فيلم التراث الوثائقي، وفيلم التراث رسوم متحركة، وأيضا فوتوغرافيا التراث، وهم المسابقات الثلاث للدورة الثالثة .

المهرجان يعمل على موضوعات التراث التي تشغل، حاليا، كل الدول؛ شعوبا وحكومات، فنأمل أن تتجه أنظار الحكومات العربية لدعم كل المشروعات التي تتبنى التراث، ومن أهمها المهرجانات الجادة. ومن طرفنا كأساتذة وخبراء وفنانين أكاديميين، لا بد أن يكون لنا دور في صنع  القرارات التي تنصب، بشكل مباشر، في خدمة المجتمع، والحفاظ على التراث العربي، وصونه من خلال الفنانين والمبدعين من مختلف دول العالم.

كلمة نختم بها

❊❊ أدعو جميع الشباب للاهتمام بصناعة فيلم التراث الوثائقي وفيلم التراث رسوم متحركة، وأيضا فوتوغرافيا التراث. أما رسالتي كأستاذ أكاديمي ومخرج ومتخصص في مجال السينما والتراث، فيجب علينا جميعا خدمة المجتمع، والمساهمة في رقيّ الفن والقيم الإنسانية؛ من خلال فيلم التراث، والاتجاه بهذه النوعية من الأفلام اتجاها قوميا، يرعي تراث البلاد، ويعكس هويتنا. وإن المسؤولية التي تقع على عاتقي بشكل شخصي، هي إعداد كوادر مهنية محترفة، تساهم في بناء الأوطان من خلال أعمال فنية خالدة للمجتمعات على المستوى الوطني والقومي والعالمي، كما تساهم في الحفاظ على هوية مجتمعاتهم.