لا بد أن يسترجع المسرح أبناءه
الناقد والباحث المسرحي الدكتور لخضر منصوري
  • القراءات: 1336
حاورته: نوال جاوت حاورته: نوال جاوت

الدكتور لخضر منصوري لـ "المساء":

لا بد أن يسترجع المسرح أبناءه

مشكلتنا أننا لم نوثق التجربة المسرحية الجزائرية

التقت "المساء" الناقد والباحث المسرحي الدكتور لخضر منصوري، وخاضت معه في عدد من المسائل التي لها علاقة براهن المسرح، فوقف عند توثيق الفن الرابع الجزائري، وكذا الاقتباس، وانفتاح المسرح المحلي على العالمية. كما أبدى رأيه في عروض مسرح الشارع، وفي كثير من النقاط التي لها علاقة بالفن الرابع.

خلال افتتاح المهرجان، قالت وزيرة الثقافة والفنون صورية مولوجي، إن الرهان، اليوم، على تقديم مسرح محلي منفتح على العالمية، إلى أي مدى يمكننا النجاح في ذلك؟

❊❊ أنا من المنادين بالمحلية كثيرا؛ لأن الجزائري كسائر البشر، يعيش تحولات يومية. له طموحات وأحلام، ويحب وطنه وغيره. والانطلاقة الأساسية للمسرح العالمي كانت محلية. وأهم الأسماء العالمية صنعت مجد مسرحها من المحلية؛ من العائلة، والقرية، والمدينة. وحاولت إخراج المحلي نحو العالمية؛ أولا من حيث التيمات الإنسانية، لكنها محلية. والمسرح الجزائري كلما ذهب نحو الإنسان، كلما كان مؤسسا، وله قبول عند الآخر حتى ولو اختلفت اللغة المنطوقة أو المشهدية.

ورغم كل التحولات التي مر بها المسرح الجزائري في كل مراحله التاريخية، إلا أنه ليس له "أب"، لكن له "أولاد كثر"، بأساليب ومناهج كثيرة. وهذه الاختلافات جعلت المسرح الجزائري متعدد المشارب والرؤى، لكن جوهره الإنسان الجزائري وراهنه. وأهم خاصية في المسرح الجزائري هي "الأصالة" عكس المسارح الأخرى؛ فطبيعته ثورية سياسية إيديولوجية. ورغم كل التغيرات التي عاشها كان يعود دوما نحو الإنسان الجزائري. وكمثال خلال العشرية السوداء، كانت التعاونيات الخاصة تذهب إلى الجمهور. ووفق ما جاء في كتاب بوزيان بن عاشور "المسرح في حركية"، فإن هذه التعاونيات عُرفت بغزارة الإنتاج؛ كنوع من التحدي، والمجابهة، وصد الظلامية.

تعوّدنا على تفويت الفرص والمواعيد الهامة!

تضمّن برنامج المهرجان الوطني للمسرح المحترف، ندوات أبرزت تجارب مسرحيات عديدة، هل يمكن اعتبار أن مسعى التوثيق قد تحقق؟

❊❊ مشكلتنا أننا لم نوثق التجربة المسرحية الجزائرية؛ فهل وثقنا تجربة علولة، وتجارب أخرى، حتى إن هناك تجارب متميزة ومهمة نجهلها. هناك أسماء على الهامش اشتغلت على نصوص ومسرحيات إنتاجا ونصوصا، ولم توثق. فأول توثيق كان لبشطارزي عبر مصنف "تاريخ المسرح الجزائري" بأجزائه الثلاثة. وقدمت بوتيتسيفا "100 عام على المسرح الجزائري"، ولكن في خضم سيرورة المسرح الجزائري لم توثق إلا صفحة واحدة من كتاب المنجز المسرحي.. لقد نادينا بضرورة التوثيق والتأريخ للمسرح الجزائري منذ سنوات، ولا بد أن نكتب تاريخنا، ونبتعد عن الشفهية.

كثير من الأسماء المسرحية الكبيرة رحلت. وهناك أسماء عديدة يجهلها الباحثون؛ كالموسوعي مصطفى صطوف الذي واكب الحركة المسرحية في البليدة، وكذا تجربة بوقرموح الإخراجية، وتجربة عز الدين مجوبي التمثيلية والإخراجية، وأسماء أخرى غابت بدون أن تؤلف كتابا واحدا عنها. وأتساءل: "كم كتابا عندنا عن المسرح الجزائري؟ إذا أردت المبالغة فسأقول مائة مصنف؛ فهل بيبليوغرافيا المسرح الجزائري هزلت إلى هذه الدرجة؟!".

لدينا عدد لا بأس به من دور النشر؛ فهل تهتم بالبحوث والدراسات المسرحية؟ الجواب "لا". عندما كنت عضوا ضمن لجنة صندوق دعم الإبداع بوزارة الثقافة، اقترحت أن يدرَج في دفتر شروط دعم صناعة الكتاب، بند، يُلزم دور النشر بطباعة دراسة أو بحث مسرحي في السنة، كنوع من المرافقة والدعم، لكن الاقتراح لم يؤخذ بعين الاعتبار، فلم نستثمر لا في كتابة تاريخنا المسرحي، ولا في توثيقه؛ فمثلا، خلّدنا ذكرى الراحل فاروق درارجة، الذي يُعد موسوعيا في توثيقه للمسرح من خلال آلاف الصور والملصقات، وحتى ما يقدمه الإعلام من نقل لحيثيات ما يدور في المشهد المسرحي، يمكن أن نجمعه ضمن مساعي التوثيق.

العيب، أيضا، في مسرحيّينا أنفسهم؛ فكل واحد منهم لديه تجربة وتاريخ إبداعي، لكن لا أحد منهم وثق تجربته، كل كاتب أو مخرج أو ممثل وكل من يدور في فلك أبي الفنون، لديه، على الأقل، صور عرضه، لو نجمعها في بنك معلومات أو تودَع في مراكز بحثية، سنقطع شوطا كبيرا. وفي مجال التوثيق، أشير إلى العمل الذي قامت به الباحثة الأمريكية جان غودمان التي اشتغلت على فرقة "الموجة"، ووضعت كتابا عن حركة مسرح الهواة في الجزائر من وجهة نظر أنتروبولوجية، وما قام به، أيضا، مواطنها مارفين كلارسون، الذي وضع كتابا عن علولة، ونشره في أمريكا، لكن لم يصل إلى الجزائر. وأضيف أن الدولة لم تبخل بالدعم؛ فهناك أموال كبيرة تضَخ في الثقافة، لكنا لم نفكر في التوثيق، وأرشفة المسرح الجزائري. وسنصل إلى اليوم الذي ستلومنا فيه الأجيال القادمة على هذه اللحظة.

الأنتروبولوجية جان سلّمتني 8 جيغا من الصور والوثائق المتعلقة بالمسرح الجزائري

لكن أين يكمن الخلل؛ أهو كسل، أم تجاهل، أم عدم تقدير المسرحيّين لأنفسهم؟

❊❊ هو الكسل، وتعوّدنا على تفويت الفرص والمواعيد الهامة! أعجبني ما قام به مهرجان بحجم "المحترف"، في مساعي توثيق الفعاليات، وهو شيء جميل؛ فما يقوم به شباب لجنة التوثيق سيتم حفظه، لكن الأهم أن يتم نشره وتقاسمه باستخدام الوسائل التكنولوجية المتاحة، وتبنّي مبدأ "دمقرطة المعلومة".. هناك دول لا يمكن قياس تجاربها المسرحية الفنية مع الزخم المسرحي الجزائري، لكنها صنعت لنفسها تاريخا مسرحيا بأبسط الأشياء، من خلال دراسات وألبومات صور. الباحثة الأنتروبولوجية جان غولدمان تحصلت بمكتبة أكس أون بروفانس الفرنسية، على جزء من أرشيف الجزائر المسرحي، وسلمتني ما مقداره 8 جيغا من الصور والوثائق المتعلقة بالمسرح الجزائري خلال فترة الاستعمار الفرنسي، وهو أرشيف ممنوع عن الباحثين الجزائريين، وفيه صور عن مسرحيات بشطارزي وتوري وغيرهما، وعما كان يقدَّم في البليدة وقالمة، وبكل الولايات، ووثائق لعسكريين فرنسيين كانوا يمارسون الرقابة على العروض الجزائرية. وهناك التقارير البوليسية التي اشتغل عليها الراحل الحاج ملياني وأحمد شنيقي. وبالاطلاع عليها نجد تقارير نقدية، وفيها تأريخ لمختلف جوانب الحركة المسرحية الجزائرية خلال الاحتلال.. علينا استرجاع ذاكرتنا المسرحية المفقودة، وأرشيفنا الموجود في فرنسا.

علينا استرجاع ذاكرتنا المسرحية المفقودة

سبق أن أكدتم أن المسرح الجزائري لا يعاني من أزمة نص أو أزمة جمهور ولكن من أزمة إبداع، هل مازلتم عند رأيكم؟

❊❊ لاتزال قائمة، لكن مقاربتها تغيرت مع جيل الصورة والتيك توك؛ هل يمكن المسرحَ الحالي جمع هؤلاء الشباب الذين لا يهتمون به؟... لا بد من تغيير الاستراتيجية والمقاربة، والتخلي عن الكلاسيكية في معالجة الراهن، وطرح تيمات المسرح.. هذه الأزمة تعمقت، وباتت "أزمة فكر". مسرحنا لا يفكر، وليس لديه قاعدة فكرية، ونخاف ممن يفكر، هذا لا يعني أن كل المسرح الجزائري على هذه الشاكلة، فهناك تجارب جميلة خاصة في المدن الداخلية، التي تحاول تقديم المسرح بقواعده السليمة، وتبحث في مسالك جديدة؛ من خلال التجريب، لكن غياب "الأب"، و "الخط الفني"، والقاعدة النظرية، جعل كل من هبّ ودبّ يخوض في المسرح.

أن آتي بنص روائي وأقدمه للمسرح بدون أن أبدع فيه ولا أصنع منه "فعلا"، لا حاجة لي به!

هناك حضور معتبر خلال هذه الدورة للأعمال المقتبسة من الرواية؛ كيف وجدتم هذه التجارب؟

❊❊ لا بأس أن تأتي الرواية إلى المسرح، لكن المشكل إن جاءت الرواية على شكلها الأصلي، فعند ذلك لا يصبح المسرح مسرحا... الاقتباس معروف بكونه فكريا، ومجموعة متتالية من الاقتباسات منذ الإغريق، وأن آتي بنص روائي وأقدمه للمسرح بدون أن أبدع فيه، ولا أصنع منه "فعلا"؛ فلا حاجة لي به.. ثانيا، كم لدينا من كاتب مسرحي متمكن، وذي قاعدة فكرية، وبُعد نظر في الجزائر؟ إنهم يعدُّون على الأصابع؛ لماذا لا نستثمر فيهم، ويصيرون بعد سنوات قليلة مئات؟ الأمور لا بد أن تؤخذ بروية وفق خطة عمل ناجعة.

أرى أن هذا خطأ؛ الرواية تبقى رواية، والمسرح يظل مسرحا، لكن إذا أعجبتني فكرة في رواية أؤسس عليها المسرحية، وأتساءل: "لماذا لا يكتب الروائيون للمسرح، ونعزز بهم المشهد المسرحي؟". المسرح لا بد أن يسترجع أبناءه؛ من خلال فتح النقاش حول كل جوانب العمل المسرحي، وإرساء خطة عمل فعالة، تمس الكتابة، والإخراج، والجانب التقني، وكذا وضع أطر لتسويق أعمالنا؛ فنحن لا نعرف كيف نسوّق ونروّج لأعمالنا ونوثقها؛ فكم من مسرحي كاتب أو مخرج، لديه كتاب عن أحد أعماله! ومن بينهم أنا؛ فرغم تجاربي إلا أنني لم أتمكن من تقاسمها مع المهتمين؛ لأنني منشغل بتطبيقها. وما يحز في نفسي، أن في دول عربية وراء كل تجربة مسرحية، تجد ناقدا يرافق العمل، ويقدم قراءته النقدية له، ويؤطره منذ تبلور فكرة العمل، ويرافق تجسيد العرض، ويوثقه في كتاب، يرصد العملية المسرحية من الفكرة إلى غاية تقديمها للجمهور.. الرواية لا بد أن تبقى كجنس أدبي لها قراؤها، وعلى المسرح أن يعود إلى فضائه، ويصنع الفرجة والمتعة لدى المتفرجين.

لا نعرف كيف نسوّق ونروّج لأعمالنا، ونوثقها

أثث مسرحَ الشارع أمسيات "المحترف15"، وأبانت العروض المقدمة عن تجاوب كبير للجمهور، ما رأيكم في ما قُدم؟

❊❊ أولا، هناك "مسرح شارع"، و"مسرح الشارع"، و"مسرح في الشارع"، لكن أصوله الأولى كانت في الفضاءات المفتوحة، وأفضّل تسمية "مسرح الفضاءات المفتوحة". وُلد في المدينة، وهو شيء مهم جدا. عرف تجارب مهمة في العالم، خاصة تجربة بيتر بروك، وتجربة المسرح الهندي، الذي غالبا ما نتجاهله، وحتى التجارب الإفريقية؛ فبوصلة المسرح الجزائري متجهة، دوما، نحو التجارب الأوروبية، لكن ماذا عن المسرح الإفريقي، الذي يُعد خزانا صانعا؛ حيث هناك تجارب متميزة في كوت ديفوار، والسنغال، والطوغو وغيرها.

وكونه يقام في المساحات المفتوحة لا يعني أنه يفتقد للتقنيات المسرحية، لكن إن أردنا تقديم هذا النوع من المسرح من أجل التنشيط فقط، فلا يمكن ذلك. وللاستثمار في مسرح الشارع، لا بد من استراتيجية مبنية على أسس علمية هادفة، حيث نستهدف الجمهور الذي لا يأتي إلى المسرح؛ بالعمل على التيمات المقترحة، والرؤية الإخراجية المناسبة، فما يقدَّم في الفضاءات المفتوحة مغاير لما يُقترح في العلبة الإيطالية؛ مثلا لماذا لا نقدم عروض "وان مان شو" في الشارع بشكل جديد وبوسائل تقنية مناسبة؟ لماذا تقدَّم عروض مسرح الشارع في النهار فقط، ولا نعمل على إخراج الجمهور من بيوتهم ليلا لمتابعة عروض تزور أحياءهم؟ هناك نماذج كثيرة لذلك؛ حيث يُصطلح عليه باسم "أرت أتاك art attack"، وفيها الفن الرابع، والرقص، والفن التشكيلي.. في اعتقادي، إذا أردنا عروضا تنشيطية فهي في المتناول، لكن إذا أردنا تقديم مسرح الشارع على أنه عرض تنشيطي، فلا يمكن ذلك؛ لأن الغاية من مسرح الشارع ليست التنشيط؛ لأن له قواعد وأسسا علمية، لا بد من تبنّيها.