كسبنا معركة تأسيس ساحة شعرية جزائرية ولم نكسب بعد الإعلام
الشاعر عاشور فني
  • القراءات: 1233
حاورته لطيفة داريب حاورته لطيفة داريب

الشاعر والأمين العام لبيت الشعر عاشور فني ل“المساء”

كسبنا معركة تأسيس ساحة شعرية جزائرية ولم نكسب بعد الإعلام

لم يكتف الشاعر عاشور فني بالشعر كوسيلة للتعبير عن خوالجه، بل أصبح الأمين العام لجمعية "بيت الشعر"، ليقاوم الضربات التي تلقاها الشعر في الجزائر، وهمشته وجعلت منه كائنا منبوذا.. "المساء" التقت بالأستاذ الشاعر عاشور فني، وطرحت عليه العديد من الأسئلة حول الشعر، طبعا، وعن نشاط بيت الشعر وتكيّفه مع مخلفات جائحة "كورونا" والتطورات التكنولوجية، فكان هذا الحوار.

رغم جفاء الإعلام سنستمر في رفع راية الشعر عاليا

كثف بيت الشعر الجزائري من نشاطاته في الفترة الأخيرة، حدثنا عن ذلك؟

❊❊ يملك بيت الشعر الجزائري برنامجا سنويا، يغطي 33 مكتبا عبر التراب الوطني، بالإضافة إلى برنامج المكتب الوطني نفسه. ولجنا السنة الجارية، بتنظيم الملتقى الوطني الثاني حول "الكتابة في الوسط الحضري"، يومي 8 و9 مارس، وهو الملتقى الثاني بعد ذلك الذي جرى في 19، 20 و21 مارس 2018، وقد أصدرنا كتابين حول الملتقى.

هناك أيضا ملتقى وطني حول الأنشودة المدرسية في ورقلة، شارك فيه أكثر من عشرين أستاذا، وهو الثاني بعد ذلك الذي تم تنظيمه بنفس المنطقة في نوفمبر 2018، حول "الشعر في المنظومة التربوية"، وسيصدر كتابان حول هذين الملتقيين قريبا. وملتقى آخر جرى في أم البواقي، تم خلاله تقديم قراءات شعرية وبعض من الندوات.

نعم، أؤكد النشاط الدؤوب للمكاتب الولائية لمكتب الشعر التي نظمت ملتقيات مشهودة، قدمت فيها رؤى في المجالات شعرية، ومع ذلك، لدينا نشاطات أخرى قامت بها المكاتب، ويعود ذلك إلى قرارات الجمعية العامة التي جرت في 26 ديسمبر 2020، حيث تقرر تنظيم أنشطة وطنية في مكاتب ولائية متعددة في نفس الوقت، وتحت شعار واحد، وهو ليس بالأمر الجديد، حيث قمنا في 21 ماي 2018، بمناسبة أربعينية ضحايا حادث الطائرة الشهيرة، رحمهم الله، بتنظيم تظاهرة تحت عنوان "الذين عادوا إلى المساء" على مستوى 11 مكتبا ولائيا، ثم قمنا بنشاط آخر دام شهرا كاملا في فيفري 2019، تحت عنوان من أجل عالم بلا جدران"، ساهم فيه 25 مكتبا، وكان لدينا آنذاك 26، فتم تنظيم 25 نشاطا، وهناك مكاتب نظمت أكثر من نشاط واحد.

أما في هذه السنة، فقد نظمنا نشاطا بمناسبة إحياء عيد النصر واليوم العالمي للشعر، يعني يومي 19 و21 مارس على مستوى 23 مكتبا، وهناك بعض المكاتب نظمت لقاءات وقراءات، أما مكاتب أخرى فقد نظمت ملتقى بسيطا، لكن بعض المكاتب نظمت نشاطات مفتوحة، مثلما جرى في عنابة وأدرار وتندوف، حيث تم تنظيم لقاءات بين الشعراء والجمهور في أماكن مفتوحة، إذن يوجد تنويع كبير فيما يتعلق بالأنشطة، وهو مقصود وتتم إدارته بشكل منظم، ويتم تكراره في المناسبات، مثل إحياء ذكرى بعض الشعراء الكبار أو إعداد ندوة أو نشاط عبر المكاتب الولائية والمكتب الوطني، بمناسبة حدث من الأحداث الوطنية.

تأثر بيت الشعر بجائحة "كورونا" لم يؤد إلى الحد من حماسة الشعراء

ما هدف بيت الشعر من تنظيم هذا الكم الغزير من النشاطات الثقافية؟

❊❊ الغرض منه استعادة الفضاء العمومي لصالح الشعر، لأن الشعر غُيب كثيرا في الأنشطة الثقافية، إلى درجة أن بعض الناس أصبحوا يتحدثون عن زمن آخر غير زمن الشعر، بينما في الحقيقة نحن نعيش زمن الشعر، لكن ما لاحظناه أن وسائل الإعلام لا تستجيب لهذه الأنشطة، وتركز فقط على الأنشطة التي لها صدى في المجال السياسي والرسمي، بينما ما نقوم به في المكاتب الولائية لا يلقى صدى في وسائل الإعلام، وفي هذا نحاول أن نتواصل مع الإعلاميين الذين يشتغلون في الحقل الثقافي، ويدركون أبعاد العمل الثقافي قدر المستطاع، ونحن سعداء جدا بجريدة "المساء" التي رافقتنا منذ نشأة بيت الشعر، وما تزال تغطي نشاطاتنا، لكن هناك وسائل إعلام أخرى لم تول أي عناية لهذه الأنشطة، غير أن هذا الأمر لا يثبط من عزيمتنا، ونحن نعتقد أن الشعر ما زال له جمهور وحضور وتأثير، والإقبال عليه يزدادا يوما بعد يوم.

هل أثرت جائحة "كورونا" على نشاط بيت الشعر؟

❊❊ نعم، جائحة "كورونا" أثرت على المجتمع والأنشطة، وأدى ذلك إلى وقف الأنشطة وغلق الفضاءات العامة، لكن أعتقد أن هذا الظرف لم يؤد إلى قطع العلاقة بالشعر، بل أدى إلى التفكير في أداء العمل الثقافي بوسيلة أخرى، والتفكير في النصوص والأحداث والشعراء وكيفية التعامل معهم، دون أن تكون هناك تجمعات مع الجمهور ولقاءات، وفي هذا السياق، نشر شعراء نصوصهم عبر "الفايسبوك" و"اليوتوب"، وهناك من نشر مقالات ـ مثلا ـ في موقع "سيميا" الذي أعددته شخصيا، أي هناك أنشطة بشكل مختلف، وتعامل مع الشعر بشكل مختلف، لهذا أقول.. نعم تأثر الشعر وبيت الشعر والشعراء بجائحة "كورونا"، لكن هذا لم يؤد إلى الحد من حماسة الشعراء، إلا أن التفكير في العمل أصبح بشكل مختلف.

لدينا أرشيفنا الخاص لكننا لم نتمكن من نشره 

يهتم مكتب الشعر بتوثيق نشاطه بشتى السبل، إلى ما يعود ذلك؟

❊❊ نحن نعمل منذ بداية التأسيس لبيت الشعر على توثيق نشاطاتنا، مثلما هو منصوص في القانون الأساسي وبرنامج العمل، أولا عن طريق الصورة والصوت، يعني تسجيل أنشطتنا قدر المستطاع، خاصة مع المكتبة الوطنية والمكتبات الرئيسية ودور الثقافة التي تتوفر على التجهيزات.

في المقابل، لدينا أرشيفنا الخاص، لكننا لم نتمكن من نشره، لأننا لا نتوفر على مقر والتجهيزات اللازمة التي تسمح لنا بفتح موقع الشعر وتغذيته باستمرار. كما نحاول كلما أعددنا نشاطا أو ملتقى جمع المادة ونشرها في كتاب، وقد نشرنا كتابين، وهناك كتابان آخران قيد الطبع وكتب أخرى نحرص على جمع مادتها لنشرها مستقبلا، فالتوثيق ضروري جدا، لأن أنشطة بيت الشعر كثيرة، وينبغي أن تصل إلى الجمهور الذي لم يحضر النشاط إما في شكل صورة أو فيلم أو كتاب.

في المقابل، أثير مجددا قضية انحصار اهتمام وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ما عدا الإذاعة وبعض الصحف، بالأنشطة التي تكون فيها الشخصيات الرسمية، أما النشاطات الشعرية فقلما يهتمون بها. لدينا الآن أسماء وازنة في الساحة الشعرية، وحينما تشارك في الندوات والمسابقات الدولية تحظى بالقبول، لكنها لا تلقى الاهتمام من وسائل الإعلام المحلية، لهذا ينبغي أن نعمل أكثر لكي تلقى هذه الكفاءات العناية الكافية في وسائل الإعلام ويتعرف عليه الجمهور.

لدينا أسماء وازنة في الساحة الشعرية

كيف يمول بيت الشعر نشاطاته؟

❊❊ نحن في الحقيقة، لم نحصل على تمويل في بيت الشعر، لكن نسعى إلى أن تكون الأنشطة مشتركة مع المؤسسات الثقافية، يعني المكتبة الرئيسية ودار الثقافة والمركز الثقافي والجامعة ومخابر البحث وهكذا، فنحن دائما نقدم التصور والفكرة والأسماء من بيت الشعر، ونطلب من هذه الجهات أن تتكفل ببعض الجوانب الضرورية، مثل الإقامة والإطعام، وأحيانا النقل، كشراء تذاكر الطائرة، وقد وجدنا تجاوبا من هذه المؤسسات، لأن لمعظمها ميزانية مخصصة للأنشطة الثقافية، وتبحث عمن يقوم بها، وهنا أوجه الشكر باسم الأمين العام لبيت الشعر الجزائري للمؤسسات التي وثقت بالأعمال، ونقدمها من بينها المكتبة الوطنية والديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، والوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي، والديوان الوطني للثقافة والإعلام، ودور الثقافة عبر ربوع الوطن والمكتبات الرئيسية عبر الولايات، حيث وجدنا منهم تجاوبا وحماسا، بل ويعتبرون أنفسهم شركاء في الفعل الثقافي، لهذا حتى إن لم تكن لدينا ميزانية مخصصة للنشاط، لكننا دائما نجد شركاء يتكفلون بجزء كبير من التكاليف. أريد أن أشيد أيضا بالشعراء الذين يشاركون بشكل تطوعي، ويدفعون أحيانا من جيبوهم في فعاليات بيت الشعر، ونحن لهم شاكرون، وهذا دليل ثقة في بيت الشعر ودليل اعتبار وتقدير لنوعية عملنا. مع العلم أن بيت الشعر بمكتبه الوطني ومكاتبه الولائية لا يضم الشعراء فحسب، وإنما أساتذة الطور الثانوي والجامعة وفنانين.

ليس لدينا ميزانية مخصصة للنشاط لكننا دائما نجد شركاء

مس نشاط بيت الشعر أيضا مناطق الظل، كيف وجد استقبال الشعر هناك؟

❊❊ بدأنا نشاطنا قبل أن يبدأ استعمال مصطلح "الظل"، وكان ذلك عام 2016. أذكر أننا كنا نذهب إلى مناطق لم يكن معروف فيها النشاط الثقافي ولا الاجتماعي، ونصل إلى مناطق بعيدة جدا، مثل منطقة أولاد جلال، وفي هذه المناطق وجدنا ترحابا وقبولا من المنظمين والجمهور، لأن الحاجات الثقافية للإنسان، مثلها مثل الحاجة إلى الصحة والأكل والتعليم، فالإنسان كل متكامل لا يمكن أن يؤجل حاجة إلى أن يقضي حاجة أخرى، بل يسعى لقضائهما معا، أذكر مثلا رؤساء المكاتب الولائية للجلفة وتبسة وأولاد جلال وأدرار، الذين يذهبون إلى مناطق خارج رقعة الولاية صوب القرى والمناطق البعيدة، وهو ما تم التطرق إليه في الجمعية العامة لمكتب الشعر، التي جمعت رؤساء المكاتب الولائية.

إذن لدينا شبكة من الشعراء الفاعلين في الساحة الثقافية، ينشطون حتى في البلديات والدوائر والقرى، بالتعاون مع المؤسسات الثقافية، مثل مديرية الثقافة ودار الثقافة وقصر الثقافة والمكتبة الرئيسية والمتحف والمركز الثقافي، ومراكز التكوين المهني ومديريات الشباب والرياضة والسياحة، فمثلا في سطيف، يتم تنظيم الأنشطة مع المتحف، أما في تمنراست، فينظم النشاط مع مديرية الشباب والرياضة، بينما في تبسة يكون ذلك مع المكتبة الرئيسية ودار الثقافة ومديرية الثقافة وغيرها، دائما هناك تعاون بين عدة مؤسسات لإقامة النشاط، وفي اليومين السابقين، تم تنظيم ملتقى في بسكرة بعنوان "أيام زيبان للشعر"، بالتعاون مع مديرية الثقافة ودار الثقافة والمسرح والمكتبة الرئيسية، وهكذا نحاول جمع كل هذه الطاقات والاستفادة من القدرات التي استثمرت فيها الدولة الجزائرية.

حاولنا إعادة تكييف الساحة الثقافية بعد إقصاء الشعر من الفعاليات الثقافية

هل تعتقد أن المثقف يقوم بدوره تجاه مجتمعه؟

❊❊ صراحة، نحن ننشط ولا نريد أن نصدر أحكاما، ودون حتى الادعاء بأننا من أهل الثقافة، نحاول أن نقوم بما نحتاج إليه، وقد لاحظنا في المدة السابقة أن الشعراء الجزائريين لم يعد لهم فضاء يجمعهم، أصبح الشعر لا يحضر في الأنشطة الثقافية وأصبح منبوذا فيها نوعا ما، فحاولنا إعادة تكييف الساحة الثقافية من أجل أن يكون الشعر موجودا فيها، وهكذا سنتمكن من الالتقاء بزملائنا. كما أنه في فترة سابقة، لم نعد نعرف الشعراء الجزائريين إلا إذا شاهدناهم في قنوات عربية وأجنبية، لكن الآن الحمد لله، أصبحنا نعرفهم على المستوى الوطني، وبإمكاننا الآن أن نقول، إنه أصبحت لدينا ساحة شعرية وطنية.

هل هذا هو دور المثقف أو دور فاعلين آخرين؟.. لن أجيب على هذا التساؤل، لكنني أقول، إنه من مهامنا جميعا، يعني الشعراء ومسؤولي المؤسسات وحتى المواطنين العاديين والأساتذة، العمل من أجل أن تكون الساحة الشعرية مفتوحة للشعر الجزائري، حتى نعرف كيف يعبر الجزائريون عن وجودهم وكيف يرون الجزائر والعالم، فبلدنا جميل جدا ويستحق التبجيل، وأن نقدمه للجزائريين والعالم، نريد فقط أن يكون الشعر حاضرا مثلما هو موجود في كل مكان، وكل التعبيرات الفنية الأخرى، نريد أن تكون هذه المواهب موجودة، وأن يكون الشعر حاضرا، نحن في بيت الشعر شعرنا بأنه من واجبنا أن نقوم بعمل ما، فقمنا به، لكن لا يمكن أن ننجح فيه بمفردنا، لا بد أن تتضافر جهود الجميع من أجل تحقيق هذا الهدف النبيل.

يمكننا القول إنه أصبحت لدينا ساحة شعرية وطنية

هل تمكن بيت الشعر من إعادة الشعر إلى مكانه؟

❊❊ نعم، أعتقد أن الشعر الآن أصبحت له ساحة وبرنامج وأنشطة وفاعلون رسميون بأوراقهم، الشاعر الآن مواطن بإمكانه أن يتجه إلى الولاية أو البلدية ويقدم أوراقه الثبوتية، ويطلب تنظيم نشاط ثقافي، وهذا ما لم يكن ممكنا في السابق، فقد كنا دائما ننتظر دعوات تأتينا من دار الثقافة أو الجامعة أو جهات أخرى لكي نقدم إبداعنا، لكننا اليوم نحن من نوجه الدعوات للآخرين، هذا أول شيء قمنا به في بيت الشعر، أي أن يكون بإمكان الشعراء تنظيم نشاط، وأن يدعوا بعضهم ويدعوا الآخرين، نحن عدنا إلى الساحة ليس كلها، لكن الساحة الشعرية أصبحت موجودة والساحة الأكاديمية أيضا، من خلال تعاوننا مع مخابر البحث والأساتذة الجامعيين والباحثين، أصبح لدينا حضور في الجامعات والعكس الصحيح، لكن بقيت لنا الساحة الإعلامية التي تحتاج إلى علاج وطول نفس، ليهتم رجال الإعلام بما يجري في الساحة الشعرية، وسيحدث ذلك إذا انفتحت الساحة الشعرية على كل الأشكال الأخرى، وأصحبت بذلك ساحة ثقافية، وهذا ما نعمل من أجله. نعم جهودنا متواصلة، لكن الأثر سيأتي لاحقا إن شاء الله.

أصبح للشاعر أوراقه الثبوتية التي تمكنه من تنظيم النشاطات، وهو ما كان محظورا

كونك درست 34 سنة في كلية العلوم والاتصال، وكونك أيضا ناشطا ثقافيا، كيف تُعرف دور الثقافة في عملية الاتصال؟

❊❊ الثقافة ضرورية في الاتصال ومؤثرة فيه، لأن الاتصال سواء كان شخصيا أو جماعيا أو جماهيريا، يحمل دائما رسالة ثقافية أساسا، كما أن تبادل الرسائل بين المتصلين تحكمه قيم ثقافية ونتائجه قيم ثقافية، لهذا نقول إن الثقافة في الوقت الحالي في العالم ككل، أصبحت هي بداية الحضور في الشبكة الدولية، لأن الشبكات الدولية، وأقصد شبكات الإعلام وشبكات الاتصال وشبكات التواصل الاجتماعي في الوقت الحالي، تقتضي رموزا، وتقتضي أن تكون الرموز التي تمثل ثقافة ما موجودة. هذه الرموز ينتجها المثقفون والمبدعون، وقد تكون أغنية أو منظرا طبيعيا أو صورة أو لباسا تقليدا أو نكتة أو مقابلة رياضية أو أكلة شعبية، كلها تتحول إلى ثقافة في زمن الشبكات التي تطلب المزيد، فلا بد لها من الزخم الهائل للإنتاج الثقافي لتغذيتها، إن لم نملأ الشبكات بثقافتنا ورموزنا وحضورنا، سيملؤها آخرون برموزهم، بل إن رموزنا في بعض الأحيان أصبحت تقدم على أنها رموز الآخرين، وهذا في الحقيقة نقص فادح في الرؤية العامة للسلطات والفاعلين وفي القدرات المخصصة للإنتاج الثقافي، لأن النقص في الإنتاج الثقافي أو نقص جودته، تؤدي إلى انعزاله وعدم ذكره في الشبكة الإعلامية، وهذا شيء خطير جدا.

نحن نحاول أن نقدم المنتوج الثقافي النوعي والرموز الثقافية ذات الدلالة العالية والوجه المشرق للجزائر والحياة الثقافية، والحياة عموما، التي يمكن تسويقها على مستوى الشبكة، سواء شبكة التواصل الاجتماعي أو شبكات الإعلام الدولية، أو شبكات الاتصال بشكل عام، لكن للأسف، حينما ننظر إلى عدد المواقع الإلكترونية لأي بلد، نجدها في تزايد، بينما في الجزائر محدودة. كما أن وسائل الإعلام التقليدية في الجزائر ما زالت تعمل بالأسلوب المعتاد، رغم أن المستهلك الخاص في هذه الفترة التي نعيشها يطلب أشكالا أخرى من الإنتاج، ورموزا أخرى ونوعية أخرى من الإنتاج، علينا أن نكون قادرين على إنتاجها.

كسبنا الساحة الشعرية والساحة الأكاديمية، بقيت لنا الساحة الإعلامية

ما رأيك في المنتديات والنشاطات الثقافية الافتراضية التي غزت "الفايسبوك" في فترة "كورونا"؟

❊❊ ربما في الأشهر الأولى من الحجر كان هناك ركود، فقد اندهش الجميع مما يحدث، ولم يعرفوا ماذا يجري وكيف يتصرفون، بعد ذلك استعادت الفعاليات الثقافية روحها وعادت إلى النشاط بشكل جديد، من خلال اتباعها لطرق جديدة في التوزيع وفي عرض المنتجات، خاصة اعتمادها على البيع الإلكتروني، والمتاجر الإلكترونية والتسويق الإلكتروني، كل هذه الأمور أصبحت شائعة في الفترة الأخيرة، كما أصبحت لدينا منتديات ثقافية تبث مباشرة، وأحيي بهذه المناسبة، المنتدى الثقافي الجزائري ومنتدى "جسور" للتواصل الثقافي، وعدة منتديات، بالإضافة إلى القنوات الشخصية التي يقدمها باحثون وشعراء، والبث المباشر الذي يقوم به الناشطون في الحقل الثقافي، هم يقومون في الحقيقة بجهد مشكور، لأنهم يعيدون الثقافة إلى جمهورها، في إطار التجديد في الوسيلة والانفتاح على جماهير لم تكن متاحة لها هذه الأنشطة من قبل.

علينا ملء الشبكات برموزنا وإلا ستملأ من طرف آخرين برموزهم، فرموزنا تقدم على أنها رموز الآخرين

هل من تفاصيل حول الدورية التي أنشأتها مؤخرا تحت اسم "المرجع"؟

❊❊ بالإضافة إلى نشاطي في بيت الشعر الجزائري، قمت بتأسيس مؤسسة خاصة اسمها مؤسسة "سيميا" للاستشارات والدراسات والتدريب والإعلام والاتصال والنشر، تقوم بمجموعة أعمال في المجال الثقافي، مثل قيامها مؤخرا، بدراسة حول القراء والمقروئية، وتنظيمها دورات حول إنشاء المؤسسات ودراسة السوق الثقافية، إضافة إلى التحضير لإطلاق عدة مشاريع إعلامية، منها مشروع المجلة الأكاديمية "المرجع" الموجهة للبحث العلمي والباحثين، لأننا نلاحظ بأن البحث العلمي في الجزائر يعاني من نقص في المنابر، وأقصد بها المجلات العلمية التي تقبل بالبحوث، ونحن نقدم هذا المنبر للباحثين والأساتذة، ونحاول أن تكون المجلة منوعة قدر ما استطاعت، وهي تغطي تخصصات في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية.

التوثيق ضروري جدا

هل هي مجلة إلكترونية أم ورقية؟

❊❊ نحن الآن بصدد إعداد النسخة الورقية لمجلة "المرجع"، عدد مارس، مباشرة بعد ذلك، تصدر النسخة الإلكترونية، لننطلق بعدها في إنجاز العدد الثاني. هي مجلة دورية محكمة مخصصة للبحوث والدراسات الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وربما سننظم عبرها بعض المنتديات والملتقيات، وحتى إصدار أعمال في هذا المجال. إذن هذه دعوة للباحثين لكي يرسلوا أعمالهم، سواء تعلق الأمر بالأدب أو الفنون واللغة وعلم النفس وعلم الاجتماع والاتصال والتاريخ والاثار والأنثروبولوجيا لدورية "المرجع".

السوق الثقافي في الجزائر متنوع وبعضه يشهد نجاحا

نظمت مؤخرا، ورشة حول السوق الثقافية في البيئة الجزائرية، ماذا يمكنك القول في هذا الموضوع؟

❊❊ الورشة طلبها المنتدى الذي تم تنظيمه بين وزارة الثقافة ووزارة المؤسسات الناشئة، وجمعية "بسكرة تقرأ"، وضحت فيها الخطوات والجوانب التي تتناولها دراسة السوق فيما يتعلق بالإنتاج الثقافي، لأن الكثير من الشباب يودون إنشاء مؤسسات ثقافية، لكن يجهلون ما هي خصوصيات السوق الثقافية في الجزائر، فقدمنا خلال هذه الورشة، هذه الجوانب، أي ما تقتضيه دراسة السوق الثقافية بشكل عام، وفي الجزائر تحديدا.

كيف هو حال السوق الثقافية في الجزائر؟

❊❊ هناك أسواق ثقافية عديدة، وهذه الأسواق متنوعة إلى درجة كبيرة جدا، مثلا نجد سوق الفيلم مختلف عن سوق الأغنية، ونفس الشيء بالنسبة لسوق الكتاب والفيديو والبحث العلمي، وهكذا نجد كل سوق تتطلب نوعا معينا من المنتجات، وفاعلا من طبيعة معينة، ولها سلوك وتقاليد وطريقة تعامل تختلف من سوق إلى أخرى.

الأسواق متنوعة وتتطلب خبرة كل سوق على حدة. فهي متنوعة كما ذكرت، وليست على نفس الدرجة من الربحية والسيولة، مثلا سوق الأغنية رائج منذ سنوات عديدة، أما سوق الكتاب، على الرغم من الصعوبات، فهو أيضا سوق منطلق، وفيه استثمارات في النشر والتوزيع وفي المكتبات.. إلخ، إذن هو سوق فيه مجموعة من الفاعلين. مثلا نتحدث عن سوق الفن التشكيلي وهو سوق رائج، لأن اللوحة الزيتية لا تسوق كما يسوق الكتاب، إنما تباع في الأروقة والمعارض والأسواق الإلكترونية، أي البيع الإلكتروني للوحات، وتعرف كل هذه الأسواق تحولات خاصة في ظرف التطورات التكنولوجية ومخلفات الحجر الصحي، حيث عرفت بروز طرق جديدة في التسويق والبيع والتوزيع، وهناك تطبيقات وفاعلون جدد دخلوا الأسواق، ويقدمون منتجات بأشكال مختلفة تحتاج إلى دراسة وتمعن، والمؤسسة مستعدة لتقديم خبرتها في هذا المجال.